مثل من الموروث الثقافي الألماني (Die Hoffnung stirbt zuletzt)
الوضع المأساوي الذي يمر به وطننا كاستمرار لنظام القمع البعثفاشي الذي لبس ثوب القومية لتنفيذ جرائمه البشعة، استمر به ركاب الدبابة الأمريكية ولكن بلباس ديني هذه المرة، هذا الوضع وضع شرخاً واسعاً بين الحكومة والشعب والذي تجلى على أوضح صوره بفقد الثقة بين الجانبين حتى اصبح التعليق على اية حكومة جديدة يتكرر دون أي تغيير في نص خوجة علي مُلّه علي.
هذا ما واجه حكومة السيد علي الزيدي ايضاً حين الإعلان عنها وعن رئيسها الملياردير الذي فسره الجميع على انه جزء من المنظومة الاقتصادية التي لعبت دورها في هذا المجال دون ان يكون لها ما يُذكر في مجالات النشاط الأخرى السياسية والدينية التي مارسها الآخرون قبله.
وكنت من أولئك الذين كتبوا بما يوحي بعدم وجود أي مبرر للتفكير ببارقة أمل قد يأتي بها رئيس الوزراء الجديد، وذلك استناداً لتجارب ثلاثة وعشرين عاما من تكرار الوجوه التي لم تعمل ولو بالجزء اليسير على هدم جدار اليأس بينها وبين الشعب.
إلا انني يجب ان اتراجع ، ولو على سبيل التجربة، عما كتبته سابقاً مستنداً الى حدثين حدثا يوم امس الأحد الثامن والعشرين من شهر حزيران لعام 2026، والحدث الثاني الذي يتعلق بسماعي الى خطاب رئيس الوزراء في مجلس الوزراء واثناء اجتماعه بهم، ولا أدري هل كان ذلك في نفس اليوم ام لا.
أبدأ بخطاب رئيس الوزراء الذي وجدت فيه ما يوحي بوجود سبب جديد للتفاؤل بشيء إيجابي جديد قد يغير ، ولو ببطء وبالتدريج ، في بعض المسارات التي انهكت الشعب والوطن في العقدين الماضيين من الزمن.
النقطة الأولى التي جلبت انتباهي هي طرحه المتضمن النقد الحاد والرفض للسياسة المالية التي اتبعتها الدولة لحد الآن. وقال ، موجهاً كلامه الى وزير المالية، ان وزارة المالية كانت تعمل على ان تكون مهمتها استلام واردات الدولة ومن ثم جدولة مصروفاتها. وهذا ما اعتبره رئيس الوزراء خطأً لا ينبغي ان تسير عليه وزارة المالية بعد الآن مطالباً هذه الوزارة بان تضع السياسية المالية للدولة. وقد ذكر بصدد ذلك مثلاً اعجبني حقاً إذ قال : لو جرى استثمار 2% من واردات الدولة لإيجاد البدائل للواردات التي تعتمد على النفط بشكل أساسي، لأصبح عندنا الآن بديلاً عن النفط يشكل 46% من سياسة الدولة المالية، وهذه ملاحظة تستحق الاهتمام فعلاً. ولا ندري مدى انسجام هذا الطرح مع ما صرح به المحاصصاتي عمار الحكيم حينما جعل وزارة المالية من نصيبه " للمحافظة " على أموال الشعب، كما يزعم حرامي الجادرية والنجف.
وإذا ما تجاوزنا تصريحاً سابقاً للسيد على الزيدي حول التخلي عن الاقتصاد الاشتراكي ، وكأننا مارسنا هذا الاقتصاد في مرحلة ما من مراحل الدولة العراقية الحديثة، إذ ان الخوض في نقاش كهذا لا مجال له الآن لأنه يعني الخوض في مسائل قد لا يستوعبها التوجه الرأسمالي للسيد رئيس الوزراء.
إلا ان ما طرحه حول الاهتمام بالقطاع الخاص له أهمية يجب ان يساهم الاقتصاديون المتمرسون بتنفيذها استناداً الى الوضع المعاشي الذي يمر به الشعب العراقي الذي يشكل الفقر فيه نسبة قد تصل الى الثلث. فالقطاع الخاص الذي لا شك بأهميته ومشاركته الدولة في تحقيق اقتصاد وطني متين، إلا انه يجب ان لا يخرج عن نطاق الضوابط التي تضعها الدولة التي تسعى لتحقيق التغيرات الإيجابية في حياة المواطنين. أي ان القطاع الخاص ينبغي ان لا يكون استثمارياً تتحكم فيه قوانين العرض والطلب فقط، بل ان يجب ان يتمثل فيه الواقع الاجتماعي والقوة الشرائية للمواطنين وهذا ما يجب ان تضع مقوماته الدولة في سياستها التي تشمل القطاع الخاص ايضاً.
كما أولى في خطابه مسألة البدائل للنفط الذي يشكل اكثر من 90% من واردات الدولة. وتطرق الى البدائل الموجودة حالياً والتي، من وجهة نظري شخصياً، لم يجر الاستفادة منها بدعم الاقتصاد الوطني ، بل تذهب الى جيوب حيتان المحاصصات ولصوص الاستثمارات والمقاولات، كواردات المنافذ والكمارك والنقل والمرور والضرائب وغيرها.
إن مثل هذه الأطروحات تبعث الأمل في نفوس ملَّت الارتقاب ولجأت الى اليأس الذي قد يبدد جزءً منه الإجراءات الأخيرة بحق الفاسدين، وهذا هو الحدث الثاني الذي قد يزيل فجوة انعدام الثقة التي رافقت مسيرة حكومات لصوص الإسلاميين وحلفاؤهم من القوميين الشوفينيين والطائفيين.
اعتقد اننا امام بارقة امل لابد من دعمها ، بغض النظر عن اية اعتبارات أخرى، لأن مثل هذه الإجراءات سواءً كانت مؤقتة او ستستمر، فأنها ستساهم فعلاً باسترداد ولو جزءً يسيراً من المسروقات وإبعاد بعض كبار اللصوص عن سوح لصوصيتهم. ويمكننا كشعب عراقي ذاق الامرين من عمالة وحقارة ونذالة الحكومات السابقة ان يستفيد من هذه الإجراءات بحق اللصوص ليجعلها ، بقوة إرادته وتصميمه ، ذات ديمومة يُجبر عليها الحكام الجدد وغلق كافة السبل التي تعوق دون استمراريتها لتشمل المزيد من اللصوص ، وهم كثيرون وكثيرون جداً.