في السنوات الأخيرة، أصبحت الانتفاضات، وبشكل متزايد جزءًا لا يتجزأ من الأحداث الاجتماعية والسياسية العالمية. الظاهرة التي وصفتها لجنة جماعية خفية لمؤلفين فوضويين منذ قرابة عقد ونصف، في الكتاب الأكثر مبيعًا، الذي يتناول موضوعات نظرية يسارية راديكالية، والموسوم "الانتفاضة المقبلة" لا تشهد حاليًا استقرارا فحسب، بل إنها تتوسع أيضًا. لكن ما الذي يقف وراء الانتفاضة كعمل جماعي؟ كيف استطاع هذا النشاط الثوري المصغر الاستقرار في العقدين الماضيين، بينما في الوقت نفسه تم توسيع الأجهزة الأمنية للدول وتقييد حقوق التجمع، على سبيل المثال في كندا أو ( و )  إسبانيا أو ( و ) هونك كونغ؟

في عام 2007 نشر بيان "الانتفاضة المقبلة" لأول مرة بالفرنسية، عندها لم يكن ممكنا توقع التطور الذي تعيشه كولومبيا حاليا، وما عاشته من قبل تشيلي، العراق، لبنان، هونغ كونغ، ميانمار، أو التجمعات في المراكز الحضرية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث توقع باحثو الحركات الاجتماعية غير البرلمانية ، حدوث احتجاجات على نطاق واسع كما حدثت آخر مرة في نهاية الستينيات.  لقد أخرجت الشرطة الفرنسية خراطيم المياه من المستودعات في عام 2016، أي بعد نصف قرن تقريبًا، وقبل قرابة عشر سنوات اندلعت حركات الاحتجاج في إسبانيا واليونان، في البرازيل، كتالونيا، تركيا، دون ان تنسى احتجاجات „الربيع العربي".

يجب قراءة "الانتفاضة المقبلة" في سياق نشأتها. في عام 2005 كان هناك انتفاضات في ضواحي العديد من المدن الفرنسية. بعد مرور عام، شهدت مراكز المدن الفرنسية احتجاجات حاشدة، وشهدت مواجهات عنيفة، ضد خطط "اصلاح" قانون العمل. ويُفترض عمومًا أن مؤلفي البيان متطابقون مع مجموعة Tiqqun الفرنسية، التي تناولت مرارًا وتكرارًا في اصداراتها المواجهات العنيفة في الاحتجاجات المناهضة للعولمة في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من غوتنبرغ إلى جنوة.  وحقيقة أن الأحداث التي وقعت في فرنسا، و في عام 2008 في اليونان، وفي بريطانيا العظمى في عام 2011، أعقبتها سيناريوهات انتفاضات مشابهة جدًا، ردا عن قتل شباب منتفضين على ايدي الأجهزة الامنية، اشرت بالفعل استقرار ظاهرة الاحتجاج، الذي اطلق موجة من الاحتجاجات العابرة للحدود الوطنية، مرتبطة بموجة جديدة من الحركات الاجتماعية غير البرلمانية ، والتي استمرت، مع انقطاعات، حتى يومنا هذا. ان محاولة جمع الانتفاضات في وعاء واحد، تعكس الكثير من المشتركات، ولكن أيضا اختلافات كبيرة يصعب ربطها ببعضها البعض.

احتجاجات عالمية

بالكاد يمكن مقارنة الاحتجاجات الاجتماعية في بلدان جنوب العالم، من احتلوا نيجيريا (2012) إلى حركات الاحتجاج في العراق ولبنان في السنوات القليلة الماضية، مع موجة الاحتجاجات التي اندلعت في الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد أو ما يسمى "بانتفاضة هامبورغ"، ارتباطا بعقد قمة مجموعة العشرين في هامبورغ في عام 2017. كيف يمكن وضع احتجاجات حديقة غيزي في إسطنبول عام 2013 ومواجهات هونغ كونغ في عامي (2019/20) مقابل بعضها البعض، لاستنتاج، بان هذه الاحداث مترابطة؟ في حالة تشيلي وكولومبيا، يبدو أن الأمر أسهل كثيرًا، ويبقى من المؤكد أن الحركات الاحتجاجية في جميع أنحاء العالم مترابطة في الإطار العام. ان تدفق الصور في وسائل التواصل الاجتماعي، مكن المشاركة في الاحداث العالمية،  حتى وان كانت غير نشطة.

تنشأ الروابط عندما تظهر كتلة سوداء في مصر عام 2013 وكذلك في التجمعات الحضرية في الولايات المتحدة أو أوروبا، وترسل مجموعة النشر الفوضوية الأمريكية الكريمثنيك في رسالة مفتوحة الى النشطاء في المنطقة العربية تحيات تضامنية، لتشجيع وتعزيز نضالاتهم الراديكالية. وفي ميانمار، يتم استخدام التحية ثلاثية الأصابع، المستعارة من ثلاثية أفلام الخيال العلمي الشهيرة "ألعاب الجوع"، للتعبير عن الاحتجاج. والمظلة المفتوحة في هونغ كونغ وفرانكفورت blockupy أصبحت منذ فترة طويلة جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الاحتجاج العالمية وتحظى باعتراف واسع.

من الواضح ان مثل هذه الإيماءات المستعارة، أحيانًا من الروايات الخيالية المعروفة عالميًا، وصور الاضطرابات في الإنترنت والعديد من عمليات النقل المباشر تخلق مجموعة من مشاريع وإعادة انتاج وانتشار جماليات الانتفاضات. ولكن ماذا عن أوجه التوازي او الاتفاق في المحتوى؟ كانت الجملة دائمة الحضور في الحركات الاحتجاجية العابرة للحدود في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي تعتبر الى حد ما، تطوير في الصياغة لفكرة كولن كراوتش (عالم اجتماع بريطاني) عن أزمة التمثيل في ما بعد الديمقراطية، كانت فكرة تعويض الافتقار إلى التمثيل السياسي عبر الانتفاضات. قد يكون هذا صحيحًا، ولكن أيضًا في احتجاجات "الغاضبون" في إسبانيا، كانت الجوانب الاقتصادية منذ البداية في المقدمة، بحيث أصبح شعار "لسنا بضاعة" واحدة من أكثر الشعارات شعبية لهذه الحركة، وجاء ردا على الأزمة المالية التي سرعت من توسع وانتشار حركات الاحتجاج والانتفاضات في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

كان احتلال الساحات العامة من نيويورك مرورا بمدريد إلى اسطنبول وأثينا قبل عشر سنوات ممارسة لتأميم الأماكن العامة، التي تتعرض لخصخصة متزايدة باستمرار. وكان هذا واضحا نسبيا في انتفاضة حديقة غيزي في اسطنبول، التي اندلعت ضد الغاء حديقة عامة خضراء، وتحويلها الى مجمع مباني. إن حقيقة تحول الاحتجاجات الى انتفاضة ضد نظام أردوغان تُظهر أن كل حركة احتجاجية تتحرك دائمًا ضمن أفق حدث سياسي راهن وترتبط به، حتى لو لم يكن السبب المباشر التظاهر ضد استبداد أردوغان أو سياسة تقليص الرواتب التقاعدية لماكرون أو ضد التحريض العنصري لترامب. وكذلك كان الحال مع انتفاضتي تشرين العراقية واللبنانية، والتي توجت سلسلة من التظاهرات والتجمعات عير سنوات للمطالبة بإصلاحات اقتصادية – اجتماعية، لكنها تبنت في النهاية مطالب واضحة في تغيير أنظمة المحاصصة والفساد في البلدين.

من الإضراب إلى الانتفاضة

في عام 2016، اصدر أستاذ الأدب، في جامعة ديفيس (كاليفورنيا ، الولايات المتحدة) ، والشاعر جوشوا كلوفر ، أحد أكثر الأعمال اهمية حول الانتفاضات العالمية في السنوات الأخيرة  "اضطرابات، اضراب، اضطرابات"، و سبق لتصريحاته التي تنتقد الشرطة، ان أصبحت موضوعا  للنزاعات قانونية. وعلى عكس بيان لجنة النشطاء الخفية، التي تحدثت مرتين حول الحركات الاحتجاجية، عبر نصوص تدخلية راهنة „لأصدقائنا" (2015) و "الآن" (2017)، فإن نهج كلوفر الماركسي يقدم تحليلا لظاهرة الانتفاضة الحالية ويصنفها تاريخيًا بمنظور آخر متقدم.

العنوان „اضطربات، اضراب، اضطرابات" يعبر بشكل مكثف عن المحتوى. في حين استبدلت "الاضطرابات"، أي الاحتجاج الاجتماعي العفوي منذ بداية العصور الحديثة وحتى القرن التاسع عشر، بإضراب الحركة العمالية المنظمة، وعادت في الرأسمالية المتأخرة، كأسلوب نشاط ما يسميه كلوفر البروليتاريا الفائضة: مجموعة الفائضين الذين يبعدون من عمليات الإنتاج، ويجري اسكاتهم بالمعونات المقدمة من الدولة. لقد كان "السوق" في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر هو ساحة اندلاع الحركات الاحتجاجية والاضطرابات المتعلقة بالأسعار، وتقلت القوى العاملة المنظمة النضال إلى ميادين الإنتاج. وبالمقابل يعود الاحتجاج ثانية الى "السوق"، بالتحديد في ميادين الاستهلاك داخل المدن، حيث يدور النضال والاختلاف على المشاركة الاقتصادية والسياسية.

العالم كله يكره الشرطة

يفهم كلوفر ممارسة النهب باعتباره جوهرًا اقتصاديًا لهذه الاضطرابات، التي تجعل إعادة انتاج البروليتاريا الفائضة ممكنا. تميز كتاب كلوفر بمنظور امريكي، اذ تلعب مسألة العنصرية دورا محوريا فيه. يشدد الكاتب على أن عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والإقصاء العنصري يسيران دائمًا جنبًا إلى جنب، ولكن غالبًا ما يتم تفسير أعمال الشغب بطريقة عنصرية وثقافية في وسائل الإعلام وفي التقييم السياسي، كتعبير عن عنف غير البيض ضد النظام. تعتبر مكافحة العنصرية بشكل عام عنصرًا أساسيًا في الانتفاضات الحالية، كما يتضح من مشاركة مجموعات السكان الأصليين في بلدان أمريكا الجنوبية أو أعمال الشغب التي قام بها الشباب المهاجرون في المدن الكبرى، والتي يتم تبريرها من قبل الجهات الحاكمة على أنها مضادة لتعسف الشرطة العنصري، الذي تنفيه وتعتبره مفترض.

وفقًا لكلوفر، أن الشرطة هي دائمًا الخصم المباشر للمنتفضين، مرتبط بحقيقة أن الدولة اليوم في شكل منتسبي الأمن دائمًا في الجوار المباشر، في حين أن الاقتصاد محفوظ بعيدا، على عكس العصور الحديثة المبكرة، حيث كان السوق ميدانا للنضال وتبادل السلع الاقتصادية، لكن الدولة كانت بالكاد موجودة وكانت الشرطة لا تزال في طور التكوين. ولهذا فان النقاش حول عنف الشرطة عموما، وليس العنصري منه، يميز الانتفاضات في العديد من البلدان. إن النظرة الاجتماعية -الاقتصادية البحتة إلى الانتفاضات لا تستطيع استيعاب هذه الظاهرة. ويظهر هذا أيضًا من خلال النضالات النسوية العنيفة كما هو الحال في المكسيك، واخيرا في بريطانيا العظمى وتشيلي.

تعكس الانتفاضات العالمية أيضًا تعقيد الصراعات المتقاطعة، والتي تلعب دورًا متزايد الأهمية، في ضوء التحول الاستبدادي نحو اليمين في العالم. في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة نتيجة لانتشار الوباء، ينبغي التأكيد على بقاء النضال في سبيل المشاركة الاقتصادية أو مكافحة الاستبعاد الاجتماعي، كعنصر ربط في المقدمة. ويظهر هذا أيضًا من خلال مثال شيلي، حيث شهدت الدولة، التي عدت نموذجا لليبرالية الجديدة، واحدة من أكثر الانتفاضات اتساعا في السنوات الأخيرة، والتي أدت إلى استفتاء دستوري. ونفس الشيء ينطبق على الانتفاضة العراقية، حيث يسعى المتسلطون حصرها في اطر طائفية. وحتى في كولومبيا، حيث يدور الصراع على من يتحمل تكاليف ازمة الوباء، وتحاول الحكومة، عبر "اصلاح" ضريبي، تحمل الفئات الأقل دخلا فاتورة الحساب، وعلى الرغم من سحب الحكومة لمشروعها، الا ان الانتفاضة اخذت بعدا سياسيا لمواجهة حكومة الليبراليين الجدد المستبدة.

 وسنرى ما إذا كان الصراع على تكاليف الوباء سيشكل اتجاه الانتفاضات المقبلة بطريقة مشابهة لما فعلته الأزمة المالية الأخيرة. السؤال إذا ما كانت الانتفاضات المقبلة ستنتج موضوعًا سياسيًا جديدًا، كما في فكرة كلوفر عن البروليتاريا الفائضة، وإذا ما كانت العديد من النضالات التحررية المختلفة والمتشابكة ستلعب هنا دورًا، هذا ما لم  تتم الإجابة عليه بعد. على أية حال، فإن الانتفاضة العالمية الكبرى، بجوانبها العديدة ضد سلطة ادارة أزمة الرأسمالية المتأخرة بدأت منذ زمن بعيد.

*- عن مقالة بقلم فلوريان شميد نشرت في 11 حزيران 2021 في جريدة "نويز دويجلاند" اليسارية الألمانية. نشرت لأول مرة في العدد 144 من مجلة الشرارة النجفية

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل