
الحرب السمائية في الشرق الاوسط دأبت تقتات على اهالي الارض، متسارعة بخطاها بدءًا بوجبة قتال طاحن وعند منعطف ما تُهدئ اللعب بجولة مفاوضات، جلها مخادعات متواصلة متكررة على طاولة محو القيّم الانسانية بوسائل وسخة.. وهكذا تتم " لعبة كل يوم " مطبعة شرورها على الناس، ولم تروضها حتى كثرة قوافل التوابيت التي كسبت لها قيمة، حيث ارتفعت اسعارها بمعنى حالها حال اسعار النفط والذهب. هذا هو منتوج ادمغة قادة العدوان التي ابتعدت عن السلام ودخلت في عباب بحر الخبل، ولم تسلم عقول البشرية من غلوائها.. فلا يمكن تميزه عن الهذيان والتحشيش، ان المصابين بفقدان الصواب وبخاصة شيخ فرسان السطو على حرية الشعوب " ترامب " . الذي حلق بعد سرقة رئيس فنزولا منتقلاً الى الشرق حالماً بشطبه من الخارطة وجعله ولاية امريكية، او في احسن الاحوال خزان نفط احتياطي. يضمن له الانطلاق عن قرب لمقارعة روسيا والصين. وكوريا الشمالية.
جاء الجدع المعتدي متأبط شراً وحاملاً قاموسه الذي يفتقر الى الابجدية القانونية، مصحوباً بحلم امتلاك " شرق اوسط جديد " بذات الخيالات التي أعلن عنها حين وضع قدمه في البيت الابيض في دورته الحالية، تلك التي سطر فيها اسماء بلدان مستقلة حاسباً ايها املاكاً لاجداده، مثل كندا والمكسيك وبنما وكرينادا وغيرها التي لم ينطق بها بعد، لحين ابتلاعه اللقمة الدسمة العصية إيران. التي هي الاخرى مدت نفوذها في هذا الطرف او ذاك من الشرق، مما زاد من جشع وتحفز وجنون القوى الصهيونية الامريكية دافعاً اياها للمنازلة بغرض انتزاع ما استحوذت عليه ايران، من خلال مد نفوذها المعنون والمحسوب بشدة.. وفي خلاصة الامر تشهد البشرية صراعاً للنفوذ يحلل العدوان ومهالك الحروب المحرمة، دون اية مراعاة لمصائر شعوب المنطقة. المغلوب على امرها والمجردة من شيء اسمه حقوق الانسان.
هيمن على مجريات هذه الحرب طابع المخاتلة والخداع المنظم والكذب المنمق من قبل الادارة الامريكية. حيث انها كلما وجدت عقدة ما و الطريق غير سالك عمدت على فتح بوابة " التفاوض الملغوم" .. وعندما تخفت حدة المواجهات وبها يتحقق مراد المعتدي تنطلق صواريخ الغدر على اشدها. وهكذا تتجدد " لعبة كل يوم "، اذ تكررت هذه الحالة ثلاث مرات ومن الغريب ان الجانب المغدور إيران تدرك تماماً ان عبارة" التفاوض" لا تعدو عن كونها مزيدا من الغدر الشرس، ولكنها سرعان ما تنغمس فيه دون ان تشترط الضمانات بعدم استمرار القصف وزيادة حدة العدوان اثناء هدنة المفاوضات المزعومة. غير انه يتم عكس ذلك اذ ان ترامب يطلب ان تقر ايران بشروطه الـ 15 قبل التفاوض، ولم يكتف بذلك بل يلوح بشروط اضافية.. اما العنصر البارز الاخر في لغة المعتدي هو استخدام سبل الترهيب والادعاء والايحاء بان الامر قد حسم بانهيار الجانب المعتدى عليه إيران.. وفي ذات الوقت يقول ترامب: ان ايران وافقت على كل شروطه ويضيف انه يتفاوض مع قيادة ايرانية جديدة.. كل ذلك بغية صنع الاحباط وبث روح الهزيمة لدى الجانب الايراني، يساعده في ذلك جل الاعلام الغربي وتوابعه.
ومن المؤاخذات على إيران هو قيامها بفعل فوق العادة، فهي ما انفكت عن المناداة بضرورة التضامن معها لردع العدوان، الا انها هي التي تعمل على زيادة نشر الاذى على بعض جيرانها في المنطقة حتى من اصدقائها المقربين، مما يُفعل حسابات ليست بصالحها، لان ذلك يزيد بالضرورة من خصوماتها.. ان لم نقل زيادة رقعة اعدائها، وبالتالي تقليص مساحة التضامن معها، ان قصف بلدان الجوار حسب رأي ايران يستهدف المصالح الامريكية، فهل تعلم ايران ان حقيقة تلك المصالح هي تخص بلدان الجوار باغلبها، وليست مصالح مطلقة الملكية للولايات الامريكية هذا اذا لم نضف جنبة التجاوز على سيادة تلك البلدان المعنية. ومما يستخلص من افق الحرب الذي كاد يكون مرئياً مجسماً الى حد ما، بان النهاية تتلخص بانهزام أحد الاطراف، بعد اختلال توازن القوى لصالح أحدهما ضمن ساحة الحرب، وليس على ضخامة امتلاك القوة، انما على قوة المطاولة.. سيما وان ثمة كابوس منتظر تفجيره والمتمثل بشغف ترامب الجنوني لاحتلال " جزيرة خرج ".. حيث تدفق الاف جنود المارنيز وفرقة الدلتا التي خطفت الرئيس الفنزولي، وجيوش النخبة الذين حطت وحداتهم العسكرية في مقتربات منطقة القتال، وهنا قد سادت العتمة حول نهاية هذا المأل. وبات من العسير التكهن بالنتائج ولا يتيسر امامنا سوى الترقب القلق.







