إنَّ محاولة دونالد ترامب للاستيلاء على غرينلاند حوَّلت منطقة كانت تنعم بالسلام نسبياً إلى ساحةٍ أخرى للتوترات العسكرية وسباق التسلح. إنه جنونٌ محض.

السبب الرئيسي للاهتمام بالقطب الشمالي هو أن التَغيّرات المناخية تُسهِّل الوصول إلى المنطقة. ويعني التنافس المُتجدد بين القوى العظمى، أنَّ كُل قضية تُصبح موضع نزاعات عسكرية. أمّا بالنسبة لغرينلاند، فهناك عامِلٌ إضافي خاص: هو غرور ترامب - أن يُخلّد اسمه في التاريخ كرئيسٍ وسَّع الأراضي الأمريكية بشكلٍ كبير.

أولًا، قد يُتيح تغيّر المناخ فُرصاً اقتصادية جديدة مرتبطة باستغلال الموارد الطبيعية في القطب الشمالي. وتُعدّ روسيا وكندا من أهم الدول التي تُطالب بأراضٍ في المنطقة 

تُعتبر روسيا وكندا أهم الدول الساحلية، تليهما الولايات المتحدة (ألاسكا)، والدنمارك (غرينلاند)، والنرويج. 

لدى روسيا وكندا بالفعل مشاريع ضخمة في القطب الشمالي، تتعلّق بالنفط والغاز والموارد المعدنية. ونظراً لأن أهم مشاريع هذه الموارد، والتي تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل دولة، ومن المُرجح أن تقع المشاريع المستقبلية ضمنها أيضا، فإن الصراع على الوصول إلى هذه الموارد لا يُبرر بأي حال من الأحوال عسكرة حلف الناتو (إلا إذا كان الهدف هو الاستيلاء على موارد القطب الشمالي الروسي). إنَّ ادعاء وجود تهديد عسكري للقطب الشمالي من جانب روسيا والصين هو أمر يصعب إثباته.

ثانياً، انحسار الكتلة الجليدية حول القطب الشمالي يُسهِّل حركة الشحن شمال كندا وروسيا. وتُراهن روسيا بقوة على طريق بحر الشمال الأقصر. كما أن المشروع ذو أهمية استراتيجية، كونه طريق الشحن الدولي الوحيد الذي لا تسيطر عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها. إضافةً إلى ذلك، هناك مشاريع نفط وغاز ومعادن، بما في ذلك مشروع "فوستوك" النفطي الضخم، والتي سيتم شحنها عبره.

وتُعارض الولايات المتحدة منذ سنوات القوانين الروسية والكندية المتعلقة بطرق بحر الشمال. إذ يتعين على السفن التجارية الأجنبية الحصول على إذن مُسبق للإبحار عبر المضائق الداخلية لروسيا وكندا. ويستند هذا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تمنح الدول الساحلية صلاحيات معينة لتنظيم الملاحة في البحار المتجمدة لحماية البيئة. وتزعم الولايات المتحدة أن هذه المضائق الداخلية تُشكل طرقاً ملاحية دولية، وبالتالي يوجد حق في حرية الملاحة (ويسأل الكاتب: ماذا عن الحصار غير القانوني الذي تُمارسه الولايات المتحدة والمُطبَّق على الملاحة إلى كوبا وفنزويلا؟).

 وفقاً لروسيا ينطبق الأمر نفسه على السفن الحربية، بينما ستُنفِّذ الولايات المتحدة "عمليات حرية الملاحة" لتحدي الروس. ولا تمتلك الولايات المتحدة حاليا سُفناً عسكرية من فئة الجليد اللازمة لعبور الجزء الشرقي من هذا المَمَر. وفي الوقت الراهن، لا يعدو هذا الأمر سوى كَونه ضجة مُفتعلة، ولا يُجدي نفعاً كحجة لتسليح القطب الشمالي.

ثالثاً، هناك "فجوة غرينلاند-أيسلندا- المملكة المتحدة" (المعروفة اختصاراً بـ "فجوة غرينلاند-أيسلندا- المملكة المتحدة)". كانت هذه استراتيجية حرب باردة لمنع السفن المدنية والعسكرية السوفيتية من الوصول إلى المحيط الأطلسي. كانت غرينلاند وأيسلندا نقطتين استراتيجيتين في استراتيجية حلف شمال الأطلسي (الناتو). والآن، تُستخدم هذه الفجوة كحجة لإعادة التسلح في شمال المحيط الأطلسي. الهدف هو خنق الاقتصاد الروسي وبَحرِيَته في حال نشوب حرب. تتمتع روسيا بوصول محدود إلى المحيط الأطلسي، وتهدف فجوة غرينلاند-أيسلندا- المملكة المتحدة إلى منع هذا الوصول.

توجد منشآت عسكرية في القطب الشمالي منذ عقود، في كل من كندا وروسيا وغرينلاند. في غرينلاند، تُعد "قاعدة ثول" الأمريكية أهم منشأة عسكرية، والتي أُعيدَ تسميتها إلى "قاعدة بيتوفيك الفضائية" عام 2003، نسبةً إلى اسم المكان بلغة شعب الإنكتوم. يُبرز الحادث النووي المُروع الذي وقع هناك عام ١٩٦٨ المخاطر التي تُشكلها الأسلحة النووية في القطب الشمالي.

 كان القطب الشمالي بمنأى نسبياً عن التنافس بين القوى العظمى. لكن لا تزال هناك نزاعات إقليمية عالقة حول منطقة القطب الشمالي خارج المناطق الاقتصادية الخالصة التي تمتد لمسافة ٢٠٠ ميل. وبالتالي، تبقى هذه المسألة نظرية فقط، إذ لا يزال الغطاء الجليدي يُعيق استخراج المواد الخام من قاع البحر.

تتمتع النرويج وروسيا بتاريخ طويل من التعاون في بحر بارنتس (Barents) ، وكان التعاون في مجلس القطب الشمالي يسير على ما يُرام حتى اندلاع الحرب الأوكرانية. ومنذ ذلك الحين، تم استبعاد روسيا، التي هي أكبر دولة في القطب الشمالي، فعلياً، وأُوقفتْ مساهمتها المالية، وهُدِّدت بالانسحاب الكامل. إن إنشاء مجلس القطب الشمالي بدون روسيا لا يُجدي نفعاً، إذ سيُغطي حينها نصف مساحة القطب الشمالي فقط، ومع ذلك، يَستمر وضع الخطط لإنشائه.

وضعَ الرئيس ترامب نُصب عينيه هدف ضمان الهيمنة الأمريكية في القطب الشمالي، الأمر الذي أثار نقاشات حادة حول مخاطر التسلح. لا يوجد أي مبرر منطقي لهذا الأمر، ولا يَصب في مصلحة أحد، ولا حتى في مصلحة الولايات المتحدة. ومع ذلك، يَدعمْ الاتحاد الأوروبي (والدنمارك والنرويج) سياسة ترامب العدوانية لأسباب غير مفهومة. قد يظن المرء أن هذا مَحض افتراء، لكنّه للأسف ليس كذلك.

 (*)وُلد عام ١٩٥٠ في غرينلاد ، ويحمل شهادتي الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد من قسم الاقتصاد بجامعة كوبنهاغن. ويتمتع بخبرة 13 عاماً كباحث وأستاذ مساعد في قسم الاقتصاد بجامعة كوبنهاغن، و8 سنوات من الخبرة العملية في مجال المساعدة التنموية في أمريكا الوسطى (مستشار، ومدير مشاريع، وممثل إقليمي لمنظمة إيبيس الدنماركية غير الحكومية)، و26 عاماً من الخبرة كمستشار دولي عمل في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 

عن جريدة الشيوعي الدنماركية نيسان 2026