
من هو شلومو هيليل؟ بعد البحث في أرشيف مؤلف كتاب "عملية بابل " 1923 – 2021 تبين الوجه الحقيقي فترة ما قبل إقامة الكيان الإسرائيلي هو من الشخصيات التأريخية المشاركة في بناء العراق مؤسساتيا، هو شخصية اجتماعية سياسية دبلوماسية من مواليد بغداد ، هاجر إلى فلسطين عام 1934 وعمل مع الموساد الإسرائيلي كجاسوس، بعد إقامة الكيان الإسرائيلي قاد عملية تهجير يهود العراق والتي سماها قي كتابه ( عملية بابل ) والمعروفة في إسرائيل بعملية (عزرا ونحميا) وهي أضخم عملية تهجير في العالم المعاصر ، (يعترف ) شلومو هيليل صراحة في كتابه " عملية بابل " أن العراقيين ( أبرياء) من تلك القضية وإنها كانت من تدبيري مع فريق من الموساد من بينهم موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب حزيران 1967 ، كما يعترف في مقابلة الحكومة الملكية بجواز أمريكي مزور كصاحب شركات مليارية بأسماء وهمية لأثرياء يهود والطلب بتسهيل هجرة اليهود مقابل مكتسبات مالية ضخمة ولكنها رفضت ، ويثار هنا الجدل التأريخي بين مؤيد ورافض لكون تهمة البصمة الفرهودية موثقة على العراقيين فئة الشقاة والغوغاء والبلطجية وضعاف النفوس ، وهنا يبرز وجه الجدل التأريخي في تأييد أدباء ومفكرين ومثقفين ووجهاء يهود مثل :الشاعر أبراهيم عويديا والبروفيسور شموئيل مور { إن الفرهود صناعة الصهيونية العالمية . يهود العراق قبل 1948 .
في الفصل الأول من الكتاب يستعرض تأريخ يهود العراق قيل 1948 وهو تأريخ تأسيس إسرائيل ، يصف اندماجهم في المجتمع العراقي ودورهم في التجارة والثقافة بشكل كبير بمصداقية موثوقة تاريخيا ، وسوف أذكر بعضها مدعومة وموثقة تاريخيا : يعتبر يهود العراق جزأ مهما من الشعب العراقي حيث يشكلون 6-2 % من مجموع سكان العراق عام 1947 في حين انخفضت النسبة إلى 1-0% من سكان العراق عام 1951 ، غالبا الأكثرية من اليهود يسكنون المدن الرئيسة وحاضرتها كبغداد والموصل والبصرة والعمارة وتكريت وحتى النجف التي احتوت على حي أسمهُ ( عكد اليهود ) وكذا في سامراء ولهم سوق يسمى ( سوق اليهود )، وإن أنتشارهم في بغداد من شريعة قصر شعشوع في الأعظمية ( الكسرة ) إلى سدة خضوري في الكرادة ومنطقة البتاوين إلى الباب الشرقي والتي تسمى ( بستان الخس ) ، واتخذت من شارع غازي والشورجة و ساحة الأمين وسوق حنون وعكد الجام ومحلة التوراة سوقا للعمل والكسب الحلال ، وسكنت الفئات الفقيرة والمتوسطة في أبي سيفين وألبو شبل وقمبر علي وبني سعيد .
وساهمت الطائفة اليهودية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية ، وكان لليهود حضور جدي وفعال في بناء العراق الحديث وبإخلاص وطني حين كان أول وزير مالية في الحكومة العراقية عام 1921يهوديا عراقيا صميما يدعى ( حسقيل ساسون ) 1865-1932 وأستوزر لخمسة دورات وزارية ، ولهُ مواقف وطنية متميزة يفخر بها التأريخ السياسي العراقي الذي عمل على أنجاز عملة عراقية بالدينار بقيمة ذهب بدل الروبية الهندية والليرة التركية مما أدى إلى أنعاش الاقتصاد العراقي
وكذا في مجالي الثقافة والطب ذكر الكتاب أسم الشاعر والأديب والمفكر المشهور ( سامي موريه ) الذي قال عند تسقيط الجنسية عنهُ وتهجيره ( أن العراق قدري سوف يلاحقني في كل مكان )، وفي مجال الطب اشتهر الطبيب ( داوود كباي ) بتطوعه في العمل الطوعي في مدينة العمارة التي فيها سبع مستعمرات للجذام .
ويتحدث الكتاب عن أيديولوجيتهم السياسية وهواهم اليساري حيث أعدمت الحكومة الملكية المناضلين الشيوعين يهودا صديق وأخوه حسقيل صديق وساسون دلال ويوسف زالوف مع الرفيق فهد ورفاقهِ ، وهذا الفكر اليساري أخذ طابع الجدل بين مؤيد ورافض من قبل كارتلات الشركات الضخمة اليهودية بتحريض من النازية المتزامنة في تلك الفترة وكراهية الحكومة الملكية لليسار والشيوعية وكذلك من التيار الشوفيني القومي العروبي من العراق وسوريا ومصر.
يهود العراق والفرهود
عرض الكاتب شلومو قضية الفرهود في الفصل الثاني برؤية شخصية حيث يرى أن الفرهود كشف هشاشة وضع اليهود رغم اندماجهم الوطني مع جميع مكونات الشعب العراقي بنقاء وودية .
فهو موضوع خطير بل يعتبر ( الثيمة ) البارزة في رواية عملية بابل وحياة يهود العراق ، وحدث الفرهود في الأول من حزيران 1941 وشاءت الصدف أن يتزامن مع سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني وحدوث انقلاب عسكري مما ولد فراغا سياسيا أمنياً وخلال احتفالات الطائفة اليهودية بعيد ( الشفوعوت ) ، استغلت بعض النفوس الضعيفة والجهلة والرعاع والبلطجية والشقاة تعرضهم لممتلكات اليهود من محلات ومعارض ومساكن للنهب ، مما شحن الموضوع المأساوي حدة أنتشار إشاعات في الصحف : أن اليهود يناصرون الحركة الصهيونية وللتأريخ كان الكثير منهم يكره فكرة الصهيونية العالمية التي هدفها احتلال فلسطين ، تم تكن الهجرة خيارا واصحا أمام يهود العراق ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل واهتزاز الثقة بالحكومة الملكية وخاصة تعرض دور العبادة اليهودية – خصوصا – في بغداد إلى التفجير.
في الفصل الأول من الكتاب الذي يبدو كمذكرات شخصية ، وصف يهود العراق قبل 1948 دورهم في التجارة والممتد لأكثر من 2500 سنة ؟ والاندماج والثقافة هاجر إلى إسرائيل وعاد إلى العراق متنكرا وقاد فريقا لجهاز المخابرات الموساد وحرضوا الغوغاء على اليهود عام 1941 وزرعوا القنابل والمتفجرات في الكنائس اليهودية لدفع اليهود إلى الهجرة لإسرائيل ووقع نتيجة ذلك قتلى وجرحى ونهب ممتلكات، وتلك الحادثة تدعى بفرهود اليهود، وهي أعمال عنف نشبت في العراق على بيوت وأملاك اليهود في واحد حزيران عام 1941 أثناء احتفالهم بعيد (الشوفوعات) اليهودي .(كتاب عملية بابل فصل 1-2)
يعترف شلومو هيليل في كتابه " عملية بابل " صراحة أن العراقيين أبرياء من تلك القضية وإنها كانت من تدبيرهِ هو وبمعية فريق كامل من بينهم وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب حزيران 1967 موشي دايان ، كما يعترف إنهُ قابل ( الحكومة الملكية ) بحواز أمريكي مزور كصاحب شركات والطلب منها تسهيل تسهيل هجرة اليهود مقابل الحصول على مكاسب مالية واقتصادية لكن رئيس الوزراء رفض .
ان ( ثيمة ) رواية (شلومو) أي عقدتها المفصلية البصمة العراقية الراسخة في تحميل العراقيين مسؤولية الفرهود في حين يعترف أدباء يهود من أصول عراقية منهم : الشاعر إبراهيم عوبديا والبروفيسور شموئيل موربان الفرهود بتدبير صهيوني لأغراء العراقيين اليهود على الهجرة الطوعية إلى إسرائيل ، والغريب أن الموساد الصهيوني ووجهاء يهود عراقيون لم يتمكنوا من اختراق ( المغرب ) إذ لا يزال أغلب اليهود المغاربة لم يتاجروا بل تمسكوا بوطنهم الأم وهذا يرجع إلى التأثير السياسي البريطاني الخبيث وكذلك ضعف الوعي والأدراك عند العراقيين لثقافة المواطنة وهشاشة الاندماج .
الفرهود والهجرة والتهجير
الكتاب " عملية بابل " لليهودي العراقي شلومو هيليل هو اعترافات شخصية بسرد حكاواتي في الفصل الأول من الرواية يحكي دورهُ في تنظيم وقيادة الهجرة السرية ليهود العراق إلى إسرائيل بين عامي 1947 -1951 وسُميَ بعملية عزرا ونحميا ، تمَ خلالها نقل 120 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل ، بيد إن الهجرة أخذت تتصاعد للأسباب منها :-
-كراهية موقف الحكومة الملكية لانتماءاتهم اليسارية بل الشيوعية حيث أعدمت السلطات الملكية في 1949 مناضلين عراقيين يهود مع المؤسس الرفيق فهد مثل يهودا صديق وأخوه حسقيل صديق ، وساسون دلال ، ويوسف زالوف .
- إسقاط الجنسية العراقية والسماح بالهجرة مقترنة بمصادرة أموالهم المنقولة والنقدية المصرفية ، إن عدد غير قليل من الطائفة اليهودية العراقية لم يرغبوا أسقاط الجنسية العراقية عنهم إما لشعورهم بأن العراق هو موطنهم الأصلي وإما لشعورهم عدم التخلي عن ثروات بعضهم الطائلة .
- كان أسقاط الجنسية وتسفير يهود العراق ( مؤامرة ) ثلاثية اشتركت في تنفيذها حكومة إسرائيل والحكومة البريطانية والحكم الملكي العراقي.
- بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 زادت الحكومة العراقي من ضغوطاتها باتجاه اليهود العراقيين
- تعرض دور العبادة اليهودية في بغداد ومناطق أخرى مثل : التفجير الأول في 8-4-1950 في شارع أبي نؤاس ، والثاني في 1-1-1951 في كنيس مسعود ، والثالث في 19-3 1951 في بناية مكتب الاستعلامات الأمريكية شارع الرشيد باب الأغا (كتاب عملية بابل ) .
- الدعايات الكيدية الموجهة ضدهم من النازية ومفتي الديار المقدسة ( أمين الحسيني ).
- يصف شلومو في الفصل الثاني من كتابه عملية بابل تصاعد التوتر بين يهود العراق والحكومة بعد قيام إسرائيل 1948 ومشاعر معادية لليهود اعتقالات محاكمات بتهمة الصهيونية وإعدام شفيق عدس .
- تجميد حسابات ومراقبة وتتبع دقيق وجاد ، حيث بصف الكاتب انتشار الخوف وعدم الثقة في المجتمع اليهودي.
- ثمَ تصفية ما تبقى منهم حين تسلم حزب البعث السلطة بمجزرة ساحة التحرير في الباب الشرقي بغداد بحجة التجسس مما أجبر البقية على الهجرة .
يقول الكاتب في الفصل الرابع: لذا لجأت للبحث عن عملية إنقاذ اليهود بالهجرة السرية ويفتخر بدوره الشخصي في العملية.
وخرجت عملية هجرة اليهود من شرنقة سريتها إلى العلن بعد 1948 قيام اسرائيل ما نفذت الحكومة قانون أسقاط الجنسية عنهم وتجميد ممتلكاتهم تسارع يهود العراق بأعداد غفيرة حيث تم تقل 120 ألف شخص كدفعة أولى
إن قضية يهود العراق تختلف قبل 1948 وبعده حيث ينقسم إلى معسكرين في تفسير محاور الجدل حول أبرز وأهم المحاور والتي هي : الفرهود - والهجرة – والتهجير- وهذه الفقرات أكثر أجزاء الكتاب أثارة للنقاش ؟!
باعتقادي الشخصي لم تكن الهجرة خيارا واضحا أمام يهود العراق عموما لعدم محبتهم لفكرة الصهيونية لاحتلال فلسطين وشغف حبهم للعراق وخصوصا اليهود البغادة ، أستوقفني قول الشاعر اليهودي البغدادي والناقد الأدبي سامي موريه قولهُ : { إن العراق هو قدري يلاحقني في كل مكان } ، برحيلهم خسر العراق أبناء أخلصوا لتربتهِ وعايشوا جميع الأطياف العراقية سلاما ومحبة وصدقا .
كاتب وناقد أدب عراقي مغترب
كُتب في 24-2-2026







