حينما كتبت إستذكاراً لبعض جرائم البعثفاشية وشركاؤها في الثامن من شباط عام 1963 والتي تمثلت بقطاري الموت **، كتب لي الصديق المؤرخ والمصور والمؤرشف لسجناء نكرة السلمان الأستاذ عبد القادر العيداني ، احد سجناء نكرة السلمان إثر انقلاب ذلك الشباط الأسود بكل اطيافه ومعانيه ، الرسالة التالية :

" تحية اطلعت على مقالتك اليوم في موقع الناس فكانت موضوعة رصينة لاستعراض القطارات الامريكية وقطار الموت لكن ملاحتظي انك لم تتطرق الى قافلة الفقراء والمسحوقين اعني قافلة التي انطلقت من البصرة الى سجن نقرة السلمان بعد مرور يومين على انتفاضة حسن سريع وحسب معلوماتي انك كنت من ضمن قافلة الموت اتمنى لقلمك ان يسطرها باْحرف ساطعة مع محبتي "

وقد اجبته برسالة ذكرت له فيها بانني سبق وان تطرقت الى حادثة قافلة الموت هذه في كتابي المعنون " في فردوس الوطن " الصادر عن دار ميزوبوتاميا في بغداد عام 2013 والموجود حالياً في مكتبتها بشارع المتنبي ، واردت في مقالتي هذه عن قطاري الموت ان اركز على هذا الموضوع بالذات ، متجنباً تكرار ما ورد في كتابي اعلاه عن قافلة الموت.

لقد دفعني طلب الصديق ورفيق السجن آنذاك عبد القادر العيداني الى استذكار هذا الحدث اللئيم وإعادة كتابته لتطلع اجيالنا على الجرائم الوحشية التي ابتكرها البعثيون واعوانهم للتخلص من اعداءهم السياسيين وكل من اختلف مع افكارهم السوداء .

لقد كان احد الأهداف الرئيسية للإنقلابيين الفاشست يتمحور حول التخلص من السجناء السياسيين بابتكار وساءل موت مختلفة جهزتها مختبرات وكالة المخابرات المركزية الامريكية رائدة هذا الإنقلاب وقائدة قطاره الذي امتدح ركوبه آنذاك زعيم عصابة البعث  المجرم علي صالح السعدي .من الطبيعي لم يكن هناك فصل في اكثر السجون بين العسكريين والمدنيين الذين اصبحوا هدفاً للقتل والموت بشتى الطرق التي كان قطار الموت الثاني في تموز واحداً منها والذي شمل كل السجناء من المدنيين والعسكريين في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد ببغداد.

اما السجناء من العسكريين والمدنيين في المناطق الأخرى خارج بغداد فقد أُعِدَت لهم طرق مختلفة للتخلص منهم الى الأبد . ومن هذه الطرق ما جرى تنفيذه بحق السجناء في معسكر محمد القاسم بالبصرة والذين كنت من ضمنهم، حيث سبق وأن تم تنسيبي كضابط  آلي احتياط في سرية النقليات الآلية الخامسة في هذا المعسكر.

بعد مرور يومين على القضاء على الإنتفاضة العسكرية الثورية التي قادها الشهيد البطل حسن سريع من معسكر الرشيد في بغداد والتي تمخض عنها قطار الموت الذي مرَّ ذكره، اراد انقلابيو شباط التخلص من السجناء السياسيين الذين امتلأت بهم قاعات الجنود في المعسكر والتي أُخليت لهذا السبب. فجاءت الأوامر بنقل هؤلاء السجناء الى سجن نكرة السلمان وبطريقة تؤدي بهم الى الموت ، كما سبق وان تم التخطيط لقتل سجناء معسكر الرشيد خنقاً في قطار الموت.

لقد كانت خطة النقل المُعَدة على ان تتم عبر الطريق الصحراوي غير المطروق إلا من المهربين والذي كان يطلق عليه طريق ابصية الصحراوي الذي يرتبط ببادية السماوة التي يقع فيها سجن نكرة السلمان الصحراوي . ابصية هذه نقطة صحراوية تاتيها شرطة الكمارك سابقاً بين فترة واخرى للتفتيش عن المهربين . لم يكن فيها اثر للحياة المألوفة في القرى او الأرياف الصغيرة .

يتحدث البعض عن قافلتين من هذا النوع سلكت احدهما طريق الناصرية ومن ثم الى نكرة السلمان عبر مدينة السماوة وكانت تضم مدنيين وبعض العسكريين ايضاً من سجن البصرة. اما قافلة ابصية فكانت تضم في غالبيتها العسكريين المحتجزين في معسكر محمد القاسم واكثرهم من الضباط المختلفي الرتب .

لقد كان عدد سجناء هذه القافلة مئة تقريباً تم حشرهم في باصات خشبية كان يُطلق عليها آنذاك " دك النجف " حيث كانت تُجهز بمقاعد خشبية يتم فيه نقل الركاب وتستعمل لنقل الماشية والأسماك ايضاً.

إنطلقت هذه الباصات الخشبية التي كانت تقودها سيارة جيب عسكرية مسلحة مع بعض حرس القافلة من الشرطة المسلحين بالرشاشات الخفيفة ، إنطلقت في منتصف النهار في اواءل تموز متجهة نحو الصحراء التي لا اثر فيها لأي نوع من الحياة. وفي قلب الصحراء وبحلول الظهيرة المحرقة بدأت المأساة التي تجلت بغوص عجلات السيارات بالرمال الكثيفة وعدم استطاعتها التقدم الى الأمام بالنظر لتوقف العجلات عن الحركة وهي تغوص في الرمال الصحراوية .

هذا الموقف الذي طرأ على القافلة وضع السجناء امام خيارين احدهما اكثر مرارة من الآخر . اذ ان الأمر بدى مرتبطاً بحلين لا ثالث لهما : اما المكوث في الصحراء والتعرض لأشعة الشمس القاتلة في ذلك الظهر التموزي ومن ثم الموت عطشاً بمرور الأيام تحت هذه الظروف. او محاولة تمهيد الطريق امام عجلات السيارات وذلك من خلال الحفر في الرمال وازاحتها جانباً لكي تستطيع الباصات من التقدم ومواصلة السفرة الى نكرة السلمان.  المشكلة التي واجهتنا هنا هي ان سائقي الباصات لا تتوفر لديهم آلات للحفر في الرمال وازاحتها حيث انهم لم يسبق لهم ان واجهوا مثل هذه الحالات . ولم يكن امامنا من خيار إلا استعمال الأيدي لإزاحة الرمال التي كانت كثيفة جداً ولا يمكن ازاحتها كلياً ببساطة باستعمال اليد فقط . واثناء الإنهماك في الحفر تحت حرارة الشمس الحارقة كان شرطة سيارة الجيب المرافقة يتفرجون على الموقف وكانهم كانوا يعلمون بمراحل تنفيذ الخطة ، ولم يمر بعض الوقت إلا واختفت سيارة الجيب العسكرية المرافقة بركابها ولم يبق امام هذا المشهد سوى السجناء وسواق الباصات الذين وقعوا في نفس الحيرة التي وقع بها السجناء . إلا انه لا مناص من الإستمرار في الحفر على امل ان تستطيع الباصات الإستمرار في السفر والتخلص من حرارة الشمس القاتلة . هذا الجهد الذي يرافقه تعرض الجسم الى العرق وفقد الأملاح يتطلب تعويضه بتناول الماء الذي بدأ ينضب امام هذا العدد الكبير من السجناء . واستمرت هذه الحالة حتى خارت القوى وعجزت الأيادي عن الحركة وبدأت اجسام السجناء تتعرض للإنهيار والوقوع على الأرض واحداً بعد الآخر . وحاول البعض ان يستظل بظل الباصات الواقفة في الرمل ، إلا ان هذا الظل ، بالرغم من قلة مساحته ، بدء يتلاشى كلما اقتربت الشمس من وضعها العمودي فوق سطح الأرض . وحاول البعض الآخر اللجوء الى داخل الباصات ، إلا ان الجو فيها كان خانقاً وحاراً بالرغم من فتح جميع الأبواب والشبابيك . واستمر هذا الوضع حتى المساء بعد نهار صيفي تموزي طويل لم يُبق من القابلية الجسدية شيئاً سوى ان انخفاض حرارة الشمس في نهاية النهار واختفاء الأشعة الحارقة ، اعاد بعض الحيوية التي حاول من خلالها البعض اعادة الحفر في الرمال ، ولم يؤد ذلك الى نتيجة ايضاً بسبب فقدان القوة الكافية نتيجة العطش اولاً وفقدان الآلة التي يمكن استعمالها لهذا الغرض كالمساحي والكركات وما شابه ثانياً .

انتشرت الأجسام الملقاة على رمال الصحراء التي بدأت تكتسب نسمات الرياح الصحراوية المسائية لتعيد الى الأجسام المُنهَكَة بعض قواها ، إلا انها لم تستطع إزالة آثار العطش الذي بدأت تنال من الجسم تدريجياً . وبعد ان حل الغروب وحل الظلام على الأجسام الملقاة على الرمال تنتظر المجهول الذي لم يكن احد يتصوره غير حلول اليوم الثاني على هذه الحالة التي تكون نهايتها الموت لا محالة . ومع حلول الظلام انتبهت الجموع الملقاة على الأرض على مجيئ سياارة حِمل ( لوري ) توقفت بحمولتها التي كانت مكونة من الرقي والخبز والماء والمساحي . انه اللوري المنقذ الذي لم تنتظر حمولته طويلاً لتصبح في متناول الأيدي التي اكتسبت فجأة القوة الكافية لتهشيم الركي وتمزيق الخبز لتشكل الذ وجبة طعام ظل مذاقها لا يفارق مَن تناولها لسنين عدة.

بعد هذه الوجبة السلطانية وتناول ما يكفي من الماء وبمرور الرياح الصحراوية الباردة ليلاً بدات الأجسام بالإنتعاش والنشاط الذي اكسبته المساحي قوة اضافية لإزاحة الرمال وفسح الطريق امام السيارات لمواصلة المسيرة التي انتهت في منتصف الليل امام ابواب سجن نكرة السلمان . لقد بلغ تعب الاجسام المنَهكَة اشده ولم يكن امامها ، بعد انتهاء الإجراءات الرسمية لدخول السجن ، إلا ان ترتمي على الأرض لتغط في نوم لم يمر دون كابوس احلام اليوم الذي مرت به .

السؤال الذي ظل غير واضح الإجابة حتى اليوم ، وذلك بسبب غياب الرفاق الذين كان من الممكن ان يجيبوا عنه كعبد الوهاب طاهر او سامي احمد او عباس بغدادي ، هو كيف استطاعت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في السجن ان تعلم بوجود هذه القافلة في الصحراء وحاجتها الى الماء والغذاء وادوت الحفر؟

تفسيري الخاص لذلك واستناداً لما سمعته من بعض الرفاق في السجن بعدئذ ان احد شرطة القوة المسلحة التي كانت ترافق القافلة اوصل الخبر بطريقة ما الى منظمة الحزب الشيوعي العراقي في السجن والتي اتفقت بدورها مع الإدارة الرسمية للسجن بتهيئة حمولة اللوري وارساله الى المنطقة التي توقفت فيها القافلة .

اما التفسير الآخر الذي سمعته مؤخراً من الصديق العزيز والرفيق المناضل المعروف خضير عباس السماوي ( ابو سهيل ) ، ارجو له طول العمر بوافر الصحة  ، والذي كان في السجن قبل انقلااب شباط الأسود ومن المكَلَفين من منظمة الحزب بادارة بعض اعمال السجن ، فقد قال لي ان منظمة السجن للحزب الشيوعي العراقي كان لديها بعض الرفاق المتخصصين باستعمال الراديو العادي لإاستقبال موجات اللاسلكي والإتصالات عبر اجهزة المورس لسماع المخاطبات اللاسلكية بين الإدارة الرسمية للسجن والجهات العليا المرتبطة بها في السماوة او في بغداد . ومن خلال الإنصات الى هذه المخاطبات استطاعت المنظمة ان تعلم بوضع هذه القافلة وما هي عليه فسارعت الى الإتفاق مع ادارة السجن على ارسال لوري الإنقاذ الحبيب.

هذه بعض القصص التي قد تبدو وكأنها من تصورات الخيال لمن لا يعلم عن الروح الإجرامية التي تشبَّع بها عملاء المخابرات المركزية الأمريكية من البعثيين والإسلاميين والإقطاعيين الذين تكاتفوا جميعاً على قتل وتشتت القوى الوطنية العراقية التي شكلت الحصن الأساسي لثورة الرابع عشر من تموز والتي لم يكن امر القضاء عليها سهلاً دون القضاء على هذا السياج الحصين . إلا ان السنين والأعوام اثبتت لرواد الجريمة هؤلاء ان جذور الحزب الشيوعي العراقي وكل القوى الوطنية الديمقراطية الخيرة  التي تعمقت في ارض الوطن لا ولن تنل منها القوارض مهما صقلت اسنانها.

**المقال منشور على صفحات الحوار المتمدن والناس وصوت كوردستان وصفحتي الخاصة على الفيس.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل