
أجرى موقع German-foreign-policy.com مع السكرتير العام حزب العمل البلجيكي بيتر ميرتينز حول الاحتجاجات في بلجيكا ضد الهجوم حقوق العمال وهدم المكتسبات الاجتماعية، والتي استمرت لأكثر من عام. ومشاركة الحزب في التظاهرات والإضرابات التي نظمتها النقابات. وحزب العمل حاليًا، هو الحزب الأقوى في منطقة بروكسل العاصمة، حيث حصل على أكثر من 25 في المائة من الأصوات. ويعتقد ميرتنز أن العلاقة بين الاحتجاجات الاجتماعية والنضال ضد العسكرة واضحة: "إنهم ذات الناس الذين يدفعون ثمن كليهما"؛ وهذا "لا يمكن تجاهله بعد الآن". وتتعلق الاحتجاجات، بشكل خاص، باستعادة "ثقة الناس في قوتهم الجماعية". فيما يلي عرض لأهم ما ورد في الحوار.
الاحتجاجات
بدأت الموجة الواسعة والعميقة من الاحتجاجات على مستوى البلاد في وقت مبكر من عام 2024، بينما كانت مفاوضات تشكيل الحكومة الحالية جارية. لقد خرج 100 ألف إلى الشوارع، في سابقة لم يشهدها تاريخ البلاد. وخلال الأشهر الستة عشر الماضية، نُظمت 14 حركة احتجاجية، كان آخرها في 12آذار، حيث شارك فيها 100 ألف. ومن المقرر تنظيم إضراب وطني عام في 12 أيار. وسيُقام يوم عمل وطني في الأول من أيار. تُعد هذه الحملة واحدة من أطول واسع الحملات التي نظمتها النقابات العمالية البلجيكية على الإطلاق.
تدور الاحتجاجات بشكل أساسي حول قضايا الحياة اليومية، وعلى رأسها المعاشات التقاعدية. تسعى الحكومة إلى فرض "عقوبة على المعاش التقاعدي"، تُفرض على من يطالبون بمعاشهم قبل بلوغ سن 67 عامًا. قد يفقد هؤلاء ما يصل إلى 20 في المائة من معاشهم التقاعدي القانوني. المعاشات التقاعدية القانونية في بلجيكا منخفضة للغاية بالفعل؛ إذ تُعدّ ألمانيا صاحبة أدنى معاشات تقاعدية قانونية في أوروبا الغربية، وتأتي بلجيكا ثانيا. وستتأثر النساء بشكل غير متناسب بهذه "العقوبة". وهناك تجميد للأجور، حتى في القطاعات ذات الربحية العالية، ومن المتوقع إجراء المزيد من التخفيضات. وقد أثار هذا غضبًا واسع النطاق بين السكان. والاحتجاجات الحالية، في جوهرها حركة نقابية، متجذرة بعمق.
وبالكاد تُغطي الصحافة البلجيكية حركة الاحتجاجات. عندما اندلعت الإضرابات على مستوى البلاد قبل أكثر من عقد من الزمان، في عام ٢٠١٤، غطتها وسائل الإعلام بشكل واسع نسبياً. أما اليوم، فتجد صورة للاحتجاجات في مكان ما في إحدى الصحف، ربما في الصفحة الثانية عشرة. إن غياب التغطية الإعلامية لهذه الحركة الاحتجاجية الكبرى أمر غير مسبوق.
هناك دائمًا جدليةٌ ما في الفعل. أولًا، هناك نفي: الناس غاضبون من تصرفات حكومية بعينها. وحقيقة أن الناس لا يعبرون عن غضبهم بالجلوس أمام التلفاز ورميه بالأحذية، بل بالتحرك والعمل معًا في الشوارع، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية؛ وخطوةٌ كبيرةٌ إلى الأمام غالبًا ما يُستهان بها. إن فن التنظيم، وفن كسب الناس لحركة ما، أمرٌ حاسم.
ولكل نوبة غضب وجهان. فمن جهة، هناك مرارة، وشعور بالعجز الفردي. واليمين المتطرف بارع في استغلال هذا الشعور. يسعى المنظمون جاهدون لتحويل الغضب والكراهية الطبقية، أو بالأحرى النفي، إلى شيء إيجابي. يبدأ من أبسط المستويات: من الضروري إقناع الناس بالنزول إلى الشوارع، والعمل معًا. يريد النظام أن يشعر الناس بالضآلة والعجز. يحاول تدمير إيمانهم بالقوة الجماعية، بواسطة الترهيب والقمع. وإذا اعتقد الناس أن أفعالهم عبثية وأن العدو لا يُقهر، فإنهم يستسلمون. يتعلق الأمر هنا بالتلاعب المتعمد، والتشويه الممنهج لتصورات الناس. والرسالة واضحة: لا بديل، لا حيلة لنا، "هم" أقوى من أن يُهزموا، كل شيء محسوم. هذا تحديدًا ما يجب على اليسار أن يحاربه. يجب أن تعاد الثقة للناس بقوتهم الجماعية.
وإذا نظرنا إلى المستوى الاجتماعي - الاقتصادي، نجد أن كل تظاهرة وكل إضراب قد دفع الحكومة إلى التراجع قليلاً. لم يُنفذ "إصلاح" نظام التقاعد بعد؛ والضغط الذي مارسته الحركة اضعفت الحكومة، بشكل ملحوظ، على الرغم من عدم تخليها عن المشروع تمامًا. بالإضافة الى ذلك، ثمة تناقضات عديدة داخل الحكومة. ولولا الاحتجاجات، لما كانت هذه التناقضات بهذه الخطورة. على سبيل المثال، هناك جدل حول كيفية التعامل مع أسعار الطاقة المرتفعة حاليًا، وهي نتيجة للحروب غير الشرعية التي شنها ترامب ونتنياهو، وكذلك جميع من يدعمون هذه الحروب غير الشرعية في أوروبا. من الواضح أن تكلفة المعيشة في ازدياد مستمر. يريد أحد اجنحة الحكومة تشديد إجراءات التقشف أكثر. بينما يرى الجناح الآخر أن هذا مستحيل، وهو ما يُعدّ، في حد ذاته، نجاحًا للحركة الاحتجاجية. فبدون هذه الحركة، لكانت الحكومة متحدة تمامًا.
يبقى أن نرى ما إذا كانت الحكومة البلجيكية الحالية ستستمر في السلطة حتى نهاية عام ٢٠٢٦. فهي تتعرض لضغوط كبيرة، ويسود توتر شديد داخلها. ورغم أن هذا لم يكن الهدف الأساسي لحركة الاحتجاجات، إلا أنه نتيجة للضغوط التي تمارسها. ومما لا شك فيه أن التناقضات داخل الحكومة تتفاقم بفعل الضغط الذي تمارسه النقابة الاشتراكية، إحدى أكبر النقابات في بلجيكا، على الحزب الديمقراطي الاجتماعي الفلمنكي، الذي يشارك في الحكومة. وهذا أمر مفهوم تمامًا، بالنظر إلى أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقود حكومة تنتهج سياسات مناقضة لكل ما دافع الاشتراكيون عنه.
الجمع بين العسكرة والتقشف
أصبح من الواضح جدا أن الحكومة تحاول التستر على مشكلة كبيرة. وهذا أمرٌ بالغ الصعوبة، والمشكلة هي، الميزانية العسكرية، التي بلغت 3,9 مليار يورو في عام 2017، وتزايدت باستمرار، لتصل إلى 12,7 مليار يورو بحلول عام 2025، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال ثماني سنوات فقط. والآن، وعدت الحكومة إدارة ترامب بزيادة الميزانية العسكرية إلى 22 مليار يورو، اي ما يعادل 3,5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي ا. ولا تستطيع الحكومة البلجيكية اللجوء إلى الاقتراض كما فعلت الحكومة الألمانية لتوفير مبلغ 22 مليار يورو، لهذا عليها خفض الإنفاق في مجالات أخرى.
تتضح الصورة في المناقشات البرلمانية: الوزرات تعاني من حالة من الكآبة، إذ يتعين عليها جميعاً تطبيق إجراءات تقشفية. ان الوضع كارثي. على سبيل المثال، ينهار نظام السجون تماماً، ويعاني نظام الرعاية الصحية من ضغط التخفيضات، ويعاني العاملون في قطاع التمريض من عبء العمل والنقص المزمن في الكوادر. لذا، يشعر كل وزير بشيء من الكآبة، باستثناء وزير الحرب الذي يفيض فرحاً. فبإمكانه إنفاق مليارات ومليارات في السنوات المقبلة. والوزراء أنفسهم يقولون: إذا كان عليهم الاختيار بين المدافع والزبدة، فإنهم سيختارون المدافع.
وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكن يميني متطرف، ويُحب أن يُطلق على نفسه وزير حرب، تمامًا مثل بيت هيغسيث في الولايات المتحدة الامريكية، وهو شخصية تُشبه ترامب إلى حد كبير. يقول: حسنًا، علينا أن نتبنى النموذج الأمريكي في بلجيكا، وإذا كان ذلك يعني تدمير أنظمة الضمان الاجتماعي، فسنفعل. ويقول حرفيا "إذا كان ذلك يعني أن يدفع الناس ألف يورو لعلاج الأسنان، فعليهم فعل ذلك". ويرى ان بلجيكا لم تعد قادرة على تحمل "النموذج الكوبي للرعاية الصحية المجانية". لذا، فإن الحكومة نفسها تجمع بين العسكرة وإجراءات التقشف.
شهدت بلجيكا أخيرا فضيحة مدوية، متعلقة. بالطائرات المسيّرة التي رُصدت في أنحاء أوروبا العام الفائت؟ حظيت هذه القضية بتغطية إعلامية واسعة، حتى أن مطار زافينتيم الوطني أُغلق بسبب تهديد وشيك مزعوم. قيل إنها طائرات روسية، وهناك حاجة ماسة إلى اقتناء معدات عسكرية باهظة الثمن لإسقاطها وحماية البلاد من الخطر الروسي. إلا أن تحقيقًا استقصائيًا حديثًا أجرته هيئة الإذاعة العامة كشف عن حقيقتين صادمتين. اتضح أن اللقطات المزعومة للطائرات المسيّرة فوق مطار زافينتيم كانت في الواقع لمروحية تابعة للشرطة البلجيكية. أما المفاجأة الثانية فهي أكثر إثارة للدهشة: يبدو أن وزير الحرب ثيو فرانكن نفسه هو من سرب هذه اللقطات إلى الصحافة. والآن يسخر منه الناس، إذ بات من الواضح أن الحكومة تختلق قصصًا لإثارة الخوف وتبرير الإنفاق العسكري. وبهذا استحق وزير الحرب الشكر على كذبه الصريح على الشعب.
من الواضح أن التسلح مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتقشف وتقليص الخدمات الاجتماعية. وبالتالي فان الاحتجاجات ضد التسلح مرتبطة بالاحتجاجات ضد تقليص الخدمات الاجتماعية. لان الناس من يتحملون تكاليف كليهما: تكاليف الحروب وتكاليف إجراءات التقشف. ولا يمكن تجاهل هذه العلاقة بعد الآن. ان ما يُضاف إلى الإنفاق العسكري يُقتطع من الخدمات الاجتماعية. ومن الضروري أن تكون هذه نقطة الانطلاق.
ولا يجب أن يتخلى اليسار عن النضال من أجل الضروريات الأساسية. أحيانًا يُطرح السؤال: هل يستحق الأمر الخروج إلى الشوارع للمطالبة بالمعاشات والأجور إذا كان كل شيء تدمره الحرب؟ الجواب: نعم. سواء تعلق الأمر بالمعاشات أو الأجور، أو أسعار السكن أو الطاقة، أو رعاية الأطفال أو رعاية المسنين، لماذا يتخلى اليسار عن الطبقة العاملة لجماعات اليمين المتطرف؟
وعلى اليسار الربط بين النضال من اجل القضايا الاجتماعية والنضال ضد العسكرة والحرب. فالتناقض بين العمل ورأس المال متأصل في النظام ومتجذر في الرأسمالية. وفي سعيها لتحقيق أقصى ربح، تقود الرأسمالية إلى الأزمات والحروب. انهيار المناخ، وأزمات الغذاء، والديون المتراكمة، والصراعات الاقتصادية والعسكرية، ولا سبيل أمام الرأسمالية للخروج من هذه التحديات. الاشتراكية وحدها تملك هذا السبيل.
بلجيكا والناتو
يؤثر وجود مقر حلف الناتو وعدد كبير من موظفيه في بلجيكا على الوضع السياسي، والعاصمة بروكسل تعتبر مركز العاصفة. وبقدر تعلق الامر بالعسكرة، لا يمكن مقارنة الوضع في بلجيكا بالوضع في ألمانيا. فحلف الناتو يتخذ من بروكسل مقراً له، ويعمل فيه قرابة 4 آلاف. كما يعمل 1700 آخرون في مدينة مونس. ولهذا الأمر أهمية عسكرية كبيرة. فهو يجعل بلجيكا، موضوعياً، جزءاً من آلة الحرب الأمريكية. وهذه حقيقة لا جدال فيها. تُخطط الحروب وتُشن من الأراضي البلجيكية، من مونس تحديداً. وغالباً ما يُستهان بهذا الأمر.
تتضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة ثلاث صفحاتٍ حول أوروبا، تصف فيها إدارة ترامب استراتيجيتها لتقويض الوحدة الأوروبية عبر دعم ما يُسمى بالقوى "الأبوية" (اليمين القومي). وهنا تلعب السفارات الأمريكية دورًا محوريًا. تتصرف السفارة الأمريكية في بلجيكا بعدوانيةٍ شديدة وتتدخل بنشاطٍ في السياسة البلجيكية. هذا نوعٌ جديدٌ من الدبلوماسية، دبلوماسيةٌ مضادةٌ عدوانية. وفي الخفاء تتمتع شبكة حلف الناتو وقيادة قوات الحلفاء في أوروبا بدور مؤثر.
في الفترة التي سبقت الانتخابات العامة عام 2024، كان حزب العمل، الحزب الوحيد الذي عارض حلف الناتو علنًا. ورغم أن هذا لم يكن محور حملته الانتخابية الرئيسي، إلا أن الأحزاب الأخرى ووسائل الإعلام حاولت إضعاف موقفه بادعاء أن الحزب مناهض للناتو بشكل قاطع. لم تكن هذه القضية محور اهتمام الحزب، لكن خصوم الحزب فعلوا ذلك، ونجحت خطتهم نجاحًا باهرًا. واليوم، بعد عامين، يمكن القول إن هذا الموقف، المتمثل في التشكيك في الناتو والاعتراف بأنه آلة لإشعال الحروب، يكتسب زخمًا في ضوء الأحداث الأخيرة. شعر الناس بـ "لحظة غرينلاند" عندما أعلن ترامب استعداده لضم غرينلاند الدنماركية. ولفت انتباههم اعتراف السكرتير العام لحلف الناتو، مارك روته، بأن الناتو أداة للتدخل الأمريكي.
أكد حزب العمل باستمرار، أن حلف الناتو أداة في يد الولايات المتحدة، ويتُهم الحزب باستمرار ايضا بنشر الدعاية الروسية. والآن، يؤكد السكرتير العام لحلف الناتو هذه الحقيقة. بالإضافة الى ذلك، يتصرف ترامب بجنون، واصفًا حلف الناتو بنمر ورقي لأنه لا يشارك رسميًا في الحرب غير الشرعية ضد إيران. في الواقع تشارك الدول الأعضاء في الناتو، يكفي أن ننظر إلى قاعدة رامشتاين في المانيا وجميع القواعد الأمريكية الأخرى المستخدمة في الحروب. ما كانت لتحدث أهوال الحرب الحالية في إيران لولا رامشتاين. اليوم، يكشف ترامب والتناقضات بين القوى الإمبريالية حقيقة حلف الناتو.
التجنيد الإجباري
شهدت ألمانيا إضرابات مدرسية واسعة النطاق احتجاجًا على التجنيد الإجباري، ومن المقرر أن يبدأ الإضراب التالي في الثامن من أيار. وفي بلجيكا، هناك نظام الخدمة العسكرية الطوعية، الذي أطلقه وزير الحرب الحالي، ثيو فرانكن. ترسل وزارته رسالة إلى كل شاب يبلغ من العمر 17 عامًا تحثه فيها على المشاركة في الخدمة العسكرية كجندي متطوع. هذه مجرد خطوة أولى في تهيئة الأفراد نفسيًا للعسكرة. فالحكومة لا تُرسل رسائل إلى كل بالغ تُعلمه بنقص الممرضين والمهندسين وغيرهم، وتطلب منه التطوع. بالطبع، لا تفعل الحكومة ذلك. من الواضح أن الرسالة المتعلقة بالتجنيد الإجباري تهدف إلى تهيئة الأفراد نفسيًا وعاطفيًا للعسكرة والحرب.
كل الاحترام والتقدير للإضرابات المدرسية التي نظّمهما الشباب في ألمانيا ضد التجنيد الإجباري. وحزب العمل البلجيكي يدعمهم، ومنظماته الشبابية تسعى للاستفادة من تجربتهم. ما يفعلونه مُلهم. ومن المثير للإعجاب قدرتهم على حشد قرابة 55 ألف محتج على أساس مناهض للعسكرة. ليس المهم عدد المتظاهرين في الشوارع، بل المهم هو الفعل نفسه. كل حركة تبدأ بقول "لا". هذه الخطوة الأولى غالباً ما تكون أصعب من الثانية، والخامسة، والسادسة. لذا، فإن إضرابات المدارس تُعدّ حقاً عملاً عظيماً.
قبل عامين، أُجري استطلاع رأي في هولندا شمل شبابًا تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا. وكشف الاستطلاع أن 75 في المائة منهم يعارضون التجنيد الإجباري. لذا فأن جيل الشباب لا يزال يحمل شعورًا بأن الإنسان بطبيعته يتوق إلى السلام. لا أحد يولد وهو يفكر: "أريد أن أنهي حياتي في سن الثامنة عشرة في خندق قذر مليء بغاز الخردل". نادرًا ما يحلم أحد بذلك.
خطورة الوضع الراهن
خلال هزيمة الفاشية، ناقش الحلفاء المنتصرون في يالطا، كيفية التعامل مع جذورها. بالطبع، الرأسمالية هي الجذر الرئيسي للفاشية، ولم تسعَ سوى جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة إلى استئصالها فعليًا. لكن من المهم جدًا أن يكون قد دار نقاشٌ حول جذور الفاشية بين الحلفاء الغربيين أيضًا. في نهاية المطاف، حدد الحلفاء "المبادئ الخمسة": نزع السلاح، واجتثاث النازية، والديمقراطية، واللامركزية، وإلغاء الاحتكار، باعتبارها الأسباب الرئيسية للفاشية. كان نزع السلاح ذا أهمية بالغة لألمانيا. وهو امر منسي اليوم تماما. لقد حدثت عملية إلغاء الاحتكار. فقد قسّم الحلفاء شركة الصناعات الكيماوية „آي جي فاربن" الموروثة من العهد النازي، إلى شركاتٍ أخرى، من بينها "بي اس اف"، "باير"، و"هوكست".
كان هناك إجماعٌ آنذاك على أن القوة الاقتصادية المُركّزة للاحتكارات الكبرى كانت أحد الأسباب الرئيسية للعسكرة والحرب، لأن الاحتكارات تسعى دائمًا لتحقيق أعلى الأرباحٍ. وتمتلك الاحتكارات نزعةً توسعيةً تميل إلى التسبب في تدخلاتٍ إمبرياليةٍ وحروب. كان الوعي بوجود صلةٍ بين القوة الاقتصادية الهائلة المُركّزة مثلا، قوة شركات تيسن وكوروب الالمانية لصناعة المعادن والاسلحة وغيرها في ذلك الوقت، وبين العسكرة والحرب قائمًا في عام ١٩٤٥ والسنوات التي تلته مباشرةً. وهذا ما دفع الاتحاد الديمقراطي المسيحي اليميني المحافظ، والذي يقود التحالف الحاكم حاليا، في المانيا الى تضمين برنامجه في عام ١٩٤٧ مطلب، وضع حدٍ للسعي الرأسمالي وراء الربح والسلطة.
اليوم، يفعل الاتحاد الأوروبي عكس ذلك تمامًا فيما يتعلق بالمبادئ الخمسة. وهذا أمرٌ مُثيرٌ للدهشة، لا سيما وأنّ اتفاقًا قد وُضع بشأن هذه المبادئ الخمسة عام ١٩٤٥. صحيحٌ أنّه لا ينبغي أن نكون ساذجين: ما كان يمكن لهذا الاتفاق ان يتحقق لولا ثقل الاتحاد السوفيتي، لكنّه كان موجودًا على أيّ حال. اليوم، يُروّج الاتحاد الأوروبي للعسكرة بدلًا من نزع السلاح، وللسلطوية بدلًا من الديمقراطية، وللمركزية بدلًا من اللامركزية، وللاحتكارات الكبرى بدلًا من تفكيكها، ويجري الحديث عما يُسمّى بـ „أبطال أوروبا". ثمّ هناك التطبيع مع اليمين المتطرّف. إنّ مسار الرأسمالية الأوروبية المُعادي لنهج يالطا مُحيّرٌ حقًا.
درء الكارثة
يتساءل الكثيرون: هل نعيش في جنون؟ هل جنّ العالم تمامًا؟ كل يوم نستيقظ فيه لا نعرف ما سيحدث، وخاصةً ما سيفعله ترامب. يدّعي السياسيون الأوروبيون رغبتهم في منح بلدانهم الاستقلالية، لكنهم في الوقت نفسه يواصلون توفير قواعد عسكرية للحروب غير الشرعية في الشرق الأوسط. ينتقدون ترامب من جهة، ومن جهة أخرى، يشيدون بخطاب وزير خارجيته ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن. لا أحد يعرف موقف الاتحاد الاوربي، ولا ما هو الهدف. لماذا لا يستطيع التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، على الأقل في الوقت الراهن، مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا؟ لماذا يستمر في دعم إسرائيل، رغم أنها الآن توسّع نطاق الدمار الذي ألحقته بغزة في لبنان ايضا؟
على اليسار الأوربي تحقيق تقدم على مستويين. مواصلة معالجة المشاكل اليومية؛ فلا ينبغي بتاتًا تركها لليمين المتطرف، وكذلك السعي الجدي للدفاع عن حقوق العمال. لكن اليسار يحتاج أيضًا إلى التشكيك في النظام الاقتصادي برمته، كما حدث في عام ١٩٤٥ وما تلاه مباشرة. اوروبا بحاجة إلى وضع حد للرأسمالية الاحتكارية لأنها تنطوي دائمًا على نزعة للتوسع والحرب، وما تحتاجه هو الاشتراكية. ما فائدة أوروبا مستقلة إذا كانت أوروبا المستقلة مجرد نسخة مصغرة من الولايات المتحدة في عهد ترامب؟ ما جدوى إرسال فرقاطات إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وما جدوى بيع غواصات ألمانية لإسرائيل؟ لماذا يُقلّد هذا النوع من الإمبريالية؟ لقد مرت اوروبا بذلك من قبل: عندما كانت أوروبا قوة استعمارية، أشعلت العالم بأسره.
إن مستقبل أوروبا الحقيقي لا يكمن في كونها قوة إمبريالية، بل في كونها قارة اشتراكية تعود فيها الأمور إلى طبيعتها، كالصحة والتعليم وغيرهما. من الصعب التشكيك في النظام، لكن الناس يريدون حلولاً حقيقية لمشاكلهم، يريدون هدفاً يستحق النضال من أجله، لا مجرد تعديل طفيف في البرلمان، بإضافة فارزة الى نص قانون جديد لتجنب الأسوأ. لا يحتاج الناس الفتات، ولا رغيف خبز واحد، بل يحتاجون المخبز كاملا.







