
صدر مؤخرا كتاب بعنوان "أوراق سمنان المهملة" لمؤلفه الرفيق النصير محمد كحط الربيعي\أبو هيلين رسم فيه الكاتب بصدق وألم مسيرته الشاقة، بعد الهجوم على قوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي، الذي أسماه النظام الدكتاتوري "الأنفال" 1988؛ وينطلق الكاتب في سرد معاناته، بعد ارتكاب النظام جريمة استخدام السلاح الكيمياوي، واضطراره هو ورفيقيْن معه إلى الانسحاب أو الهرب من كردستان لتبدأ رحلة طيلة مليئة بالمخاطر، و سلوك دروب وعرة للخلاص من سطوة النظام عبر محطات عديدة في إيران وباكستان، وما حصل في هذين البلدين من مفارقات مدهشة وغريبة. ومن احتمال للآلام والصبر عليها، تمسكا بالأمل في الحياة والحرية والمستقبل الأفضل.
أوراق "سمنان" المهملة كتاب يقول عنوانه أنه وثيقة إدانة للحروب ومشعليها. وهو بالفعل إدانة لحروب النظام الدكتاتوري التي مارسها بحق شعبه. وقد وردت تسمية الحروب بإطلاق عام دون تمييز. هناك حروب غير عادلة، وهناك حروب عادلة خاضتها شعوب كثيرة ضد الاستعمار والهيمنة ومن أجل الاستقلال والحرية.
في عملية الهروب توقف الكاتب عند أماكن عديدة في عدة مدن، منها مثلا سجن"ايفين" الرهيب في طهران، ومعاناة أصحاب الرأي الآخر فيه، والممارسات التي تجري فيه ضد السجناء، والمنافية لحقوق الإنسان. ويتوقف الربيعي طويلا لعرض المعاناة في "سمنان" بإيران. نتلمس المكان وتاريخه، فهو قلعة أثرية كانت محطة لاستراحة المسافرين وكان معسكرا للأسرى العراقيين أبّان الحرب العراقية الإيرانية، وهو الآن معتقل للاجئين العراقيين. يصوّر محمد كحط حياة المقيمين في "سمنان" وكيف يمكن أن يعيشوا ويتعايشوا، وهم من انتماءات مختلفة، متضادة أحيانا، ومتوزعة على انتماءات شتى. فقد جمعت سمنان المناضلين ضد النظام الديكتاتوري، وأزلام النظام، والجواسيس، والمهرّبين، والحشاشين. وسجلت ذاكرة الكاتب أسماءهم وصفاتهم وأشارت إلى تاريخهم، وتعقبت أحيانا مصائرهم.
وتكثر القصص عن النزلاء المقيمين في سمنان، وتعرض أحيانا بشكل برقي سريع، حيث تزدحم ذاكرة الكاتب بأسمائهم وينسى بعضهم معتذرا عن ذكر أسمائهم. وشخصيات سمنان تتصارع بعضها مع البعض الآخر، وتكتسب من وضعها الجديد صفات جديدة منها: التديّن، التجارة، التهريب، التقلب في المواقف السياسية، مع الإشارة إلى تاريخ تلك الشخصيات، فهو توثيق يعكس ملابسات الأوضاع السياسية المعقدة في مرحلة زمنية معيّنة ومحددة. الشخصيات التي عكس الكاتب صورتها في سمنان لم تقتصر على الوصف الخارجي، بل تغلغلت إلى دواخلهم السخصية وعلاقاتهم الاجتماعية.
وللسلطة السياسية في بلادنا وممارساتها العنفية أثر كبير في تكوين الشخصية واكتسابها صفات جديدة وفّق الكاتب في توصيفها، ووضعنا في لوحة تناقض هؤلاء ومصائرهم، الذي هو نتاج الظروف التي تمارسها السلطة السياسية بحقهم؛ وهي ظروف قائمة على مصادرة حرية الرأي والعمل على تنميط أو قولبة حياتهم، وتسخير بعضهم للدفاع عن قمع النظام.
يعرض علينا الكاتب بعض طرق مقاومة المصير المجهول في سمنان. النزلاء فيه موجودون فيه دون محاكمة، وباقون فيه إلى أمد غير محدد، وينتظرهم مصير مجهول. ومن هذه الطرق: الهروب من سمنان، الإضراب عن الطعام، العصيان، الاعتصام، الانتحار.
الكتاب يعكس كفاح الإنسان ونضاله من أجل الحرية والحياة الكريمة، ويعرض هذا الكفاح في ظروف استثنائية صعبة، وفي مقطع زمني من حياة وطن معذّب بفعل ممارسات الدكتاتورية الغاشمة. وأن اللغة التي يعرض فيها الكاتب الأحداث هي لغة سلسة وشفافة تشدّ القارئ، وتجعله يتضامن مع معاناة نزلاء سمنان وعالمهم المليء بالتناقضات والآلام والآمال.
سرد جميل هو أقرب إلى اليوميات والمذكرات يتجاوز فيه الكاتب مع رفيقيه اللذين صحباه مصاعب تلك الرحلة الشاقة وصولا إلى الخلاص، إلى الحرية. إنه تجربة إنسانية مرّة، وشهادة على زمن قاس، وتوثيق تاريخي مهم، وإدانة لممارسات الدكتاتورية.







