
أثارت الطريقة التي وصل بها علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء وما رافقها من ضجة إعلامية وسياسية، جملة من التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة في العراق، ولا سيما أن ذلك جاء في ظل انتخابات وصفت من قبل العديد من المراقبين بأنها لم تحدث تغييرا حقيقيا في بنية السلطة، بل أعادت إنتاج القوى ذاتها التي حكمت البلاد طوال العقدين الماضيين لقد أفرزت العملية السياسية التي تأسست بعد عام 2003 نظاما قائما على المحاصصة الطائفية والإثنية، كان من المفترض أن يقود إلى بناء دولة ديمقراطية مستقرة، إلا أن الحصيلة بعد أكثر من عشرين عاما تكشف واقعا مختلفا، إذ تعمقت ظواهر الفساد، وضعفت مؤسسات الدولة، وتراجعت الخدمات، واتسعت الهوة بين المواطنين والطبقة السياسية، كما انخفضت نسب المشاركة
في الانتخابات، بما يعكس أزمة ثقة عميقة في النظام السياسي برمته وفي ضوء هذه الأزمة البنيوية، يبرز سؤال مشروع: هل بدأت القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة تعيد تقييم النموذج الذي رعته بعد عام 2003؟ وهل وصلت إلى قناعة بأن نظام المحاصصة استنفد قدرته على الاستمرار، وأن الحاجة باتت تقتضي البحث عن صيغة حكم أكثر مركزية، قادرة على فرض الاستقرار وحماية المصالح الاستراتيجية؟ لا يمكن الجزم بأن هذا هو ما يجري بالفعل، غير أن جملة من المؤشرات تدفع إلى التفكير في هذا الاحتمال، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القوى الكبرى عندما تفشل الترتيبات السياسية القائمة في تحقيق أهدافها، تميل إلى البحث عن بدائل أكثر قدرة على ضبط المشهد، وغالبا ما يكون ذلك عبر دعم شخصية قوية تمتلك
صلاحيات واسعة حتى وإن جاء ذلك على حساب التوازنات الديمقراطية ومن هنا لا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج صدام حسين كشخص أو كنظام بعثي، وإنما بإعادة إنتاج نموذج ”الرجل القوي" الذي تتركز بيده السلطة، ولكن هذه المرة في سياق سياسي مختلف، ومن داخل البيئة التي أفرزها نظام ما بعد عام 2003، أي من داخل الإسلام السياسي لا من خارجه ولعل هذا الاحتمال يكتسب أهمية أكبر في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، فالنفوذ الإيراني الذي شكل أحد أهم ركائز التوازنات العراقية خلال السنوات الماضية، يواجه تحديات متزايدة نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، وما أصاب عددا من حلفائه في لبنان وسوريا واليمن، فضلا عن العراق نفسه، وهذه التطورات قد تدفع مختلف القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة رسم موازين القوى داخل العراق، بما ينسجم مع المرحلة الجديدة إن القول بإن العراق يقف على أعتاب مرحلة مختلفة لا يعني أن السيناريو قد حسم، ولا أن الأحداث ستسير بالضرورة في هذا الاتجاه، لكنه يدعو إلى قراءة متأنية للوقائع بعيدا عن الانطباعات السطحية أو الأمنيات السياسية لقد أثبتت التجربة العراقية أن بناء الدولة لا يتحقق عبر المحاصصة، كما لا يتحقق عبر إعادة إنتاج الاستبداد، مهما اختلفت شعاراته أو مرجعياته الفكرية فالدولة القادرة على تحقيق الاستقرار هي الدولة التي تستند إلى المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية، لا إلى حكم الفرد أو احتكار السلطة لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من هو علي الزيدي؟ بل: إلى أين يتجه العراق؟ وهل نحن أمام بداية مراجعة شاملة للنظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج السلطة بصيغة جديدة، تختلف في الشكل لكنها قد تتشابه في الجوهر مع تجارب عرفها العراق في مراحل سابقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على طبيعة الصراعات الداخلية، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وقدرة العراقيين أنفسهم على فرض مشروع وطني ديمقراطي يقطع مع نظام المحاصصة، ويرفض في الوقت ذاته العودة إلى أي شكل من أشكال الحكم الفردي.







