
في 1 (أكتوبر) تشرين الأول 2021، أصدر ممثلو الجاليات العراقية في 17 دولة من دول المهاجر نداءً تحت شعار "نريد وطن" مستذكرين فيه انتفاضة تشرين الأول 2019 جاء فيه:
"اننا في منظمات وتنسيقيات وتجمعات الجاليات العراقية في أكثر من 17 دولة، ندين بشدة قمع حرية التعبير والفكر والتظاهر المكفولة بالدستور العراقي، ونحمل الرئاسات الثلاثة مسؤولية حماية المواطنين وتطبيق الدستور. ونطالب بالتغيير والإصلاح الشامل للعملية السياسية، من أجل عراق مدني ديمقراطي يحترم التعددية والعدالة الاجتماعية."
إن انتفاضة تشرين في العراق لم تكن حدثًا عابرًا في سجل الاحتجاجات، بل كانت لحظة كشف كبرى بين المجتمع والدولة. ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، خرج آلاف الشباب في بغداد ومدن الوسط والجنوب مطالبين بالعمل والخدمات ومحاربة الفساد وإنهاء المحاصصة السياسية. ومع اتساع الاحتجاجات، تحولت المطالب من تحسين الأوضاع المعيشية إلى سؤال أعمق: أي دولة يريدها العراقيون بعد سنوات طويلة من الخيبة؟
أهمية تشرين لا تكمن فقط في أنها أسقطت حكومة عادل عبد المهدي ودفعت نحو قانون انتخابي جديد وانتخابات مبكرة، بل في أنها صنعت وعيًا سياسيًا جديدًا، خصوصًا بين الشباب. لقد كسرت حاجز الخوف، ووضعت الشرعية السياسية أمام اختبار الشارع. فالحكومة، أيّ حكومة، لم تعد تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على حماية المواطن، وتوفير الخدمات، ومحاسبة الفاسدين، ومنع السلاح المنفلت من ابتلاع الدولة.
لكن جرح تشرين ظل مفتوحًا. فقد أشارت منظمات حقوقية إلى أن العدالة ما تزال بعيدة بالنسبة إلى ضحايا الاحتجاجات، وأن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في كشف الحقيقة كاملة أو محاسبة المسؤولين عن القتل والقمع والتغييب. (800 شهيد، 20000 جريح، مئات من المغيبين والمفقودين) وهذا يعني أن تشرين لم تنتهِ بانسحاب المتظاهرين من الساحات، بل بقيت معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا يحاكم أداء السلطة.
في هذا السياق يأتي برنامج رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تسلم رئاسة الحكومة عام 2026 بحسب التقارير المتداولة، حاملاً وعودًا بالإصلاح الاقتصادي، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وخلق فرص عمل، واستعادة هيبة الدولة. كما أن خلفيته كرجل أعمال ووجه غير تقليدي في السياسة العراقية جعلت البعض ينظر إليه بوصفه فرصة للخروج من منطق الوجوه السياسية القديمة، بينما رأى آخرون أن افتقاره إلى الخبرة السياسية قد يجعله أسيرًا للقوى التي جاءت به إلى المنصب.
العلاقة بين تشرين وبرنامج الزيدي هي علاقة اختبار لا علاقة شعارات. فمطالب تشرين ليست غامضة: دولة عادلة، مؤسسات قوية، اقتصاد لا يطرد شبابه إلى البطالة، قضاء مستقل، وخدمات تحفظ كرامة المواطن. فإذا استطاع برنامج الزيدي أن يترجم هذه المطالب إلى سياسات ملموسة، فسيكون قد اقترب من روح تشرين. أما إذا بقي البرنامج في حدود الوعود العامة، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع ستتسع من جديد.
إن التحدي الأكبر أمام الزيدي لا يتمثل في إعلان مكافحة الفساد، بل في القدرة على محاربة شبكات الفساد الفعلية. ولا يتمثل في الحديث عن فرص العمل، بل في بناء اقتصاد منتج يقلل الاعتماد على النفط. ولا يتمثل في رفع شعار هيبة الدولة، بل في جعل السلاح والقانون والقرار السياسي بيد الدولة وحدها.
لقد قالت تشرين إن العراق لا يعاني من نقص في الشعارات، بل من نقص في التنفيذ. ولذلك فإن برنامج أي رئيس وزراء بعد 2019 يجب أن يُقرأ على ضوء تلك الانتفاضة. فالشباب الذين خرجوا إلى الساحات لم يطلبوا المستحيل؛ طلبوا وطنًا طبيعيًا، تُحترم فيه حياة الإنسان، ويُحاسَب فيه الفاسد، وتُدار فيه الثروة لخدمة الناس لا لخدمة الأحزاب.
إن نجاح حكومة الزيدي لن يُقاس بعدد الوعود التي أطلقتها، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال تشرين الكبير: هل تستطيع الدولة العراقية أن تصبح دولة مواطنين لا دولة حصص؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد يكون برنامجه بداية تحول. أما إذا بقيت البنية القديمة أقوى من إرادة الإصلاح، فإن تشرين ستبقى حاضرة، لا كذكرى فقط، بل كاحتمال دائم للعودة إلى الشارع.
في 1 (أكتوبر) تشرين الأول 2021، أصدر ممثلو الجاليات العراقية في 17 دولة من دول المهاجر نداءً تحت شعار "نريد وطن" مستذكرين فيه انتفاضة تشرين الأول 2019 جاء فيه:
"اننا في منظمات وتنسيقيات وتجمعات الجاليات العراقية في أكثر من 17 دولة، ندين بشدة قمع حرية التعبير والفكر والتظاهر المكفولة بالدستور العراقي، ونحمل الرئاسات الثلاثة مسؤولية حماية المواطنين وتطبيق الدستور. ونطالب بالتغيير والإصلاح الشامل للعملية السياسية، من أجل عراق مدني ديمقراطي يحترم التعددية والعدالة الاجتماعية."
إن انتفاضة تشرين في العراق لم تكن حدثًا عابرًا في سجل الاحتجاجات، بل كانت لحظة كشف كبرى بين المجتمع والدولة. ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، خرج آلاف الشباب في بغداد ومدن الوسط والجنوب مطالبين بالعمل والخدمات ومحاربة الفساد وإنهاء المحاصصة السياسية. ومع اتساع الاحتجاجات، تحولت المطالب من تحسين الأوضاع المعيشية إلى سؤال أعمق: أي دولة يريدها العراقيون بعد سنوات طويلة من الخيبة؟
أهمية تشرين لا تكمن فقط في أنها أسقطت حكومة عادل عبد المهدي ودفعت نحو قانون انتخابي جديد وانتخابات مبكرة، بل في أنها صنعت وعيًا سياسيًا جديدًا، خصوصًا بين الشباب. لقد كسرت حاجز الخوف، ووضعت الشرعية السياسية أمام اختبار الشارع. فالحكومة، أيّ حكومة، لم تعد تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على حماية المواطن، وتوفير الخدمات، ومحاسبة الفاسدين، ومنع السلاح المنفلت من ابتلاع الدولة.
لكن جرح تشرين ظل مفتوحًا. فقد أشارت منظمات حقوقية إلى أن العدالة ما تزال بعيدة بالنسبة إلى ضحايا الاحتجاجات، وأن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في كشف الحقيقة كاملة أو محاسبة المسؤولين عن القتل والقمع والتغييب. (800 شهيد، 20000 جريح، مئات من المغيبين والمفقودين) وهذا يعني أن تشرين لم تنتهِ بانسحاب المتظاهرين من الساحات، بل بقيت معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا يحاكم أداء السلطة.
في هذا السياق يأتي برنامج رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تسلم رئاسة الحكومة عام 2026 بحسب التقارير المتداولة، حاملاً وعودًا بالإصلاح الاقتصادي، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وخلق فرص عمل، واستعادة هيبة الدولة. كما أن خلفيته كرجل أعمال ووجه غير تقليدي في السياسة العراقية جعلت البعض ينظر إليه بوصفه فرصة للخروج من منطق الوجوه السياسية القديمة، بينما رأى آخرون أن افتقاره إلى الخبرة السياسية قد يجعله أسيرًا للقوى التي جاءت به إلى المنصب.
العلاقة بين تشرين وبرنامج الزيدي هي علاقة اختبار لا علاقة شعارات. فمطالب تشرين ليست غامضة: دولة عادلة، مؤسسات قوية، اقتصاد لا يطرد شبابه إلى البطالة، قضاء مستقل، وخدمات تحفظ كرامة المواطن. فإذا استطاع برنامج الزيدي أن يترجم هذه المطالب إلى سياسات ملموسة، فسيكون قد اقترب من روح تشرين. أما إذا بقي البرنامج في حدود الوعود العامة، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع ستتسع من جديد.
إن التحدي الأكبر أمام الزيدي لا يتمثل في إعلان مكافحة الفساد، بل في القدرة على محاربة شبكات الفساد الفعلية. ولا يتمثل في الحديث عن فرص العمل، بل في بناء اقتصاد منتج يقلل الاعتماد على النفط. ولا يتمثل في رفع شعار هيبة الدولة، بل في جعل السلاح والقانون والقرار السياسي بيد الدولة وحدها.
لقد قالت تشرين إن العراق لا يعاني من نقص في الشعارات، بل من نقص في التنفيذ. ولذلك فإن برنامج أي رئيس وزراء بعد 2019 يجب أن يُقرأ على ضوء تلك الانتفاضة. فالشباب الذين خرجوا إلى الساحات لم يطلبوا المستحيل؛ طلبوا وطنًا طبيعيًا، تُحترم فيه حياة الإنسان، ويُحاسَب فيه الفاسد، وتُدار فيه الثروة لخدمة الناس لا لخدمة الأحزاب.
إن نجاح حكومة الزيدي لن يُقاس بعدد الوعود التي أطلقتها، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال تشرين الكبير: هل تستطيع الدولة العراقية أن تصبح دولة مواطنين لا دولة حصص؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد يكون برنامجه بداية تحول. أما إذا بقيت البنية القديمة أقوى من إرادة الإصلاح، فإن تشرين ستبقى حاضرة، لا كذكرى فقط، بل كاحتمال دائم للعودة إلى الشارع.
10 تموز 2026







