
ليس في خسارة الانتخابات ما ينقص من قدر الفكرة ولا من صلابة من حملوها، فالانتكاسة ليست دائما في الأرقام بل في المناخ الذي أجريت فيه المعركة. ما جرى في العراق ليس تصويتا ضد التقدميين بقدر ما هو إعلان تعب جماعي من أمة أنهكها الخوف وأغراها الخطاب السهل.
المدنية لم تهزم لأنها ضعفت، بل لأن الجهل انتصر حين اتسع صمته في العقول، حين خاف الناس من حريتهم فاختاروا من يطمئنهم على حساب من يحررهم. ومع ذلك، فالفكرة لم تمت، لأن الفكرة التي ولدت من الألم لا تموت بالخذلان، بل تتجدد في كل مرة يسقط فيها الوهم ويعود الإنسان للبحث عن ضميره المفقود.
ليست الخسارة في صناديق الاقتراع دائما هزيمة، بل أحيانا تكون انعكاسا مؤلما لمرحلة تاريخية انقلبت فيها الموازين، وتبدلت فيها القيم، واختلطت فيها البصائر حتى غدا الناس عاجزين عن التمييز بين من يريد انتشالهم من الظلام ومن يغذي فيهم أوهام القوة والهوية الزائفة.
ما جرى في الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025 لا يمكن اختزاله في نتائج وأرقام، بل هو مرآة عميقة لتعب الجغرافيا والتاريخ والمجتمع معا، حيث تصطدم المدنية والوعي والضمير الجمعي بجدار سميك من الإحباط المزمن والخوف من المجهول، وتسحق تحت ركام سنوات من الفساد الممنهج والتضليل الطائفي وتفكيك فكرة الوطن ذاتها. من الطبيعي إذن أن تبدو الهزيمة قاسية، لأن ما خسر ليس حزبا ولا كتلة ولا تيارا، بل فكرة كاملة، فكرة الإنسان الحر، والمواطن الذي يحكمه ضميره لا عشيرته، وحقوقه لا طائفته، وعقله لا خوفه.
لكن لا يمكن لهذه الخسارة أن تقرأ بوصفها نهاية للفكر التقدمي، فالتاريخ يعلمنا أن الأفكار الكبرى لا تموت بالانتخابات، بل تعود لتتجذر كلما سقطت الأقنعة وانكشفت الوجوه التي صنعت الوهم. ما حدث هو نتيجة طبيعية لتآكل البنية المدنية في العراق منذ سنوات، إذ لم تعد القيم التنويرية قادرة على الصمود في وجه آلة إعلامية ضخمة تحول الدين إلى سياسة، والطائفة إلى هوية وجود، والعشيرة إلى دولة داخل الدولة. تسرب الوعي من بين الأصابع كما يتسرب الماء في صحراء عطشى، وتحول المثقف إلى كائن معزول في مدينته أو في غربته، بينما كان الجهل يلبس ثوب المخلص ويتقدم بخطاب بسيط، مباشر، مليء بالوعود الكاذبة التي تخاطب الغرائز لا العقول.
إن من الظلم أن نحمل القوى المدنية والليبرالية مسؤولية فشل بيئة لم تكن قابلة بعد لأن تتنفس الحرية. فالناس الذين يفترض أن يصوتوا للتنوير، يعيشون تحت ضغط الحاجة والخوف، وتحت سلطة فكر ديني متصلب يقدس الماضي ويجرم السؤال. لقد هاجر من كان يمكن أن يصنع التغيير أو طرد أو سحق أو صمت لأنه يائس، فغدت المدن خاوية من صوت الوعي، وصار من السهل أن تسود العملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة، كما قال القانون الاقتصادي الذي يصلح هنا استعارة سياسية تشرح حال الفكر في وطن مثخن بالجراح.
ما جرى في العراق ليس استثناء، بل هو فصل من قصة أطول عرفها اليسار في العالم العربي، حين صعدت موجات الهوية والطائفية والإسلام السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي، وتراجع الخطاب التقدمي تحت ضغط هزائم قومية واقتصادية. في مصر، انحسر التيار المدني بعد موجة الربيع العربي، وفي لبنان غرق اليسار في طوفان الطوائف، وفي تونس تواجه الحداثة اليوم ردة محافظة بملامح مختلفة، وفي أوروبا الشرقية انكمش اليسار أمام موجة الشعبوية الجديدة. إن الأفكار لا تخسر لأنها ضعيفة، بل لأن الناس يخافون من حريتهم، ويحتاجون إلى زمن ليكتشفوا كم كانت الحاجة إليها ضرورية بعد أن يعيشوا ثمن غيابها.
من هنا، فإن المواساة التي يستحقها التقدميون في العراق ليست شفقة، بل إقرارا بعمق المعركة التي يخوضونها، معركة ليست في صناديق الاقتراع بل في العقول والنفوس، في المدارس والجامعات والمنازل، في مواجهة إعلام يشوه كل فكرة نقدية، وسلطة ترى في الفكر المستقل خطرا على امتيازاتها. إن خسارة الانتخابات لا تعني فشل المشروع المدني، بل انكشاف الواقع كما هو، واقع ما زال يخاف من الحرية، ويأنس للوصاية، ويهرب من مسؤولية التفكير المستقل.
قد يقال إن العراق اختار الجهل، لكن الحقيقة أن الجهل هو الذي اختار العراق منذ عقود طويلة، حين سرقت الدولة وتحول الدين إلى وسيلة للحكم، وحين غابت العدالة وصار الانتماء هو الطريق إلى البقاء. ومع ذلك، فإن بذور الوعي لا تموت، فهي قد تنكسر تحت الركام، لكنها لا تتعفن. سيأتي وقت يستعيد فيه العراقيون شجاعتهم لقول (لا) بوعي لا بغضب، (نعم) بعقل لا بخوف، وسيعرفون أن المدنية خلاص وجودي.
إنها ليست هزيمة إذن، بل محطة مؤلمة في طريق طويل لا يعرفه إلا أولئك الذين حملوا الفكرة لا المنصب، والمبدأ لا المقعد. فالضمير الذي يصحو بعد كل كارثة هو ما يبقي الأمل، وحين تنهار الأسقف وتعود الكهوف، هناك دائمًا من يشعل شمعة لا ليُرى، بل ليضيء للآخرين الطريق إلى الخروج. تلك هي رسالة الفكر التقدمي... أن يبقى واقفا حتى عندما يسقط كل شيء، لأن سقوطه هو نهاية المعنى ذاته.







