طيلة الحيز الزمني الذي وعينا فيه منذ أن تفتحت عيوننا على الواقع السياسي في العراق منذ أواسط الخمسينات وحتى يومنا الأسود هذا ونحن نمر بمحطات تشكيل وعينا المتنامي منذ نعومة اظافرنا وما كنا نعايش من أحداث مريرة وغير مستقرة، جلبت الكوارث تلو الكوارث، ونحن نعاصر أحزابا وكتلا وقادة وزعماء، السيء منهم والوطني، حيث كان العراقيون دائما وقودا لمحارق السياسيين وسوءاتهم ومغامراتهم، في بلد يعده المراقبون ولسنا نحن العراقيين، بأنه من أغنى دول العالم، بميزانيات انفجارية، الله وحده يعلم أين تذهب وكيف تبخرت، والبلد على حاله يراوح في ذات الخراب، في الوقت الذي كانت دولا تعتبر العراق قبلة حضارية لها، لا بمعنى حجم العمران الذي كان ينبغي أن يوليه السياسيون أدنى اهتماما، بل بما يحتكم عليه من خيرات لا حصر لها وتاريخ يعتز به الأجنبي قبل العراقي وأراض خصبة ومزارات دينية ومعالم تاريخية وغيرها من المؤهلات التي لا عدّ لها، إذا ما روعيت فيها معايير السياحة الرصينة والتي تدر أموالا طائلة  لهذا البلد الجريح، ناهيكم عن ثروة البترول والغاز والفوسفات وسواها من مصادر لا تتوفر في بلدان أخرى. إذا ما أخذنا كل ذلك بنظر الاعتبار، سيجد العراقي نفسه غارقا في الرخاء من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، هو وكل أفراد أسرته. فأين نحن من كل هذا؟

إن تسلط أنصاف الأميين على رقاب الناس وروح المغامرات الخاسرة والمحسوبة الإخفاق سلفا ورعونة اتخاذ القرارات الصبيانية والتي سببت للعراق والعراقيين الكوارث، أدت بالعراقيين بما هم عليه الآن من حياة أقل ما يقال عنها، أنها خارج سياق الحضارة والتعايش مع أمم أخرى ومواكبة ما يجري في العالم، وما حرب الثمان سنوات مع ايران وغزو الكويت إلا مصيبتان مما سبق ذكره.

وكأن قدرا لعينا يلازم العراقيين في تفاصيل حياتهم، ولا نريد هنا من إعادة ما كنا قد تصدينا له من كوارث بسبب حكم البعث الفاشي وعنجهيته وغروره وبلطجية منتسبيه وغباء قائده، لأننا اغرقنا المشهد بالمقالات والتناول الذي اتخمنا ولا من دروس يأخذها الآخرون لمحاسبة الذات والعودة الى العقل الذي يحمله السياسي على أكتافه دون أن يوظفه، او على أقل تقدير يختلي بنفسه ويضع الأمور أمامه سيئها وجيدها، لينقذ نفسه وعائلته وضميره وانتماءه، وبالتالي يرى أنه ساهم بحكم سلطته أن يحول الوطن الى واحة، ولا نريدها متكاملة التفاصيل، بل بنوع من المقبولية، انصافا للناس وتضحياتهم ولتاريخ البلد الذي ينتمي إليه.

عدنا في قناعة تامة بأننا نحرث في الماء، ولا نخرج إلا بالخيبات تلو الخيبات، ولا من سبيل للخروج من المحن والكوارث التي يعيشها العراق، وتحديدا منذ سقوط الصنم حتى يومنا الأسود هذا.

لا أدري ما الذي جناه العراق بحق ساسته ليتحولوا الى ألد اعدائه، وكأنهم مكلفون بمهمة تدميره وبقصد ما بعده قصد.

هل يستحق هذا البلد العريق أن يتحول الى صحراء قاحلة وأرض خراب، بعد أن كان واحة من الرخاء والثراء والعطاء، أرضا وتاريخا وثراء وشعبا معطاء، وهنا تكمن المصيبة، تكالب الساسة الى أن يقتطعونه الى أجزاء وكيانات وكتل وأحزاب وضيعات وامتيازات، وحدّث ولا حرج، ألم يستحضرون في "وعيهم" حليب أمهاتهم وحنو آبائهم ومحبة إخوتهم والتفكر في ذكرياتهم في تفاصيل الأمكنة التي عاشوها وهم يرتعون منذ ولاداتهم حتى يوم تحولهم الى هذا الحد من الشراسة المخيفة والعدوانية المرعبة التي لا نجد لها تفسيرا.

نكتب هذه المرارات ونحن نستحضر أنين الأمهات ودماء الضحايا وأنين الجرحى وخراب المدن وخراب القيم ومناشدات الوطن الجريح لأبنائه دون تمييز، ان يعودوا الى رشدهم والمعنيون هنا هم ساسة البلد ومن يمتلك سلطة القرار ومن لا زال يحتكم على النخوة العراقية التي تربى عليها ورضع من وفائها.

ما الذي حدث لهؤلاء العراقيين لتموت ضمائرهم ويجف انتماؤهم لوطن أسمه عراق، حتى بلغت بهم الخيانات، بتغليب مصالح دول خارجية ورهن مستقبل إخوانهم وابنائهم بيد من لا يريد الخير للعراق. 

ها هي الكهرباء قد اختفت والمياه قد جفّت والأموال قد نهبت والفصائل كلٌ يغني على ليلاه ولا من بصيص أمل يخرج العراقيين من هذه الفواجع.

هل بلغ اليأس المطلق بالعراقيين من سياسييهم لإيجاد حلول للأزمات المتفاقمة والتي حوّلت حياة الناس الى جحيم حقيقي، حتى أن غالبية الناس يبحثون عن منافذ للرحيل وترك الجمل بما حمل لكل من هب ودب.

بظني واعتقاد غالبية المتضررين، حتى بهائم البرية وحيواناتها المفترسة وحتى الوديعة منها، التي لا تريد ترك أوجارها بشكل مذل وخائب، كما تذكّرنا بذلك "ملحمة كلكامش".

إنها لعبة القط والفأر يمارسها السياسيون دون خجل وبوقاحة وغياب أدنى إحساس بوجود الآخر الذي يتضور جوعا ويعاني فاقة وحرمانا ما له مثيل وفي كل تفاصيل حياته، ولم نجد أن سياسيا ما زالت المروءة بحدها الأدنى تعتمل بداخله، ليظهر للعلن ويعلن عن أسفه ويقدم استقالته بعد أن يطلب العفو والغفران من الناس.

وها هي أزمة الكهرباء المعضلة الحقيقية بغموضها وملابساتها وفسادها وتجاوزها على كرامة الناس وراحتهم، كأبسط متطلبات العيش الكريم، ناهيكم عن انقطاع الماء عصب الحياة وسبب استمرارها، ولا نجد من يحرك ساكنا لتجاوز ولو اليسير من المحنة والمعاناة اليومية للعراقيين، والكل يعلم أن حقيقة الأمر يكمن في نظام الحكم المبني على المحاصصة واقتسام الكيكة والحصول على الامتيازات بأحاسيس معطّلة وقيم مفقودة وضمائر ميتة، فهل يستحق أي سياسي من هذا النمط، أدنى احتراما وقبولا، والمصيبة المضحكة المبكية، أن ساسة العراق تاركين معاناة الناس جانبا خلف ظهورهم ويعدّون العدّة  ويتكالبون على نيل أكثر الأصوات في الانتخابات القادمة وبطرق غير شريفة.

أية معضلة هذه وأي عينات من البشر هؤلاء؟

إنها الكارثة بعينها، أن يسمع فاقدو المروءة صراخ الأطفال وأنين المرضى ونشيج الثكالى وهم يعيشون في بحبوحة لا يطالها حجم العذابات التي يعيشها العراقيون.

أي بشر هؤلاء؟ ومن أي كوكب هبطوا؟

لله درك يا عراق ويا شعب العراق ويا ثروات العراق ويا فجائع العراق!

والصمت سيد الموقف فماذا تنتظرون؟!

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل