بات في حكم المؤكد ان تحولات مهمة ستشهدها الساحة السياسية السودانية بعد وصول قادة الحركات المسلحة الى الخرطوم الاسبوع الماضي، عقب توقيعهم الاتفاق مع الحكومة.

وقد سبقت وصول وفد المقدمة للجبهة الثورية تحركات واسعة، لاستبدال التحالف السياسي الحاكم وتكوين آلية شراكة تستوعب القادمين الجدد، الى جانب مكونات تحالف الحرية والتغيير. وهذا يعني استبدال الوثيقة الدستورية بأخرى تشمل مقررات الاتفاق المشار اليه.

وقد اعلن “مني اركو مناوي” احد قادة الجبهة المسلحة في خطابه بساحة الحرية في الخرطوم، انهم جاؤوا لتنفيذ اتفاق جوبا. أو، على حد تعبيره “جئنا لتصفير العداد”.  بمعنى البداية من الصفر.

ويصر كل قادة الحركات ومنسوبيها على ان تنفيذ الاتفاق بالنسبة لهم خط احمر. فيما يصرح بعضهم ان الاتفاق سوف يحدّ نهائياً من سيطرة العناصر الشمالية والوسطية، الذين يدعونهم “ابناء النيل”. وقد انطلقت اثر ذلك في وسائط التواصل الاجتماعي دعاوى متطرفة تؤكد هذه الفكرة، استقبلها الكثيرون بامتعاض شديد.

اما الاتفاق نفسه الذي يتضمن 45 مادة، فتنص مواده 2-11 و 44 - 45 على المحاصصة الحزبية والجهوية في السلطة.  وهي محاصصة تمتد الى الخدمة المدنية والسلكين الدبلوماسي والقضائي، مما يفقد تلك الاجهزة الحساسة حياديتها وطابعها الوطني.

من ناحية اخرى تعتبر جهات سياسية عديدة ان الاتفاق نفسه غير دستوري، لانه ينص على ان تسود مواده في حالة تعارضها مع مواد الوثيقة الدستورية. مما يعني تبعية الوثيقة الدستورية، وهي العقد المؤسس للدولة، الى اتفاق جوبا وليس العكس. علماً ان الحكومة الانتقالية ممثلة في نائب رئيس مجلس السيادة، تستمد شرعيتها التي فاوضت بها المتمردين من تلك الوثيقة، لكنها وقّعت على الغائها وجعلتها تابعة لاتفاق جاء استناداً اليها.

والى جانب حصتها في مجلس الوزراء(25 في المائة) وفي مجلس السيادة ( 3 مقاعد)، خصص الاتفاق 75 مقعداً في المجلس التشريعي المرتقب للحركات المسلحة. وهذا العدد بالاضافة الى النسبة المخصصة للمكون العسكري، وانحياز بعض من قوى الحرية والتغيير اليه، سوف يجعل المجلس صوريا وغير قادر على مراقبة حكومة تحتل فيه المساحة الاكبر. وبهذا يكون الاتفاق قد اجهز على آخر أمل في ان تحقق ثورة ديسمبر شعاراتها في الحرية والعدالة والسلام.

 ومن خلال اتصالاتنا بمدن في اقاليم دارفور وجبال النوبة التي دارت فيها النزاعات،  نلاحظ ان المواطنين لم ينفعلوا بهذا الاتفاق. ولم تخرج في يوم وصول قادة الجبهة الثورية الى الخرطوم سوى مسيرة واحدة محدودة العدد في مدينة الفاشر، قام بها اعضاء الحركات المسلحة وهم يركبون عربات غير مرخصة، جاءت عن طريق ليبيا بسبب الفوضى الامنية على الحدود، التي سبق ان جعلت بعض قوات الحركات تشترك في الصراع الليبي.

وهذا يؤكد ان الاستقبال الذي حظيت به قيادات الكفاح المسلح في الخرطوم، كان مصطنعاً ولايختلف عن الحشود التي كانت يهيؤها النظام السابق لاستقبال المخلوع عمر البشير، قبل ان يخرج الشعب كله لاسقاطه، وليؤكد للعالم انه لا يتمتع باية شعبية في اية بقعة من بقاع السودان.

وواضح ان السبب في عدم اهتمام المتضررين من الحرب بالاتفاق، او بوصول  الموقعين عليه، هو كونه لم يخاطب قضاياهم، وكونهم لم يشركوا فيه عبر مكوناتهم الاجتماعية. ثم ان الحركات المسلحة كيانات سياسية لا يحق لها التفاوض باسم الاهالي الا بعد تفويض من خلال صناديق الاقتراع. يضاف الى ذلك ان الاتفاق  تحدث عن قضية عودة النازحين الى قراهم بصيغة فضفاضة وغير محددة. حيث نص على حقهم في العودة ان رغبوا هم في ذلك. ما يعني ان جهوداً ستبذل لجعلهم لا يرغبون، كما كان حال “العودة الطوعية” و”انشاء القرى النموذجية” التي نص عليها اتفاق الدوحة، الموقع بين  نظام البشير وبعض المسلحين برعاية قطرية.  فالقرى الاصلية  تحتلها قبائل كانت تتكون منها المليشيات التي ناصرت النظام السابق ، والان اصبحت جزءا لا يتجزاء من النظام الحالي. بل انها هي التي جاءت بالقيادات الحالية للسلطة عبر اتفاق جوبا. وهي تعلم ان لا سند شعبياً لهم، كما انهم لا يتحكمون بقوات على الارض. وكل ذلك بهدف تمرير استحواذ المستوطنين الجدد على اراضي القبائل السودانية في دارفور.

ومن المؤكد ان هذا الوضع يفتح الباب امام تجدد النزاع، الذي لم ينته اصلاً. فاصحاب الارض الحقيقيون يحملون السلاح، ويتحصنون في اعالي “جبل مرة” معلنين على الملأ ان الاتفاق الموقع للتو لا يمثلهم.

الخرطوم

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل