في ذلك اليوم الأسود، الثامن من شباط 1963، حين دشن وحوش الانقلاب الفاشي جرائمهم الشنيعة، وخوّضوا بالدماء الزكية، فاض طوفان الحقد، وانفتح الباب على مصراعيه أمام كوارث ظلت تتواصل، وتركات ما زال شعبنا يعاني منها.

فقد دعا الانقلابيون، في بيانهم رقم 13 المشؤوم الى إبادة الشيوعيين، وراحت “قطعان الحرس القومي” تقترف أبشع الآثام، بحق خيرة بنات وأبناء شعبنا، وحولت الملاعب الرياضية والمدارس الى مسالخ بشرية ومعتقلات ضمت الألوف من الشيوعيين وسائر الديمقراطيين والوطنيين. لكن ذلك الحقد لم يستطع منع المقاومة التي اندلعت منذ الساعات الأولى للانقلاب، وفيها قدم المناضلون، في معركة بطولية، مآثر ظلت حتى اليوم مثالا للتحدي يلهم المكافحين ضد الفاشية ومن أجل الحرية والديمقراطية والسلام.

وغني عن القول إن ذلك الانقلاب شكل نقطة انعطاف في تاريخ العراق السياسي الحديث. وخلال ذلك انتجت بذرة شباط الخبيثة ذلك الإرث المخيف من البربرية وثقافة سفك الدماء وانتهاك الحرمات.

وقد باتت جلية طبيعة ذلك الانقلاب، إذ كشفت وثائق دامغة الكثير عن دور وكالة المخابرات المركزية الأميركية في التخطيط له، والدعم الذي قدمته للانقلابيين من أجل اجهاض ثورة 14 تموز 1958 وايقاف مسيرتها، وتحقيق أحد أهداف الانقلاب الرئيسية متمثلاً في القضاء على الحزب الشيوعي والتصفية الجسدية للآلاف من قادته وكوادره وأنصاره.

وإذ نستذكر اليوم هذه المأساة لابد أن نتمثل دروسها البليغة. ومن بين هذه الدروس ما أكدته تلك التجربة من أن معاداة الشيوعية تخزي ممارسيها وتلقيهم في مزبلة التاريخ وتصب عليهم لعنته الأبدية، وأن غياب الديمقراطية يقترن، على الدوام، بصعود قوى الفاشية والرجعية والظلام.

وأكدت الخبرة، أيضاً، ضرورة منع أي مظهر من مظاهر العنف وفوضى السلاح المنفلت والوجود المسلح خارج إطار الدولة ومؤسساتها الدستورية. كما اوضحت أنه من دون دولة مدنية ذات مؤسسات ديمقراطية لا يمكن ضمان الاستقرار السياسي والأمني، والسير الآمن والحثيث على طريق التقدم والعدالة الاجتماعية.

واليوم، وفي ظل الاخفاق المريع لنظام الطائفية السياسية ومنظومة المحاصصة والفساد الشامل، الذي أدخل البلاد في أزمة بنيوية مستعصية، تطرح أمام قوى شعبنا الوطنية مهمة التغيير واعادة بناء العملية السياسية على أسس سليمة، توفر امكانيات بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تنقذ البلاد من المآسي والمعاناة المريرة والفوضى والفساد والتطرف والارهاب، وتضمن الحقوق والحريات والعيش الكريم وتحقق الاستقلال الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وفي ظل الظروف الراهنة، حيث تظل الحركة الاحتجاجية مرشحة للتصاعد ولتنوع أساليبها الكفاحية، تسخّر القوى المتنفذة كل طاقاتها وامكانياتها وتستخدم كل السبل المقيتة، من أجل إشاعة مناخات اليأس والخوف، في سبيل اجهاض المسير نحو التغيير.

إن “مضمون التغيير المطلوب وكيفية تحقيق موازين القوى اللازمة لانجازه، هما المحور الأساسي للصراع” كما أكد التقرير السياسي الصادر عن اجتماع لجنة حزبنا المركزية في 4 كانون الأول 2020، وأوضح أن “الاسراع في انضاج البديل وتغيير الواقع المأساوي يتطلب جهدا شعبيا وجماهيريا واسعا، وعملا مثابرا من كافة القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية، ومن قوى الانتفاضة ونشطاء الحركة الاحتجاجية وجميع القوى التي تنشد الخلاص للبلد، لبناء أوسع اصطفاف سياسي وشعبي لتغيير موازين القوى وتحقيق الاختراق والسير قدماً على طريق التغيير الذي بات ملحا”.

لقد توهم فاشيو شباط أن بوسعهم القضاء على الحزب الشيوعي، ناسين حقيقة أن اقتلاع الزهور لا يوقف حلول الربيع .. وقد قالت الحياة كلمتها البليغة، وأضاء التاريخ درسه الغني، فذهب المجرمون الى المستنقع الذي يستحقون، وسطعت أنجم الشهداء في سماء بلاد الرافدين، وبقيت تضيء الدروب للمكافحين من أجل الوطن الحر والشعب السعيد.

وظلت أمثولة ومأثرة سلام عادل والعشرات من رفاقه من قادة وكوادر الحزب والألوف من مناضليه، حية تلهم أجيال الشيوعيين وسائر الثوريين والوطنيين العزم الذي لا يلين على مواصلة المسير من أجل الغايات الساميات.

لقد سال الكثير من الدم في شوارع البلاد الحزينة، غير أن رايات التحدي التي يرفعها الشيوعيون وسائر الوطنيين الحقيقيين، لم ولن تنتكس، والينابيع لن تنضب، والآمال تظل تنير طريق شعبنا صوب الغد الوضاء ! 

 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل