قيادات حزب اليسار في لحظة إعلان النتائج الأولية

على الرغم من أن انتصار حزب اليسار في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ولاية برلين لم يشكل مفاجئة، فجميع استطلاعات الرأي قد توقعت حدوثه، إلا أن ما حصل أرعب الأوساط البرجوازية واليمينية المحافظة والمتطرفة، فبادرت إلى استحضار كل أدوات وتشبيهات الحقد الطبقي لكي تمنع الحزب من قطف ثمار انتصاره الرائع. وتحول انتصار حزب اليسار إلى أحد أهم المواضيع في الصحافة الألمانية والأوربية. وبودي في هذه المساهمة، الإشارة إلى نماذج فاقعة تعكس طبيعة الحملة العدوانية.

جاء عنوان مقال نشر في جريدة "تاتس" اليسارية القريبة تاريخيا من حزب الخضر، ليكثف بشاعة التشوية المتعمد لمواقف حزب اليسار: "مرحبا بكم في جحيم الدكتاتورية الإسلامية – الاشتراكية". وتركز الحملة على شخص مرشحة حزب اليسار لمنصب عمدة برلين إليف إيرالب، المنحدرة من أصول تركية، والتي يزعمون انها تريد فرض الاشتراكية، وتطبيق الشريعة، وإقامة ديكتاتورية.

عبر يوليوس بوم في موقع (نيوس) اليميني المتطرف، الذي تأسس 2023: „هذا يُرعبني حقًا"، معبرا عن أسفه، وهو يشاهد كيفية تصويت 43 في المائة من الشباب لحزب اليسار الألماني. "لأن هذا يعني أن الشباب أغبياء"، هكذا يُحلّل الأمر بذكاء. يتحدث عن "شباب فقراء، تعساء" لا يفهمون شيئًا عن الاقتصاد، وبالتالي يُصوّتون لسياسة تُؤدّي إلى "طوابير الخبز، إلى جوع الناس، وإلى البؤس".

ويمتد الرعب إلى الإعلام الليبرالي في العاصمة الألمانية. كتب فيليكس داشيل، رئيس قسم المراسلين في مجلة شبيغل: "انتهت برلين". وتحدث بينيديكت بريشتكن من أبولو نيوز، وهي مجلة الكترونية مدعومة من مؤسسة فريدريش أ. فون هايك، التي أسستها جماعات اللوبي الاقتصادي اليميني ومن أبرز المساهمين فيها "اليس فايدل زعيمة حزب البديل من أجل المانيا اليميني المتطرف، بازدراء شديد عن ناخبي برلين "المجانين تمامًا". ومن الأمثلة الكلاسيكية الأخرى: التلويح بالاستبداد الاشتراكي الوشيك.

 وكانت اليس فايدل زعيمة اليمين المتطرف قد حددت طبيعة الحملة في الليلة السابقة، عندما هاجمت "تحالف اليسار المتطرف، الذي يقتل الأثرياء، ويريد التخلص من الرأسماليين، ومصادرة ممتلكاتهم، وتحديد سقف للإيجارات".  وفي يوم الاثنين، انضم يمين الوسط إلى هذا التيار. صوّرت السياسية كارولين بريسلر، من الحزب الديمقراطي الحر، نفسها على أنها أول ضحية للاشتراكية الجديدة: "قتل أنصار هذا الحزب أصدقائي في ألمانيا الشرقية. وأعرف الديكتاتورية الاشتراكية، وأجد أنه من الصعب للغاية التعرض لمثل هذه الوحشية مرة أخرى". من المهم الإشارة إلى أن حزب كارولين بريسلر أصبح خارج جميع برلمانات الولايات الشرقية (المانيا الديمقراطية السابقة).

ثم هناك الصحفي اليميني المحافظ المعروف أولف بوشاردت، الذي يُعتبر بلا منازع الرجل الأكثر نفوذاً في دار نشر أكسل شبرينغر الأكثر يمينية، الذي قال: "الجميع يخشى عام 1933.لكن الخطر الحقيقي هو عام 1949: "عودة ألمانيا الشرقية - ومع وجود متطرفين إسلاميين عرب على متنها". وفي مقطع فيديو آخر، وصف بوشاردت ناخبي حزب الخضر، من بين أمور أخرى، بأنهم "بلا هوايات، وعديمي الشرف، وملحدون من سكان وسط برلين" الذين يتلقون الآن جزاءهم: "سيشكل حزبهم ائتلافاً مع هذا الحزب؛ إن إعلان إفلاس هذه الدوائر البرجوازية قد بدأ بالفعل الآن".

لكن بالنسبة للبعض، ليس انتصار حزب اليسار "ستالينية جديدة"، التي يرونها أقل تطرفا. صرّح ثورستن السليبن، المدير التنفيذي لمعهد اقتصاد السوق الاجتماعي الجديد، بأوضح العبارات: "لقد اختارت شابات برلين الخلافة. البرقع بدلًا من البطون المكشوفة ". وقارنت مارال سلماسي، التي سبق أن حوّل إليها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي مئات آلاف اليورو لمكافحة معاداة السامية، فوز حزب اليسار في الانتخابات بوصول الإسلاميين إلى السلطة في إيران، "ما يحدث في برلين الآن، سبق أن شهدناه في إيران".

هذا هو جوهر الخطاب السياسي لهذه الحملة العدوانية ومضامينها العنصرية والتي تتضمن عناصر فاشية واضحة، والتي لا تنحصر في تشويه حزب اليسار، وقيم اليسار الجذري وتجاربه التاريخية، وتستعير بشكل مباشر موروث المكارثية والعداء للشيوعية، بل تمتد لترهيب الخضر والديمقراطيين الاجتماعيين، لمنعهم من المشاركة في تحالف حكومي يقوده حزب اليسار. وقد لخصت آنا ستاروسيلسكي، من "مبادرة القيم" التي تأسست 2014، كجزء من اللوبي الصهيوني في المدينة، هذا الخطاب بإيجاز قائلة: "إن مناهضتكم للفاشية لا قيمة لها إن اقتصرت على اليمين فقط، بينما تتسامحون مع أيديولوجيات فاشية، كأيديولوجيات الملالي وحماس، في سياسة الإسكان"، في إشارة واضحة لبرنامج حزب اليسار بخصوص الإسكان مع اتهامه كذبا بالتحالف مع الإسلام السياسي.

وهكذا، تُستغلّ مناهضة معاداة السامية بطريقةٍ بشعة. ففي نهاية هذا الجدار الناري المناهض لليسار، يكمن مطلبٌ مفاده مساعدة الاتحاد الديمقراطي المسيحي حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف المعادي للسامية للوصول إلى السلطة، بهدف إيقاف اليسار. وتطالب أليس فايدل زعيمة اليمين المتطرف قائلةً: "أخيرًا، ضعوا حدًا لهذا الهراء المسمى بالجدار الناري"، وتقصد الجدار السياسي العازل للتعامل مع اليمين المتطرف بكل اشكاله.