/
/
/
/

تأسس حلف شمال الاطلسي (الناتو) في 5 نيسان 1949، ومثل تأسيس الحلف بداية حقبة الحرب الباردة التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي وزوال المعسكر الاشتراكي. وشارك في تأسيس الحلف 10 بلدان اوروبية غربية، اضافة الى الولايات المتحدة وكندا، وانضمت المانيا الغربية الى صفوف الحلف في عام 1955. واليوم يضم الحلف 26 دولة ويمتد الى خارج جغرافيا بلدانه المؤسسة. وبموجب ديباجة معاهدة الناتو، يلتزم الحلف، ووفقا لميثاق الأمم المتحدة بـ "يسعى الحلف من أجل الدفاع المشترك والحفاظ على السلام والأمن".  لكن سلسلة حروب الحلف وتدخلاته التي تنتهك الشرعية الدولية تثبت العكس تماما.

ويعيش الحلف، رغم تفوقه العسكري عالميا حالة من الارباك، وتتباين المواقف السياسية بين بلدانه الرئيسة، جراء الضغط الذي يمارسه الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وبأسلوبه المعروف، على حلفائه. لقد شهد كانون الثاني الماضي حدثا غير مسبوق، حيث طالبت اغلبية ساحقة في البرلمان الامريكي الرئيس بعدم الانسحاب من الحلف. بالاضافة الى ذلك قام النواب بدعوة السكرتير العام للحلف ينس ستولتنبرغ للحديث امام جناحي السلطة التشريعية. ويمثل الحدثان تصويتا ضد توجهات الرئيس الأمريكي، الذي هدد، خلال قمة الناتو في تموز الفائت، بانسحاب الولايات المتحدة من الحلف، ما لم تخصص البلدان الاعضاء 2 في المائة، من الناتج الاجمالي المحلي للدفاع. ولهذا يسعى الناتو لتجاوز خلافاته باعتماد تكتيك صورة العدو الموروث من التجربة السابقة، وتمثل روسيا وكذلك الصين الصاعدة اقتصاديا أفضل الخيارات بالنسبة لجنرالات الناتو، وهناك خبراء يتحدثون عن وجود سياسيين في المعسكرين يفضلون العودة لسباق التسلح واجواء الحرب الباردة.

لقد توقعت اوساط عالمية واسعة، ان تفكك وزوال حلف وارشو ونهاية الحرب الباردة في عام 1991 سيتبعها منطقيا حل حلف الناتو، وفي هذا السياق جاءت وعود اتفاقية (2 + 4)، ولكن الذي شاهدناه في ارض الواقع تمدد الناتو إلى ما وراء أوروبا الوسطى حتى حدود روسيا، وأعاد الحلف تعريف نفسه، باعتباره جيشا للتدخل العالمي تقوده الولايات المتحدة الامريكية.

ويوظف الاتحاد الأوروبي الخلافات مع الولايات المتحدة بزعامة ترامب للمضي قدماً بمشروعات إعادة التسلح وبناء جيش الاتحاد الأوروبي. ويتصدر سباق التسلح الجديد في العالم. ان دوران ماكنة التسليح والمناورات العسكرية لحلف الناتو، وتصعيد المواجهة مع روسيا، لا يزيد فقط من خطر نشوب صراعات عسكرية حقيقية في أوروبا ويرفع من قيمة صادرات الأسلحة في جميع أنحاء العالم، بل يتناقض كليا مع سياسات التقشف الخاصة بـ "تصفير الديون"، التي فرضتها ألمانيا على نفسها وعلى بلدان الاتحاد الأوروبي والتي تمنع عمليا الاستثمارات المهمة في البنى التحتية: في التعليم والصحة والنقل والحد من الفقر.  وعلى نحو متزايد يكلف التسلح موازنات البلدان اضعاف التخصيصات المالية للحفاظ على السلام والعدالة الاجتماعية.

قوى اليسار: لا سلام مع الناتو

ولا تكتفي قوى اليسار العالمي بنقد سياسة العسكرة والحرب، بل تتبنى وتدعو الى مفاهيم السياسة البديلة لصنع السلام وحفظه، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع النزاعات فقط، بل تسعى جادة لمنعها، واعتماد سياسة وقائية تخلق ارضية اقتصادية واجتماعية لبناء السلام وصيانته. ويأتي ذلك على عكس سياسة البلدان الرأسمالية الحالية، التي تؤدي الى توسيع ارضية اندلاع الازمات بشكل منظم، ومن ثم  معالجتها بمنطق الحرب والتدخلات العسكرية غير المشروعة. ان قوى اليسار تسعى لمعالجة اسباب الصراعات، والتعامل معها في إطار مفاهيم السلام الإيجابي.

وترى قوى السلام والتقدم ان الوقت قد حان لإقامة نظام أمني جماعي جديد يقوم على التعاون الدبلوماسي ومنع نشوب النزاعات ونزع السلاح. وتشدد قوى اليسار في اوروبا على ضرورة اعتماد الاتحاد الأوروبي الاستقلالية في علاقاته مع روسيا والعمل كقوة دبلوماسية وسيادية مستقلة. في ثلاثية مع الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وان على الاتحاد الأوروبي أن يصبح محركا رئيسيا لهيكل أمني مشترك لعموم أوروبا يهدف إلى نزع السلاح والتغيير السياسي نحو الأمن الجماعي وإلغاء جميع الجيوش. ومن الخطأ ان توظف معظم حكومات الاتحاد الأوروبي تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب لتسريع سباق التسلح، لتعمل على انشاء جيش أوروبي تستخدمه الى جانب مشاريع عسكرة أخرى، ذراعا للتوسع الاقتصادي. ان كل ما تقدم لن يؤدي إلى المزيد من الأمن لشعوب أوروبا.

لقد وصل الإنفاق العسكري العالمي في عام 2017 إلى 1739 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة. يمثل الانفاق الامريكي البالغ 630 مليار دولار ثلثه.  وتنفق بلدان أوروبا الأعضاء في الناتو بمفردها ثلاثة أضعاف ما تنفقه روسيا على الأسلحة، وينفق حلف الناتو 14 ضعف ما تنفقه روسيا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل