الطبقات والأعراق في تاريخ تراكم الرأسمال

كان من المألوف في الغرب، لبعض الوقت وحتى الآن، مناقشة مشاكل ما يسمى بمفهوم "الرأسمالية العنصرية" والتأكيد على أن الانقسام الرئيسي في المجتمع اليوم ليس أساسه الطبقة، بل العرق. ويتضح هذا أيضًا من خلال المقال المنشور في مجلة فورين أفيرز "انهيار التعددية الثقافية".

وكتب الناشر البريطاني كينان ماليك: "على مدى العقود الماضية، تراجعت أهمية الطبقة كفئة سياسية وعلامة للهوية الاجتماعية بشكل حاد في أوروبا". وأصبحت الاختلافات الاجتماعية مرتبطة بشكل متزايد بالفوارق الثقافية ... واختفت الفئات السياسية المهيمنة خلال المائتي عام الماضية، وبدأت الاختلافات السابقة بين اليمين واليسار تفقد معناها. لقد تسبب الضعف الاقتصادي والسياسي للطبقة العاملة في تدهور المنظمات العمالية والأيديولوجيات الجماعية. في المقابل، يتغلغل السوق في كل زوايا وأركان المجتمع، واختفت المؤسسات التي توحد الناس تقليدياً، من النقابات العمالية إلى الكنيسة، تقريباً من الحياة العامة ".

ويشير ماليك أن "الأوروبيين ... لا يعرّفون التضامن الاجتماعي بشكل متزايد بمفردات سياسية، ولكن بمفردات قومية وثقافية ودينية. الآن هم لا يهتمون كثيراً بنوع المجتمع الذي يريدون إنشاءه، ولكن في المجتمع الذي ينتمون إليه ... وبالإضافة إلى ذلك، أجهزت التعددية الثقافية المساواة بين الناس من مختلف الأعراق أمام القانون. والآن تطالب كل جالية بحقوق خاصة لها ".

 لقد تم طرح مفهوم "الرأسمالية العنصرية" من قبل سيدريك ج. روبنسون في عام 1983. وتتضمن أطروحتها الرئيسية أن رأس المال "لا يمكن أن يتراكم إلا من خلال الإنتاج والحركة من خلال علاقة عدم مساواة شديدة بين الجماعات البشرية". ومن أجل البقاء، ينبغي على الرأسمالية أن تستغل "التمايز غير المتكافئ للقيم الإنسانية. وافترض روبنسون أن الرأسمالية هي بطبيعتها عنصرية، وأن العنصرية حاضرة على جميع مستويات الاصطفافان الاجتماعية والاقتصادية التي خلقتها الرأسمالية.

ويؤكد تطور الرأسمالية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ككل على وجهة النظر هذه. فلم يؤد نمو الثروة في الغرب إلى ظهور "مجتمع الرخاء العام والحرية"، بل على العكس من ذلك؛ فقد أصبح الصراع بين مجموعات مختلفة من السكان، بما في ذلك السكان الأصليون والمهاجرون، غير قابل للتسوية أكثر فأكثر. وتناضل المجموعات العرقية غير الأصلية بضراوة من أجل حقوقها. يتضح هذا من خلال حركة "حياة السود تحظى بأهمية" في الولايات المتحدة، والاضطرابات العرقية في ضواحي المدن الأوروبية التي يسكنها المهاجرون.

لقد حقق البريطانيون أقصى استفادة من استغلال غير البيض. وهيمنت إنجلترا على 33٪ من تجارة الرقيق عام 1673 و74٪ عام 1683، وإن 90 ٪ من هذه الحصة مملوكة لشركة "أفريفيا الملكية"(Royal African)، التي كانت مملوكة لعائلة من الملوك الإنجليز.

ويناقش المبشر البريطاني وليام بيتيجرو ويقول إن تجارة الرقيق الأفريقية تكمن في صميم قيم المجتمع الرأسمالي، وهو مجتمع منقسم عرقياً وطبقياً. ويرى العديد من علماء الاجتماع اليوم في المذابح وأعمال الشغب التي قام بها المهاجرون والأقليات العرقية في أوروبا والولايات المتحدة مجرد تمرين؛ ويقولون إن الصراع العنصري يحل محل الصراع العنصري. وفقاً لعالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريدي، فإن دور "صمام الأمان" في فرنسا كان يلعبه منذ فترة طويلة الحزب الشيوعي، حيث يوحد العمال المأجورين من جميع الأعراق والأجناس، ولكن الآن أصبح نضال المهاجرين والأقليات العرقية في قلب الاحتجاجات.

ومع ذلك، هل يمكن القول إن الصراع العنصري يحل محل الصراع الطبقي؟

كارل ماركس في رسالة له إلى پ.ڤ. أنينكوف في 28 كانون الأول عام 1846 كتب يقول أن: "العبودية المباشرة هي بالضبط أساس صناعتنا الحديثة، مثل الآلات والائتمان وما إلى ذلك. وبدون العبودية لا يوجد القطن، وبدون القطن لا توجد صناعة حديثة. لقد أضفت العبودية قيمة للمستعمرات، وأنشأت المستعمرات التجارة العالمية، والتجارة العالمية هي شرط ضروري لصناعة الآلات على نطاق واسع ".

كانت تجارة الرقيق وكدح العبيد، التي استخدمها المستعمرون في أوروبا وأمريكا الشمالية، من العوامل الرئيسية التي حددت المستوى المعيشي الحديث المرتفع لبلدان ما يسمى بالمليار الذهبي. ويورد عالم الإثنوغرافيا وعالم الاجتماع الفرنسي ك. ليفي شتراوس إن "الغرب خلق نفسه من موارد المستعمرات". ونشأت الحضارة الغربية على ركام عدد لا يحصى من العبيد. ويقال إن العدد الإجمالي للضحايا الناجمة عن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي يصل إلى 112 مليون. يضاف إلى ذلك 90-120 مليون شخص لقوا حتفهم أثناء الاستعمار الوحشي لأمريكا الجنوبية والوسطى والشمالية.

لقد اقترن تطور الأوروبيين في القارة الأمريكية بإبادة السكان المحليين، مع ... الإبادة الجماعية المباشرة للقبائل الهندية. وأعقب ذلك فترة صعبة للغاية وكبيرة وصعبة من العبودية والقسوة للغاية ". وذكَّر ف. بوتين ذلك في اجتماع مع ممثلي شعوب القرم وسيفاستوبول في 18 آذار 2021.

إن منطق علماء الاجتماع الغربيين يتحدث عن أن الصراع الطبقي تم استبداله بالصراع العنصري هو خطأ جوهري: إذ أن استغلال شخص من عرق آخر لا يلغي استغلاله كممثل الطبقة النقيضة. من الممكن أن يخفي التمايز العرقي، ولكنه لا يلغي التناحر الطبقي.

إن مفاهيم "التعددية الثقافية" الأوروبية، و "بوتقة الانصهار" الأمريكية، تخفي فقط الاستغلال العنصري المتأصل في الرأسمالية باستغلالها للعمل. فتحت أوروبا العجوز أبوابها للمهاجرين من الشرق الأوسط وأفريقيا السوداء، والآن من أوكرانيا، كمستوردة للعبيد البيض الرخيصين. وفي البحث عن العمل العبودي، لم تعد هناك حاجة لتجهيز الرحلات الاستكشافية إلى إفريقيا، فالعبيد الجدد يذهبون إلى أوروبا بأنفسهم. وتقوم الرأسمالية باستغلاله.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل