وكالات انباء: السوداني يتنازل عن رئاسة الوزراء الى رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ..

 لم يكن الفساد في العراق منذ الاحتلال لليوم مفاجأة، ولا الاعتراف به صدمة سياسية واخلاقية. إن الصدمة الحقيقية تكمن في تحوّل الفشل من تهمة سياسية واخلاقية إلى بطاقة يانصيب رابحة، ومن سبب للإقصاء والابعاد عن موقع سياسي إلى شهادة للعودة الى نفس المنصب او غيره، فحين قال نوري المالكي في لقاء تلفزيوني:" بالحقيقة ، المتصدين من السياسيين ، والشعب يعلم ، وأنا أعتقد ، أن هذه الطبقة السياسية ، وأنا منهم ، ينبغي أن لا يكون لها دور في رسم خارطة العملية السياسية في العراق ، لأنهم فشلوا فشلاً ذريعا ، وأنا منهم ، ينبغي أن يبرز جيل آخر بخلفية الوعي لما حصل وبخلفية الأخطاء التي ارتكبوها"، فأنه لم يحمل وقتها موقفا اخلاقيا ولم تكن شجاعة منه، بل في الحقيقة كان اعترافا من ان الجرائم السياسية في بلد كالعراق تمر دوما بلا عقاب، هذا إن لم يكافأ الفاشل. ويبقى الخطر الاكبر هو ترشح الفاشل والفاسد من جديد، وكأن ما قاله لم تكن الا زلة لسان.

 فشل المالكي في قيادة البلاد لدورتين كاملتين ليس رأيا سياسيا مختلفا عليه، بل حقيقة رأيناها وقتها وآثارها مستمرة لليوم، في انهيار أمني، تفكك مؤسسات الدولة، تفشي الفساد، وتمهيد الطريق لكوارث ما زال العراقيون يدفعون ثمنها حتى اليوم. ومع ذلك، يعود الرجل الفاشل إلى المشهد السياسي من جديد، لا معتذرا، ولا خاضعا للمساءلة، بل مرشّح واثق بأنّ الذاكرة السياسية في العراق قصيرة او غائبة.

 لكننا لو توخينا الدقة فأن هذا الامر لا يعود الى شخص المالكي بعينه، بل الى منظومة كاملة لا ترى في الفشل مشكلة بالمطلق، بل تعتبره جزءا طبيعيا من "الخبرة السياسية"!!. في نظام المحاصصة الفاسد والذي يقود العراق الى الخراب، لا يسأل الحاكم عمّا أنجزه وقدّمه "لشعبه"، بل عمّا قدمه ويقدمه لحزبه وحاشيته، ولا يحاسب على ما دمّره، بل يكافأ بفرصة جديدة من خلال ترشيح جديد!! وهكذا نعيش بعد كل انتخابات في حلقة مغلقة، تدور فيها الأسماء ذاتها وتعاد فيها الأخطاء نفسها، بينما يُطلب من الشعب في كل مرة أن يعود ليمنح الثقة لهم، وشعبنا للاسف فعلها ويفعلها، من خلال تصويته لهم مقابل بضعة دنانير، او مقاطعة الانتخابات.

 المأساة أنّ الاعتراف بالفشل والفساد لم يعد طريقا للإصلاح، بل صار وسيلة لترسيخ الجريمة. فحين يقول سياسي إنه فاشل، ثم يُسمح له بالعودة إلى السلطة، فذلك يعني أنّ الفساد لم يعد خللا في النظام، بل عمود من أعمدته الخرسانية. وحين يفشل رئيس حكومة لمرتين متتاليتين كالمالكي، ثم يعاد تقديمه كـ "خيار سياسي ورجل مرحلة"، فهذا إعلان صريح عن إفلاس المعايير السياسية والاخلاقية، وانهيار فكرة المحاسبة من أساسها.

 إنّ إعادة ترشيح الوجوه الفاشلة لتولي منصب كمنصب رئيس وزراء العراق لا تعني أنّ الفاشل كسب ثقة الناس، بل تعني استخفاف هؤلاء "القادة" بالمجتمع، وهي رسالة تقول للعراقيين وبوضوح: لا بدائل لديكم، ولا إرادة حقيقية للتغيير، وما عليكم إلا الاختيار بين نسخ مختلفة من الفشل نفسه وعلى طريقة "تريد ارنب هذا ارنب.. تريد غزال هذا ارنب". وفي ظل هذا المنطق، تصبح الانتخابات مجرّد آلية لإعادة إنتاج السلطة، لا أداة لتجديدها، ويغدو التغيير شعارا فارغا يرفعه المتحاصصون وكلهم فاشلون قبل الانتخابات ليقبر بعدها.

 الواضح من خلال الصراع على منصب رئاسة البرلمان وانتخاب من بأمكانه شراء المنصب، والعراك المستمر على منصب رئاسة الجمهورية، وترشيح شخصية قالت عن نفسها فاشلة كالمالكي، هو أن العراق لا يعاني نقص في الكفاءات، بل فائض في الفاشلين المتشبثين بالسلطة. ولا يفتقر إلى البرامج، بل إلى نظام يربط السلطة بالمسؤولية، وقيادة البلاد وشعبنا بالإنجاز، لا بالولاء والسلاح والمال. إذا بقي هذا المنطق هو من يتحكم بالسياسة العراقية ولم يتم تغييره بقبر نظام المحاصصة، وما لم يحاسب الفاشلون بدل تدويرهم كما اليوم، فأن العراق سيبقى رهينة حلقة مغلقة، يتبدّل فيها الخطاب السياسي، لكن النتائج واحدة ومتشابهة.

العراق لا يحتاج مزيداً من الوجوه المستهلكة التي خبرها شعبنا واثبتت فشلها، بل عقول استراتيجية قادرة على التفكير خارج منطق الطائفية وإدارة الأزمات بالعقلانية. ما تعانيه البلاد اليوم ليس أزمة موارد ولا نقص في الطاقات العلمية، بل بغياب رؤية شاملة تفهم الدولة بوصفها مشروع لا غنيمة. وهي وحدها القادرة على وضع حلول لتجاوز الكم الهائل من الخراب الذي خلفّه الفاشلون منذ الاحتلال لليوم. ومن دون تفكير استراتيجي ووطني وعابر للطائفة والقومية، ستظل الازمات دون حل، ويعاد انتاج نفس الفاشلين باسماء جديدة أو العودة الى الفاشلين الاوائل. ويبقى المالكي وحزبه ونهجه الاسلامي كما صدام حسين وحزبه ونهجه القومي، أسوأ تجربتين سياسيتين كارثيتين مر بهما شعبنا طيلة تاريخه الحديث.

 مصيبة كبرى: عندما لا يُفرّق السياسي بين الخيار الإستراتيجي و الخيار بــ "اللبن"..عندها لن ترى أي فرق بين السُلطة والسَلَطة "الجاجيك" .... (محمد الماغوط).