
هل يمكن لأحدٍ أن يتصوّر أن دونالد ترامب سيعترف بأنه، قبل أن يُعرف في وسائل الإعلام بـ "الرئيس البرتقالي"، كان يومًا ما "أحمر"، أي إنه كان ... شيوعيًا؟
نقلت الوكالات ما أعلنه البيت الأبيض الأمريكي من أن الرئيس الـ 47 للولايات المتحدة الامريكية، دونالد ترامب، سيقوم بزيارة مقررة إلى جمهورية الصين الشعبية يومي 14 و15 أيار/مايو المقبل، بعد تأجيلها بسبب الحرب مع إيران. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، للصحفيين إن ترامب سيلتقي مع نظيره الصيني شي جين بينغ، الذي يشغل أيضًا منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني.

ووفقًا للعديد من المراقبين والمتابعين، فإن زيارة الرئيس "البرتقالي" إلى الصين تهدف إلى احتواء التوترات بين البلدين، خاصة في المجالين الاقتصادي والتجاري، من خلال السعي إلى تقليل التصعيد والتوصل إلى تفاهمات تحقق مصالح الولايات المتحدة، مثل تقليص العجز التجاري وزيادة الصادرات. ويضيف مراقبون أن الزيارة ستركز على تأمين وصول واشنطن إلى الموارد الحيوية، كالمعادن النادرة، والسعي للتنسيق مع بكين بشأن قضايا دولية حساسة، أبرزها تداعيات الحرب مع إيران واستقرار أسواق الطاقة. وفي الوقت نفسه، تسعى الإدارة الأمريكية إلى إدارة التنافس الاستراتيجي مع الصين بطريقة أكثر استقرارًا، مع مناقشة ملفات أمنية وسياسية، مثل تايوان والتكنولوجيا، بهدف منع تدهور العلاقة بين القوتين العالميتين.
شخصيًا، وبما يتعلق بزيارة ترامب الى الصين، لستُ معنيًا بأهداف برنامج زيارته السياسية والاقتصادية، بل أودّ الحديث عن الاهتمام في الأوساط السياسية والنفسية، وخصوصًا ما يثيره بعض الباحثين المختصين من متابعة سلوكه ومحاولة تحليل شخصيته من خلال مواقفه العلنية وأسلوب تواصله، حيث يبدو أحيانًا أنه لا يكتفي بأن يكون طرفًا في الحدث، بل يسعى لأن يكون الحدث نفسه.
فبعض علماء النفس يشيرون إلى أن ترامب يُظهر سمات ترتبط بما يُعرف باضطراب الشخصية النرجسية، مثل التركيز الكبير، وبشكل فج أحيانًا، على الذات، والحاجة المستمرة إلى إثارة الإعجاب، والحساسية العالية تجاه النقد؛ إلى درجة قد تجعله، في بعض اللحظات، المتحدثَ والموضوعَ والجمهورَ في آنٍ واحد. وإلى جانب ذلك، يبرز الميل إلى تضخيم الإنجازات الشخصية، أحيانًا إلى حد المبالغة وعدم الدقة، بل والاقتراب من تخوم الكذب، ما دام ذلك يخدم الصورة.
كما يلفت انتباهنا بعض المراقبين إلى ما يصفونه بالتقلبات في المواقف وسرعة تغيّر قراراته؛ فالبعض يفسّر ذلك كأسلوب تفاوضي مقصود يهدف إلى إرباك الخصوم، بينما يراه آخرون جزءًا من نمط شخصية تميل إلى الاندفاع واتخاذ القرارات بناءً على حدس التاجر أكثر من الحسابات. وفي المحصلة، ما تزال شخصية ترامب موضوعًا مفتوحًا لتفسيرات متعددة، تتراوح بين اعتبار سلوكياته انعكاسًا لسمات شخصية، أو توظيفًا محسوبًا لاستراتيجيات سياسية تهدف إلى تحقيق التأثير والهيمنة في المشهد العام.
فماذا سيفعل ترامب في الصين، ارتباطًا بما قاله علماء النفس عن سماته وطبيعة شخصيته؟
وفقًا لما يشير إليه بعض المحللين، فإن ترامب، ومن أجل إبراز صورته الشخصية وضمان نجاح الزيارة إعلاميًا على الأقل، لن يكتفي بالاجتماعات المغلقة، بل سيحوّل الزيارة إلى عرضٍ مفتوح، تتقدّم فيه الكاميرات على الدبلوماسية، وتسبق فيه الصورُ الاتفاقيات.
وقد يلجأ إلى خطاب تفاوضي حاد ومباشر، لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب، بل إلى صناعة مشهد؛ مشهدٍ يبدو فيه أنه المنتصر حتى قبل أن تبدأ المفاوضات. فهو، كما يرى البعض، لا يتفاوض بقدر ما "يؤدي" التفاوض، وكأن العالم مسرح، والصفقات حلقات في برنامج طويل... والبث دائما مباشر. وليس مستبعدًا ــ في لحظة استعراضية محسوبة ــ أن يفاجئ مضيفيه بواحدة من جمله التي تمزج بين الغرابة والثقة المفرطة، فيقول على الهواء مباشرة:
ــ أتعلمون؟ لقد كنتُ "أحمر" مثلكم يومًا ما... نعم، شيوعيًا!
ثم يتوقف قليلًا، يبتسم لتلتقطه الكاميرات، ويضيف:
ــ لا تستغربوا... فقبل أن أكون مليارديرًا، كنتُ مليونيرًا فقيرًا!
نشرت في صفحة اراء في المدى البغدادية عدد يوم الاحد 19 نيسان 2026







