نود الإشارة إلى أن الدساتير العراقية لسنوات 1925، 1958، 2005 نصوصها صريحة في المساواة بين الرجل والمرأة وعدم التمييز بينهما. في 30 كانون الأول 1959 صدر قانون الأحوال المدنية الرقم 188 وفي الأسباب الموجبة لصدور القانون وجدت الحكومة أن في تعدد مصادر القضاء واختلاف الأحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة والحقوق غير مضمونة، فكان هذا دافعا لوضع قانون يجمع أهم الأحكام الشرعية المتفق عليها. أي ما هو متفق عليه من أحكام الشريعة الإسلامية وما استقر عليه القضاء الشرعي في العراق. وبالتالي وضع قانون موحد في أحكام الأحوال الشخصية يكون أساسا لإقامة بناء العائلة العراقية. وعليه فلا صحة لاتهام القانون بمخالفة نصوصه للشريعة الإسلامية وأنه مسيّس لصالح أطراف معينة.

تعديل القانون 188\1959

أقر البرلمان القانون 1 لسنة 2025 لتعديل قانون الأحوال الشخصية 188\1959 ونشر في جريدة (الوقائع) في 17\2\2025 . وقد ورد في المادة 1 من التعديل ما يلي: للعراقي المسلم والعراقية المسلمة عند إبرام عقد الزواج بينهما اختيار أن تطبق عليهما وعلى أولادهما القاصرين أحكام المذهب الشيعي الجعفري في جميع مسائل الأحوال الشخصية. والعقود المبرمة قبل نفاذ هذا القانون يحق لطرفيها تقديم طلب لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية في المذهب الشيعي الجعفري. ونلاحظ أنه يمكن أن يستدل على ذلك في النص من عبارة (استحقاق المهر المؤجل عند المطالبة والميسرة) المثبتة في عقود الزواج لتدل على الانتماء للمذهب الجعفري، أما العبارة عند المذهب الحنفي فهي (الزوجة تستحق المؤجل عند أقرب الأجلين). وعليه فإن القانون لا يلغي أو يصادر الانتماء الطائفي.

ونصّت المادة كذلك على أن يقوم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي ومع الاستعانة بعدد من القضاة وخبراء القانون، وبالتنسيق مع مجلس الدولة بوضع (مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية على وفق المذهب الشيعي الجعفري) ويعتمد المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي على الآراء المشهورة عند فقهاء المذهب الشيعي الجعفري. وفي حال عدم تحقق الشهرة عندهم في مسألة ما يعتمد المجلس العلمي الرأي الذي يذهب إليه أغلب مراجع التقليد المعروفين من فقهاء النجف الأشرف.

وعند هذا النص من التعديل نطرح التساؤلات الآتية: هل مهمة المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي قانونية تشريعية أم أن مهمته إدارية؟ وعلى افتراض أنها تشريعية فهل السلطة الدينية هي التي تسنّ القانون؟ ولماذا يغيّب الرأي العام في سن القانون؟ وما معيار اعتبار المجلس العلمي كخبير في الأحكام الشرعية؟ وما هو الأساس أو كيف تحدد الآراء المشهورة في المذهب الشيعي؟ وعند عدم تحقق الشهرة -حسب النص- يعتمد رأي أغلب مراجع التقليد المعروفين في النجف الأشرف؛ فكيف يتم تحديد أغلب المعروفين؟ إن الآراء ووجهات النظر متباينة ونسبية تختلف باختلاف الظروف والأفق المعرفي للمعني، فمن يعتبر فلانا معروفا فإن آخر لا يعتبره كذلك. كما أن لكل مرجع مقلديه الذين يرون في فتاواه أنها الأصح من غيره.

الأسباب الموجبة للتعديل

وقد ورد في الأسباب الموجبة لتشريع القانون أنه جاء انسجاما مع ما أقرته المادة 41 من أحكام الدستور التي كفلت حرية الأفراد في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم، وبالنظر إلى طلب مواطني وممثلي المكون الشيعي في مجلس النواب تعديل قانون 188\1959 بما يتيح للعراقيين المسلمين من أتباع المذهب الشيعي الجعفري تطبيق أحكام المذهب الشيعي الجعفري في الأحوال الشخصية عليهم، وعدم موافقة ممثلي المكون السني في مجلس النواب بعدم سريان هذا التعديل على العراقيين المسلمين من أتباع المذهب السني. أي أن القانون يسري على طائفة معينة فقط، ولا يسري على غيرها، فهو يخالف مبدأ المواطنة، ويطرح قانونا لهوية فرعية وليس للهوية الوطنية الواحدة. ويؤدي ذلك إلى إنشاء أنظمة قانونية منفصلة ومنح حقوق مختلفة لكل طائفة فتنعدم المساواة، وهو يستند إلى الدستور في تشريع يخالف الدستور.

وقد أقر ممثلو السنة في البرلمان التعديل القانوني رغم أنه ليس مطلبهم ولا يسري عليهم، فصوّتوا لصالح القانون مقابل تصويت الآخريْن (الشيعة والأكراد) لقانونيْن يلبي مصالح كل منهما، وهكذا أقر البرلمان 3 قوانين معا، فأقرّ قانونا يخرب النسيج الاجتماعي ويفرق الشعب للعمل بأكثر من قانون بما أتاحه من حرية لاختيار الزوجين ورغبتهم بدلا من أن يوحدهم وطنيا. 

لماذا ولمصلحة من أجري التعديل؟

أجري التعديل لمصلحة سلطة تصادر الحريات، وتنحو نحو الاستبداد تدريجيا وتقف بالضد من ممارسة قيم الديمقراطية في حياة مدنية قائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان وحد أدنى من العدالة الاجتماعية. سلطة تنظر إلى المرأة نظرة متدنية وتهضم حقوقها، وتديم جعل المجتمع متشظيا لإدامة تسلطها، وتحرص على إشاعة الجهل وتجهيل الناس. وتلجأ إلى الدين لتبرير استبدادها وتغلف إجراءاتها القمعية وفشلها وأزماتها بغلاف من تعاليم الدين.

إن الغرض المعلن من التعديل تطبيق أحكام المذ هب الشيعي الجعفري في الأحوال الشخصية للمسلمين الشيعة. والمذهب الجعفري هو أحد المذاهب الفقهية التي نشأت في خضم صراعات سياسية بدأت في عهد مبكر من تاريخ الإسلام. ويستند المذهب الشيعي على فقه أهل البيت، والأئمة ال 12 هم المرجع في الأحكام الشرعية. ويسمى بالجعفري نسبة إلى الإمام جعفر الصادق 80-148 هجرية، سادس أئمة الشيعة الإثني عشرية. وكانت له منزلة فكرية رفيعة. والمدونة الجعفرية مستوحاة من الفقه الجعفري. ومن اعتقاد الشيعة فإن الأنبياء معصومون قاطبة وكذلك الأئمة. والعصمة هي التنزه عن الذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان (1). والإمام يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام قبله. وإذا استجد شيء لابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله فيه (2). نلاحظ أن التوجه لصياغة أحكام المذهب الشيعي الجعفري تغفل مجريات الواقع وتبدل الظروف والأحوال الاجتماعية والثقافية، وتحيلنا إلى الأجوبة الجاهزة لمختلف الحالات والأوضاع الاجتماعية، متجاهلة ماهو متفق عليه من أحكام الشريعة الإسلامية والقضاء الشرعي في العراق.

إن مخاطر التعديل كثيرة، فيها الظلم الفادح للمرأة، وتظهر آثاره السلبية في النفقة والحضانة وتعدد الزوجات، والزواج المؤقت أو زواج المتعة، وغيرها. ونتوقف عند مثال واحد هو زواج القاصرات. فالمعيار عند الشيعة هو إثبات البلوغ، الذكر بعمر 15 سنة، والأنثى بعمر 9 سنوات. ويستندون في ذلك إلى حديث زواج النبي بعائشة، الوارد في صحيح البخاري؛ "تزوج النبي عائشة وهي بنت ست سنين، ودخل عليها وهي بنت تسع". إن العادات والتقاليد أو النمط الثقافي لأي مجموعة بشرية ليس ساكنا بل هو في حركة وتغير دائم بتغير الظروف والأحوال. وماكان شائعا في زمن مضى لا يصح أن يصبح قاعدة ملزمة لزماننا. والحديث ليس ملزما تقليده، وليس فيه أمر أو نصيحة بالزواج المبكر؛ لهذا لا يصح إجبار طرف واحد أو إجبار الطرفين على الزواج دون سن 18 عاما. ومثل هذا الزواج انتهاك لحقوق الإنسان، ويعرض القاصرين لخطر العنف الجسدي والنفسي.

الهوامش

1- محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر، قم\إيران. دون تأريخ. ص 53-54.

2- المصدر السابق، ص67.