
إن أي مراجعة لأوضاع اليسار العراقي بعد انتكاسة الانتخابات الأخيرة لن تكون مجدية ما لم تكن صريحة وجادة.
منذ البدء أقول: سيتأكد لدينا جميعا، وقريبا جدا، أن ما نسميه اليوم بـ " المدنية " قائم على سوء فهم كبير وأوهام كثيرة. فالمدنية بمفهومها السطحي السائد في بلادنا هي إلغاء او على الأقل إخفاء للصراع الطبقي الذي كان مستترا فترة طويلة بسبب تفعيل غبي وتافه لعامل الطائفية الوسخ، لكن هذا الصراع الطبقي تمزّقت أغطيته الآن وأصبح أكثر حضورا ووضوحا وتأثيرا.
والمدنية هي في الحقيقة هوية عامة شاملة وهي في جزئها الأكبر انتعشت في بلدان العالم الرأسمالي فهي تنتمي إلى البرجوازية، ومن هنا نراها حاضرة في بلدان أوربا الغربية أكثر من أي مكان آخر، وذلك لما حققته الرأسمالية هناك من إنجازات عمرانية وعلاقات اجتماعية منضبطة بقانونية صلدة. لكن الغرب، المدني حد النخاع، ليس مهووسا مثلما نحن مهووسون في العراق بمصطلح الـ "مدنية" الخادع وشعاراتها البراقة ولا يتغنى باسمها الغربيون مثلما ذهبت كثير من المنظمات العراقية إلى تسمية كياناتها بـ "المدنية" والتفاخر بهذا الاسم وكأنهم خرقوا الأرض وبلغوا الجبال طولا. والمدنية بعد ذلك في معناها هذا هي تعطيل للنضال الطبقي والوطني وتجعل من حقيقتنا اليسارية أبعد من الثانوية بل وتقتلها ببطء.
والدليل على ازدواجية الصراع - طبقيته ووطنيته في آن واحد - هو ما قدمته انتفاضة تشرين وما يجري إلى يومنا هذا من غليان يتصاعد لكنه سرعان ما ينطفئ بفعل فاعل. وما الانتخابات الأخيرة إلا ايذاناً بضرورة الانتقال إلى أشكال أخرى للنضال تسبقها أشكال صريحة لتقييم الحالة والاعتراف أن صراعنا ضد خصومنا هو ليس صراع "مدنيين" ضد " لا مدنيين " من حملة العقل القبلي العشائري او كهنة الأديان او ثقافة عسكرة المجتمع أو جهابذة تقطيع أوصال الدولة والمجتمع على مقاساتهم.
صراعنا، أولاً وطني لأن الوطن يتعرض للقضم والإلغاء والإقصاء والنهب والتجفيف وكل ما من شأنه تدميره، والدليل الأكثر وضوحا على ذلك هو الغياب التام للدولة بالمعنى حتى البدائي ناهيك عن المعنى الحضاري الحديث.
ثانيا أن صراعنا طبقي والطبقية لا تشترط وجود صناعات كبرى ترتبط بها طبقة عاملة وأخرى تمتلك وسائل الإنتاج وإلا لألغي بالكامل نضال الملايين من الكادحين في بلدان العالم الثالث ومن تاريخ التطور في مراحل الإقطاع وحتى ما قبلها.
إن الطبقية الآن في بلادنا لها هوية أخرى أوسع من الفهم الكلاسيكي. إنه صراع فقراء ومعدمين من عمال يد وشغيلة فكر وموفين وطلبة وأجَراء وفلاحين تركتهم أراضيهم في ضياع مجهول بسبب استهتار الطغمة المتحكمة بمصائرنا وبكل ما له قواعد وأسس اقتصادية او اجتماعية او سياسية. هذا الاستهتار النابع عن الجهالة والأمية الفكرية ومحدودية العقل بكل معنى الكلمة. في الطرف الآخر يقف الاغنياء الجدد الذين بنوا إمبراطورياتهم المالية والعقارية من سرقات المال العام والتلاعب بأصول الدولة ممتلكاتها وفرض سلطانهم بقوة السلاح ومن خداع الناس البسطاء بعد تحويلهم إلى أغلبية مؤثرة نتيجة نشرهم للأمية بكل معانيها ومستوياتها وأنواعها.
والعجيب، والمشرف جدا جدا، هو أن الفقراء والمعدمين ومن كل المجتمع العراقي هم الذين يخوضون الشكلين من الصراع في آن واحد. الصراع الطبقي والوطني معاً. وهذا هو ديدن اليسار دائما. منذ أن بدأ الصراع بين الفقراء والأغنياء. الفقراء وطنيون يدافعون عن الوطن وكل الناس في نفس الوقت الذي يدافعون عن مصالحهم الطبقية، في حين نجد الأغنياء غالبا ما يكونون عملاء وخونة لارتباط مصالحهم الاقتصادية بمنظومات ودول أجنبية ومؤسسات خارجية تمتد أذرعها خارج وداخل الحدود لتتشابك مع شبكات الفساد والاستغلال وهم لذلك مستعدون لتمرير كثير من التعاملات على حساب أوطانهم ومصالح شعوبهم.
إذن الإشكالية تكمن في وهم كبير اسمه " نحن المدنيون" وغادرنا طواعيةً انحدارنا اليساري والوطني ورضينا بما تمنُّ به علينا الحالة غير المعقولة بل والشاذة التي ارتسمت معالمها بهوية نظام سياسي هجين لا يملك رؤية أبعد من أرنبة انفه وأعمق من جيوبه وأرصدته.
فاتنا مع الأسف ان نلتفت إلى ما هو يرسم طبيعة وجودنا كله وينسجم بل يتطابق مع طموحنا وما ننتمي إليه بكل عقولنا وضمائرنا. فاتنا أن نخلق ونحقق استراتيجية شعبية يكون اليسار قلبها وفكرها وعقلها اليومي بدلا من تحالفات مؤقتة غير استراتيجية بالتالي غير منتجة. فاتنا أن ننتبه إلى اننا اتخذنا من النخبوية الجميلة المهذبة الرقيقة ناعمة اليدين بديلاً عن التوجه الشعبي والوطني الكامن في اعماق المجتمع وفي أصوله لا في أطرافه المنعزلة.
ومن المفيد الآن التذكير أن اليسار الوطني العراقي ممثلا بالحركة الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية راسخة في وجدان الوطن والناس كما ان الوطن والناس راسخين في ضميرها ووجدانها لذلك لا يمكن الركون إلى خسارة انتخابية جاءت وفق مقاسات نظام محاصصاتي متخلف يتسبب يومياً بخسائر أشمل وأكبر مئات المرات في جسد الوطن انما يجب الانطلاق من جديد على أرضية يسارية متينة لا مدنية هلامية وأرضية شعبية لا نخبوية.
علينا تحديد الأهداف الكبرى المتمثلة في التغيير الوطني الشامل والذي يأخذ في مراميه البعيدة طبيعة ثورية حازمة لا تتوقف بل تتجدد باستمرار لأن ما ان تنتهي طموحات المرء حتى ينتهي من ان يكون ثورياً. والأهداف ينبغي أن تكون واقعية وممكنة وأساليب العمل واقعية هي الأخرى وممكنة. لكن يجب أن تجسدها شجاعة اليساريين. علينا:
- تأسيس حكومة ظل بديلة للحكومات القائمة لها برنامج واضح محدد وكامل ومعلن في كافة مجالات الحياة في بلادنا.
- علينا تأسيس برلمان شعبي وطني شامل، وفي كل محافظة أيضا، يراقب الدولة ويضع معايير محاسبة الحكومات وفضح أفعالها ودعم أي منجز إيجابي لها مهما كان حجمه.
- علينا تأسيس لجان قانونية تتبنى التوجه للقضاء المحلي (والعالمي عند الحاجة) بكل شاردة وواردة تخالف مصلحة البلاد والشعب.
- علينا تشكيل لجان عمل شعبي غير مرتهنة بمناسبة أو بموسم مهمتها تنفيذ سياسات المؤسسات المذكورة أعلاه.
- أما الإعلام اليساري فيجب أن يخضع إلى ثورة نوعية بحيث يغدو كل عامل وكل فلاح وكل مظلوم ومضطهد هدفا له، لأن الفقر وحده لن يصنع الثورة إنما الوعي بالفقر هو الذي يصنعها.
- إن حراك اليسار العراقي لا ينبغي أن يقاس بالعدد إنما بالنوع، لذلك ينبغي أن يكون الشارع لا المكاتب هو ساحة إعلام اليسار. إن تظاهرة واحدة نوعية ومنظمة بشكل واع ومدروس تعادل أطنان من الورق أو مئات من مواقع التواصل الاجتماعي. وستتضاعف مردوداتها الوطنية عندما نتمكن من عقد اجتماعات شعبية في الساحات العامة.
- إننا بحاجة ماسة إلى ساحة بل ساحات للإعلام الشعبي المفتوح والعام والذي تدعى إليه الناس من مارة أو اتفاق مسبق ولتكن فيه خطابات أو هتافات محدودة لكنها ذات صلة بمجريات الأمور اليومية وفيما عداها حول الوضع العام. نحن يساريون شعبيون لا شعبويون ولا نخبويون.
من هنا فإن إعادة الحياة إلى انتفاضة تشرين سيغدو ضرورة قصوى ويعاد زخمها وذلك عن طريق تحويلها إلى:
- ثقافة يومية.
- ممارسة يومية منتظمة، لكن بشروط تحفظها من أن تصبح مجالات للفوضى وللممارسات غير المنضبطة وغير الهادفة.
لكننا بحاجة في كل ذلك إلى كادر واع مدرك لما يفعل وما ينبغي فعله. من هنا فإن اليسار العراقي عليه تدبير الدورات التوعوية والتربوية لخلق الكادر النوعي الثوري القيادي والفاعل. ولهذا كله شروط عديدة قد نتناولها في حلقات قادمة. لكن لن تكون هناك مدرسة ولا دورة تنظم في صفوف وقاعات مهما علا شأنها أكثر فاعلية وتأثيرا وخلقا للكادر الثوري من الشارع والعمل بين صفوف الناس ولاسيما المضطهدين والفقراء.
وفي الختام فإن كل ما تقدم ما هو إلا مقترحات أضعها أمام اليساريين والشيوعيين والديمقراطيين الثوريين في بلادنا وستحتاج بكل تأكيد إلى حوار أو تضاف إلى مواد ينشغل بها الآن كثير من الرفاق او الأصدقاء أو الوطنيين الحريصين على مستقبل البلاد وسعادة الشعب وتنفيذ تطلعاتهم الثورية والتقدمية.







