لا نعلم الى اين يقود العراق ساسته الذين يزدادون شراسة وعدوانية بصبيانية لا مثيل لها، ولعله في ذات الوقت خوفا من الحساب الذي ليس بالبعيد، وهذا مما لا شك فيه، وهم يوظفون كل ما لديهم من سلطات تتحول يوما بعد يوم الى ممارسات اكثر شراسة بتجاوزات هم ذاتهم كانوا يعانون منها أيام الحكم البعثي الفاشي، ليجدوا أنفسهم بعلم أو دونه، أنهم يتوجهون بذات المنحى السابق، لا بل اعنف وأشد عدوانية بحق العراقيين الرافضين لسياسة قمع الحريات وتكميم الأفواه، ليخلقوا لهم حصانة تحميهم من الاستهداف الجماهيري والإعلامي الآخذ بالتصاعد، وإيجاد السبل الكفيلة بوقف هذا الاستهتار الذي من شأنه، إن لم يكن فعلا قد حدث، أن يحيل العراق الى معتقل كبير، امتدادا ً لدولة الخوف الصدامية، بتكريس امكانياتهم المادية وسلطتهم القمعية للحفاظ على امتيازاتهم وأساليب النهب التي أصبحت شرعة وقانونا، ما فتئوا يبررونها بشتى الوسائل وبتجاوزات غير قانونية بالالتفاف على تشريعات، شرعوها لتضييق الخناق على المعارضين لسياسة التخريب التي يمارسونها ويغالون بتكريسها دون أي شعور بخطورة أفعالهم التي قد تتسبب بكوارث تهدد الأمن الوطني، ويبدو أنهم رتّبوا لحالات الطوارئ التي يشعرون أن الزحف آتٍ لا محالة، فلم يعد أمامهم سوى مثل هذه التشريعات التي هم متيقنون جهلاً أم عمداً، بأنها ستحميهم من العقاب الذي بات قاب قوسين، دون أي إحساس بخطورة الهبّة الجماهيرية التي يقينا ستكنس الأخضر واليابس في خضرائهم التي حولوها الى قلعة  مدججة بالمسلحين وكافة أنواع الأسلحة ويبادرون من حين لآخر من خلال آلاتهم الشطرنجية البرلمانية بسن تشريعات، لا علاقة لها بتصحيح المسارات التي سببت كل هذا الخراب، بل بتكريسها بشكل أسوء من سابقاتها والأشد خطورة، وكأنهم قد جمّدوا عقولهم ولم يعد لديهم من بدائل وطنية تحميهم من سوء العقاب، سوى تكريس الهيمنة من خلال قمع التظاهرات وخلق بيئة آسنة، وصلت روائحها الكريهة لأبعد من أنوفهم. ويبدو أن المسار في ذات الاتجاه الخطير مستمر، حيث لم يبق في العراق وللعراقيين من أمل سوى الإطاحة بهذه الفلول الشرسة والموغلة في الاستهتار، ناسين أو متناسين غضبة الجماهير التي تبحث عن الوقت المناسب لتحطيم القيود وكنس اللصوص والمتلاعبين بمقدرات البلد والعابثين بقوانينه التي كان من المفترض أن تكون أمانة برقابهم للحفاظ على كرامة الانسان وحريته في التعبير كيفما يريد، بدل أن يبتكروا قيودا وتشريعات ظالمة للحد من المد الجماهيري الآخذ بالتصاعد والغليان بانتظار الانفجار الكبير الذي لا يبقي ولا يذر، والأيام بيننا سجال.

إن "قانون جرائم المعلوماتية" سيء الصيت، هو إضافة الى جملة التجاوزات التي ما فتئ الفاسدون يمارسونها، ويشرعنونها لخدمتهم، بعد أن ضيعوا بوصلتهم وفاحت روائح سرقاتهم التي تجاوزت كل تصور، وها هي دول العالم تكشف يوما بعد آخر ملفات الفساد وحجم الأموال الهائلة ومستوى النهب المخيف لثروة البلاد والعباد، وكأنها تصفية حساب لحرمان العراقيين من التمتع بثرواتهم وتهريبها للخارج أو تقويم اقتصاديات بلد الجوار الذي يعاني من حالة انهيار كامل، ليترك اللصوص والخونة البلاد تغرق في الإهمال وانهيار البنية التحتية وافلاس الخزينة وإشاعة البطالة والجوع والحرمان وسط ملايين العراقيين ومصادرة عقارات الدولة، وما سببوه من انهيار الوضع الأمني، وغيرها من التجاوزات المقصودة والتي لم تعد خافية على أحد، وسط صمت دولي لبلدان كانت السبب في الإتيان بهذه الرثاثات وبقيت تتفرج بما تفعل من عبث رهيب، لتأتي اليوم بقانون يعاقب كل العراقيين، وهم متيقنون بأنهم باتوا مرفوضين من الشعب العراقي وحتى من المجتمع الدولي، وحين أحسوا بأن الطوفان قادم، لم يعد بأيديهم سوى تسخير القوانين والقضاء والأجهزة الأمنية التي شكّلوها بأنفسهم بقانون الدمج المهزلة، ليأتوننا بقانون قرقوشي يضرب عرض الحائط كل المبادئ والقيم والتشريعات والقوانين الدولية، التي ناضلت البشرية قرون وقرون من اجل ترسيخها ونيل المواطن كامل حقوقه المدنية التي تعتبر اليوم من أقدس المقدسات في العالم المتمدن، ليضع مارقو السياسة من انصاف الأميين والجهلة، هذه الإنجازات الإنسانية النبيلة في مهب الريح، وشّرعوا قانونا فنتازيا بمثابة تهديد لكل العراقيين بعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي رسموها لحمايتهم واعوانهم من اللصوص والمخربين وخونة الوطن.

وما قانونهم القديم الجديد الذي احيوه بعد أن لاقى رفضا جماهيريا واسعا مما اضطرهم لإيقاف تشريعه، ليعاودوا تقنينه بعد أن شعروا أن الرفض الجماهيري يتصاعد داخل وخارج الوطن، وأن لا مناص من تشريع قانون على فصالتهم، يجرّم كل من يقترب من قلاعهم الهشة، بعقوبات تصل الى السجن المؤبد وبغرامات بملايين الدنانير من أناس لا يملكون قوت يومهم وكل ما يحتكمون عليه الصوت الوطني المطالب بإزاحتهم بشتى السبل والوسائل، بعد تتعدد وسائل الرفض بين فئات المجتمع العراقي، فمن المتضررين من سياسة هذه الفلول الضالة من البسطاء من يعبر وفقا لوعيه وبساطة تفكيره، ولكن بحماسه الوطني حتى وإن وظف لغة الشارع سباً وشتماً وتقريعاً، تعبيرا عن الضيم الذي يعانيه واحساسه بما يفعله السفهاء من انصاف الجهلة من السياسيين الذين يناصبون العداء لأبناء جلدتهم وعمومتهم واخوتهم وأبناء حيهم وعشيرتهم، إنما اعمتهم الامتيازات والسحت الحرام والكراسي الرثة، فنسوا المعذبين من عموم المواطنين، أما المثقفون والاعلاميون والأدباء ومن لا يمتلك غير قلمه للتصدي لمسلسل الفساد وفرسانه الأفّاقين، فها هم الصيد الثمين لخونة العراق من اجل تكميم أفواههم وايقافهم في الإعلان عن الحقيقة وتنوير الرأي العام بما يفعله المخربون. فكم هي اعداد هؤلاء المتصدين للفاسدين، انهم بالآلاف وكلهم جنود نذروا أنفسهم وما يملكون من وعي وثقافة واحساس بالظلم ليعبروا بمقالاتهم ومقابلاتهم ووسائلهم المتاحة لفضح الملفات الخطيرة، هذه المجاميع الوطنية الشريفة كلهم مهددون بإيداعهم السجوان وتحميلهم الغرامات الهائلة، لتخلوا الساحة للأقلام المأجورة والأبواق الرثة وفضائياتهم الممولة من السحت الحرام، وما أكثرهم، للدفاع عن طبقة السراق وبائعي الوطن والمتلاعبين بأمنه وسيادته ومستقبل أبنائه.

أن الأحرار من العراقيين جميعهم مدعوون اليوم للوقوف بقوة إزاء تشريع هذا القانون الكارثي، سيما الأحزاب الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلاميون، والمثقفون بشتى مسمياتهم، وكل من يهمه الدفاع بشراسة عن حرية الفكر وكرامة المواطن، والاعلام الوطني الحر وكل من ينتمي بصدق للعراق الجريح.

وإلا فأن المخربين سيستأسدون عليكم أيها العراقيون، ليعود العراق في خبر كان وهذا ما يسعون إليه سراً وعلناً.

وقد أعذر من أنذر

ولنا عودة الى مضامين وبنود هذا القانون الافلاطوني.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل