نقلاً عن مصادر سي أن أن: البنتاغون ينتقل من مرحلة القصف الجوي إلى التخطيط لعمليات برية داخل إيران.

اوضحنا في مقالنا السابق بتاريخ ١٢/ مارس / ٢٠٢٦ بعنوان: (أمريكا.. الصين.. وحرب النفط الخفية في طهران وكراكاس) بأن “الغزو البري مكلف سياسيا وشعبيا في أمريكا بعد تجربتي العراق وأفغانستان”.

ما نريد ان نوضحه هنا التحول من القصف الجوي إلى التخطيط لعمليات برية يواجه عقبات رئيسية:

أولا: التناقض داخل الطبقة الحاكمة في واشنطن، وانقسامات بين جناح يتبنى المغامرة العسكرية المباشرة، وجناح يرى أن الانخراط في حرب برية شاملة سيكون كارثة استراتيجية بالنظر إلى تجارب الاحتلال السابقة في المنطقة. هذه الانقسامات تعكس صراعا داخل الرأسمالية الامريكية حول كيفية ادارة الهيمنة في ظل أزمة متعددة الأوجه.

ثانيا: البيئة الإقليمية: أي عملية برية داخل إيران ستواجه تعقيدات جيوسياسية هائلة مثل امتداد جبهات محتملة، قواعد أمريكية محاصرة، وتحالفات متقلبة. ان الطبقة العسكرية الأمريكية تدرك أن الانزلاق إلى حرب برية بدون استراتيجية خروج واضحة هو ما أسماه بعض منظريها "فخ الشرق الأوسط". وأن إيران لا تنظر إلى الحرب البرية كمواجهة عسكرية فقط، بل كحرب استنزاف متعددة الجبهات، ولديها أدوات للردع تجعل أي توغل بري مكلفا قبل أن يبدأ.

ثالثا: العامل الشعبي/المقاومة: التجارب التاريخية تظهر أن الرأسمالية الأمريكية تستطيع بسهولة تدمير بنى تحتية بالقصف، لكنها تفشل في إخضاع مجتمع له بعض البنية التنظيمية الصلبة وذاكرة لمقاومة الاحتلال. والجيش الأمريكي نفسه يمتلك تقارير داخلية (مثل مراجعات القيادة الامريكية المركزية بعد تجربة العراق) تشير إلى أن العمليات البرية في بيئة عدائية معادية دون غطاء من حكومة عميلة مستقرة هي وصفة لخسائر فادحة.

وهنا سؤال يطرح نفسه؛ هل الهدف من العملية البرية هو الاحتلال الدائم، أم تغيير النظام، أم إجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية؟

إذا كان للاحتلال فهذا يتطلب نفقات هائلة (تكلفة الحرب العراقية تجاوزت ٣ تريليونات دولار)، وهذا يتناقض مع حاجة النخب الأمريكية المعاصرة إلى تقليص العجز وتثبيت الاسواق. 

 أما إذا كان الهدف محدودا (اجتياح مناطق معينة) فهو ممكن من الناحية التقنية، لكنه لن يكون ناجحا من زاوية المصالح الامريكية، خاصة في ظل امتلاك إيران القدرة الصاروخية.

اما النجاح في "تغيير النظام": فانه سيواجه مقاومة شعبية واسعة. بسبب تراكم تاريخي وصراع طبقي. أي نظام يفرض بالدبابات الامريكية سيواجه أزمة شرعية عميقة، وقد شهدنا ذلك في تجارب الدولة العميقة التي زرعتها واشنطن في المنطقة؛ فهي اما تنهار او تتحول إلى بؤر فساد وصراع اهلي يزيد من تكلفة الهيمنة.

ان البعد الاقتصادي في نجاح الحرب بالنسبة للرأسمالية يقاس بقدرتها على تأمين شروط جديدة للاستثمار والسيطرة على الموارد. لكن إيران جزء من شبكة جيوسياسية معقدة (مرتبطة بآسيا الوسطى، القوقاز، وطريق الحرير).أي حرب واسعة ستعطل أسواق النفط والغاز، مما يضرب المصالح الامريكية نفسها في ظل التضخم العالمي.

وهذا يقود إلى البعد الجيوسياسي الأعمق؛ فإيران ليست هدفا بذاتها، بل هي حلقة مركزية في مشروع الصين (الحزام والطريق) وممر حيوي لطاقتها. أي حرب أمريكية على طهران ستضرب بنية طريق الحرير، وتعطل أسواق النفط، وتنال من المصالح الصينية مباشرة. واشنطن تدرك ان المواجهة المباشرة مع بكين مكلفة، فتلجأ إلى استنزافها في “الساحة الخلفية”، مما يجعل الحرب على إيران حربا على الصين بالوكالة.

إن طرح العمليات البرية يعبر عن يأس واشنطن من تحقيق أهدافها عبر الوسائل القصف الجوي والحروب بالوكالة سابقا.

ثمة أمر مهم جدا وهو القوة العسكرية الأمريكية لم تعد أداة فعالة لضمان الهيمنة في عصر تعدد الاقطاب، رغم أنها لا تزال الاقوى عالميا.

إن النجاح الوحيد المؤكد للعمليات البرية سيكون تصدير الازمة الداخلية للخارج، ولشركات الصناعات العسكرية التي تدر ارباحا طائلة من كل مرحلة تصعيد، بينما تدفع الشعوب الثمن. بينما الهدف الحقيقي هو اسقاط النظام في إيران لن يتحقق في هذه العملية. وهو لب الهدف الأساسي وأصله.

يبقى التحول من القصف الجوي إلى التخطيط للحرب البرية مؤشرا على أزمة استراتيجية تعيشها دوائر صنع القرار في واشنطن، وليس على قوة موقفها. لذا نحن كشعوب تواقة للحرية والحياة علينا رفض الحرب بوصفها أداة لحل الخلافات الرأسمالية، وفي التضامن مع الشعوب التي تدفع الثمن دما ودمارا.