" في السياسة لا يوجد فرق

بين خيانة بسبب الغباء

أو خيانة بشكل متعمد

 ومحسوب "

لينين

 

اعتادت أمتنا العربية والإسلامية، ومنطقتنا برمتها، على أطماع قوى الشر العالمية وعدوانيتها، وتدخلاتها في شؤوننا الداخلية، وما يترتب على ذلك من صراعات وحروب تُخلّف الفقر والخراب والدمار ومعاناة المواطنين. ومما لا شك فيه أن الشعوب، حين تتعرض للعدوان والحروب المفروضة عليها، تبرز فيها قوى خيرة ومناضلة ترفض الذل والهوان، وتتخذ سُبلاً شتى لمواجهة هذا العدوان وردعه. وتعتبر مقاومة الشعوب للاحتلال الأجنبي أو الاستعمار حقاً مشروعاً تكفله القوانين الدولية والشرائع السماوية؛ فقد نصت قرارات الأمم المتحدة على حق الشعوب في تقرير مصيرها واستخدام كافة الوسائل المتاحة، بما فيها الكفاح المسلح، لمواجهة الاحتلال. ويستند هذا الحق إلى مبدأ الدفاع عن النفس، ولا يُصنف إرهاباً بل نضالاً من أجل الحرية والاستقرار؛ وبذلك تتشكل قوى المقاومة المشروعة التي تدافع عن حقوقها وأرضها وعرضها وكرامتها. فمن منظور القانون الدولي، تؤكد قرارات الأمم المتحدة حق الشعوب في الكفاح بجميع الوسائل المتاحة للتحرر من الاحتلال، ومن منظور المبادئ الأخلاقية والاجتماعية والأعراف السائدة، تُعد المقاومة شكلاً من أشكال الدفاع الجماعي عن النفس وحماية الحقوق.

تتعدد أساليب المقاومة بتعدد الظروف المتاحة للنضال، ويُعدُّ الكفاح المسلح أحد أبرز هذه الأساليب؛ حيث يؤكد خبراء القانون الدولي أن سلاح المقاومة يتمتع بمشروعية قانونية ولا يجوز نزعه .

تُعد المقاومة وسيلة لتحقيق الهدف الأسمى المتمثل في التحرر من الهيمنة الاستعمارية والاحتلال. فهي تحصيل حاصل يظهر بوجود المعتدي،  وتعتبر مسألةً دفاعيةً فطرية تشبه في جوهرها المناعة الطبيعية   (Immune System) جهاز المناعة التي تحمي جسد الإنسان من مسببات الأمراض التي تهدد صحته.

 بينما المقاومة  (Resistance): هي قدرة  (الجسم) في التغلب على هجوم العامل الممرض .

وقد تأخذ المقاومة  عندما تتعرض  الامة للعدوان طابعاً شعبياً يساند القوات المسلحة الرسمية عبر متطوعين يدافعون عن الوطن ضد العدوان الخارجي، أو قد تتشكل في حالة ضعف او  غياب الجيش النظامي

  إذ يتولى الأحرار مهمة تشكيل تنظيمات مسلحة لمقاومة العدوان والدفاع عن الأرض والعرض.

لقد أدت الحروب الطويلة والعدوان المتواصل من قِبل القوى الطامعة إلى تراكم الخبرات لدى الشعوب المعتدى عليها، مما مكنها من فهم أساليب العدو الخبيثة؛ كاستمالة النفوس الضعيفة وزرع الفتنة، ونشر الأفكار المسمومة القائمة على الترغيب والترهيب، وتثبيط العزائم، وزعزعة الثقة بالنفس، وهو ما يُعرف بأسلوب التدجين. وفي ظل هذه الممارسات العدوانية، تبرز نماذج تعمل لخدمة العدو .

ينقسم هؤلاء إلى فئتين: فئة تنجرف وراء المغريات المادية، فتبيع نفسها للعدو وتخون وطنها وشعبها وأمتها، وفئة أخرى تسقط أمام العدو متأثرةً بالسموم التي يبثها إعلامه، مما يفقدها الثقة بالنفس ويُشعرها بالضعف والعجز عن المواجهة.

إن هذه الفئات التي تقع في شراك العمالة والخيانة تتجرد من شرفها وإنسانيتها وضميرها، فلا تجني سوى الخزي والعار؛ إذ ينتهي مصيرها إما بالقتل على أيدي أحرار الأمة، أو بالفرار إلى أحضان العدو ذليلةً محتقرة، فالعدو يدرك تماماً أن من يخون شعبه لا يستحق الاحترام ولا يُؤتمن. ومثالاً على ذلك -لا حصراً- أولئك الذين خانوا قضية شعبهم العادلة في تحرير الأرض من دنس الاحتلال الصهيوني،

وهنا اود ان اذكر قصة تروي المصادر التاريخية أنه عندما غزا نابليون بونابرت النمسا، استعصى عليه اقتحام أحد الحصون المنيعة. حينها، تقدم ضابط نمساوي خائن وعرض على نابليون إرشاده إلى ثغرة سرية في الحصن مقابل مبالغ طائلة من المال.وبالفعل، تمكن نابليون من دخول الحصن والسيطرة عليه بفضل تلك المعلومة. وعندما جاء الضابط الخائن ليقبض ثمن خيانته، ألقى إليه نابليون  بـ (صُرّةٍ) من الذهب على الأرض. حاول الضابط أن يصافح نابليون تعبيراً عن امتنانه، لكن نابليون سحب يده ورفض مصافحته، قائلًا جملته الشهيرة:"هذا الذهب لأمثالك، أما يدي فلا تصافح رجلاً يخون وطنه."

وهذا ينطبق على العميلين سعد حداد  الذي مات ذليلاً حقيرا وأنطوان لحد، الذي  انتهى به المطاف هارباً يجرجر أذيال الخيبة والعار والهزيمة  بذلٍ ومهانة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليعيش منبوذاً  بين أعداء الأمة.

بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن من يفقد بوصلة ضميره ويقف ضد إرادة شعبه  من الخونة  والعملاء من السياسيين وأشباه المثقفين وانصاف الرجال -سواء عن قصد أو دونه- فلا يرجونَّ خيراً لأنفسهم أو لأمّتهم . ومَنْ يصافح اليد الملطخة بدماء أهله، فهي يد لا تختلف عن تلك اليد .

إنَّ أقصى ما قد يبلغه أمثال هؤلاء هو العمل في خدمة أعداء أوطانهم؛ فهم لا يعدون كونهم أدواتٍ رخيصة لا قيمة لها. هؤلاء الذين انحرفوا عن مسار الأحرار ونهج المقاومة، وارتضوا لأنفسهم دور الخونة، لن يجنوا سوى الخيبة. وهذا الخطاب لا يقتصر فقط على من فقدوا البوصلة وأصبحوا أدوات لضرب قوى المقاومة في لبنان أو العراق أو فلسطين أو اليمن أو إيران، بل يمتد ليشمل كل من يسلك هذا المسلك في أي بقعة من العالم؛ فالخيانة واحدة، ومصير الخونة في نهاية المطاف هو مزبلة التاريخ عاجلاً أم آجلاً.

28/4/2026