إن دراسة مشكلة عمالة الأطفال في العراق وتسليط الضوء عليها مسألة في غاية الأهمية لما لها من انعكاسات اجتماعية سلبية ضارة على المجتمع بشكل عام، وعلى مستقبل الأجيال القادمة بشكل خاص. وتعتبر ظاهرة عمل الأطفال دون السن القانوني إحدى الظواهر الخطيرة والمقلقة في المجتمع العراقي. إذ تشير الوقائع والدراسات إلى الأضرار المباشرة الجسدية والنفسية الناتجة عن تكليف الأطفال أعمالا شاقة لا تتناسب مع أعمارهم، ومخاطر تسبب انعكاسات سلبية على حياتهم ومستقبلهم. أما الآثار غير المباشرة فهي اضطرابات وصدمات نفسية وجنسية وإساءات في بيئة العمل، وبالإضافة إلى ما سبق فإنها تسبب للأطفال الحرمان من التعليم أو تحمل عبء الدراسة والعمل بجهد مضاعف.

وقد بقيت مشكلة تشغيل الاطفال دون السن القانوني للعمل، وهي ظاهرة قديمة ومستمرة دون معالجة جدية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة إلى يومنا هذا، على الرغم من اللوائح والتشريعات والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق الخاصة بحماية الأطفال من جميع أشكال العمل، مثل اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 التي تخص الحد الأدنى لسن العمل، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 بخصوص أسوأ اشكال عمل الاطفال، وغيرها من الاتفاقيات.

وعلى الرغم من كل تلك الاتفاقيات التي صادق عليها العراق، والتي من المفترض أنها وضعت لحماية الأطفال إلا أن كل الوقائع تشير إلى أن نسب عمالة الأطفال في العراق ما زالت مرتفعة كثيرا. وهناك الكثير من الاسباب الحقيقية لهذه المشكلة، وأهم هذه الأسباب هو ارتفاع معدلات الفقر نتيجة الحروب منذ بداية الثمانينات وكل فترة التسعينات من القرن الماضي، وما تلاها من حصار اقتصادي خانق، إلى الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما تبعه من حروب طائفية وحروب مكافحة الإرهاب، وغيرها من العوامل ساعدت على خلق ظروف انهيار وتراجع اقتصاد البلاد، وتعرض البنية التحتية والصناعة والزراعة ومؤسسات الدولة إلى أضرار كبيرة. أما الأسباب الأخرى التي ساعدت وتساعد على تشغيل الأطفال، إلى جانب الفقر هي ثقافة التخلف في وعي المجتمع وفي داخل الكثير من الأسر والعوائل الفقيرة التي تشجع أطفالها على العمل وتدفعه لترك صفوف المدرسة والتعلم للمساعدة في كسب لقمة العيش دون إدراك ما يترتب عنه من آثار سلبية وصدمات نفسية وغيرها سترافق الطفل طول حياته.

وتقدر منظمة اليونسيف حجم عمالة الأطفال في العراق بنحو مليون طفل، والحكومة مطالبة بإنفاذ قوانينها الخاصة برعايتهم وحمايتهم. كما أن العراق من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والتي صادق عليها في القانون رقم 5 لعام 1994 وعلى البروتوكولين الملحقين بها في القانون رقم 23 لعام 2007، جاء في المادة 32-1 من الاتفاقية ما نصّه (تعترف الدول الأطراف بحق الأطفال في حمايتهم من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل يرجّح أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي). أما قوانين وزارة العمل والشؤون ألاجتماعية في العراق فإنها تنص على معاقبة المتسبب في تشغيل الأطفال بعقوبة تتراوح بين (الغرامة المالية وإيقاف التصريح لرب العمل) إلا أن مشكلة عمالة الأطفال ما تزال كبيرة وبعيدة عن المعالجات والحلول.

وحسب تقارير لجنة الإنقاذ الدولية في العراق هناك 85% من الأطفال لا يشعرون بالأمان في أماكن العمل، حيث يتعرضون إلى حالات التحرش، وعدم قدرتهم على حماية أنفسهم أثناء العمل في المصانع والورش وفي أعمال الزراعة وأيضا في الشوارع، وما ينتج عنه من أضرار جسدية، مثل حمل الطفل أوزانا ثقيلة لا تتناسب مع حجم جسمه، مما يضر بصحة الطفل ونموه، بالإضافة إلى الأضرار النفسية لتعرض الأطفال إلى إهانات وضغوطات واضطرابات جنسية وصدمات نفسية تسبب القلق والاكتئاب والخوف وما شاكل.

إن عمالة الأطفال مشكلة اجتماعية كبيرة وخطيرة معرقلة للتطور الاجتماعي وللنمو الاقتصادي للبلاد، وتفرض النظرة الجادة والدراسة العلمية لأسبابها وضْع المعالجات والحلول العقلانية للقضاء عليها، لإنقاذ أطفال العراق من شرورها وعواقبها السلبية المعرقلة للتطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لبلادنا العراق .