
( هاتف أبي )
انتهى كل شيء. فكّرتُ، وأنا أنظر إلى باب غرفته المغلق، أن أفتحها.. ولكني لم أفعل. كنتُ متعبًا؛ فأجّلتُ ذلك إلى الصباح.
في الصالة، التي خيّم فيها السكون، كانت منافض السجائر الممتلئة وأقداح الشاي المبعثرة على الطاولات ترسم صورة فوضى المكان. أردتُ التخلص منها.. إلّا أنّني، وأنا أنظر إلى الساعة الكبيرة المنتصبة في الزاوية، شعرت بتعب غريب وجد في بقائي وحيدًا فرصة للظهور. ربما كان، هو الآخر، مجبرًا مثلي على الاستماع لحديث امتدَّ طويلًا.. وتناول كل شيء باستثناء أبي.
أسندتُ جذعي إلى ظهر المقعد ثم تناولتُ هاتفي. وأنا أمرّ على الأسماء الكثيرة، التي لم أقرأ رسائلها بعد، لاح لي اسم أبي. فتحتُ المحادثة لأقرأ آخر مراسلة بيننا. أدهشني وقت ظهوره الأخير. أعدْتُ حساب الأيام والساعات بأصابعي متذكّرًا وصيته لإبقاء هاتفه مفتوحًا.
تركتُ هاتفي وذهبتُ إلى غرفته. أنرتُ المصباح؛ فلاح لي سريره المرتب بعناية مثل أيّ يوم آخر رأيته فيه.. وكان كل شيء في محلّه. دلّني خيط عطره على الزجاجة الموضوعة على النضد القريب من رأسه.. وهناك كان الهاتف. تناولته.. وبدأتُ أتصفّح الرسائل التي لم يتسنَّ له فتحها. كانت الحديثة منها من أصدقائه الراحلين!
أغلقتُ عينيّ وأنا أسحب نفسًا عميقًا وأزفره بهدوء. كنتُ مرهقًا. أعدتُ الهاتف إلى مكانه واتجهتُ نحو الباب. كانت يدي على المقبض حين سمعتُ أزيزه؛ في أوقات كثيرة، صامتًا. رجعتُ. فتحتُ الهاتف، وجلستُ على حافة السرير أعيد حساب الأيام والساعات.. وأعدّ، على أصابعي، الرسائل التي وصلتْ بعد رحيله.
في الصباح لم أجد الهاتف. لا أدري أين وضعته. كلّ ما أتذكّره هو أنّه كان بيدي وأنا أعيد ذرع المسافة بين النافذة والباب. ثمّ أني وضعت قليلًا من عطر أبي واستلقيت على سريره.
( أحد ما هناك )
لم أكن قد غفوتُ بعد حين سمعت طرقًا على الباب. أيقنتُ أنّه ابني.. وكنت أرقدته في الغرفة المجاورة، إذ لا أحد غيرنا في الدار.
حين فتحتُ الباب وجدته واقفًا: أسمع صوت طفل يبكي. قال ذلك وعيناه محتقنتان. قدته من يده وأرقدته على سريره. وعندما غفا أوصدتُ النافذة المفتوحة وسحبت الغطاء على جسده.. ثم نهضْتُ متتبّعًا الصوت الصادر من مكانٍ ما في دار لم يكن فيها غيرنا: أنا.. وهو.
عندما توسطتُ الباحة سمعتُ بوضوح خطوات الصوت تهبط السلّم. رفعتُ رأسي.. رأيته جالسًا على حافة نافذة بسطة السلّم. ولمّا تذكّرتُ أنّي في المرة السابقة، وكنت قد صعدتُ على مهل كي لا أفزعه فيسقط، لم أدركه؛ طويتُ السلّم طائرًا. احتضنته ورجلاه متدليتان إلى الخارج:
- ماذا تفعل هنا؟!
- أنظر إلى نفسي هناك.. وأراك وأنت تهبط من النافذة لتأخذني.
كان يشير بإصبعه الصغيرة إلى مكان أسفل الجدار لم أستطع، كلّما نظرتُ إليه، رؤيته. أنزلته عن حافة النافذة.. ثم أوصدتها. حملته إلى سريره في الغرفة المجاورة لغرفتي في دار قديمة لم يكن فيها غيرنا: هو.. وأنا.
( سلّم أبي )
خرج أبي ذات صباح ولم يعد. وحين رأتْ أمي أنْ لا أحد، ممّنْ كان يعرفهم، يسأل عنه.. وأنّ الطَرْق على بابنا قد شحَّ حتى انقطع.. حين رأتْ ذلك؛ أيقنتْ أنّه هناك. ثمّ بدأتْ ملابسها تسود.. وأغراض بيتنا تتناقص، وما كان يتهالك منها كنّا نحمله، أنا وهي، إلى غرفة السطح. حدث لك ذات صيف بعيد.
الصدفة وحدها قادتني إلى تلك الغرفة، وهناك: عند أحد أركانها.. تعثّرتُ بالخشب الذي كان أبي قد قطّعه ليصنع منه سلّمًا.
عادت إليّ صوري وأنا معه، مرّات عدّة على السطح، أتابعه وهو يرتب الخشب: قاعدة عريضة وأخرى ضيّقة.. يبتعد قليلًا لينظر إليه.. ثم يعود ليضع قياساته على ساقيّ السلّم الطويلتين بقلم (قوبيا) بعد أنْ يعيد ترطيبه بلعابه.
إلّا أنّه، في كلّ مرة يهمّ بتثبيت قطع الخشب، مختلفة الأطوال، على الساقين.. يحدث ما يشغله؛ وعندها كان يأمرني بجمع الخشب والعدّة، وما تناثر من أشيائه الأخرى، وإدخالها، كلّها، إلى غرفة السطح.
عندما رأيتُ الخشب أمامي؛ قررتُ أنْ أنجز السلّم. لملمتُ الخشب والعدّة المبعثرة وحملتها إلى السطح. أعدْتُ خطوات أبي: طرحْتُ الخشبتين الطويلتين، صنعتُ قاعدة عريضة وأخرى ضيّقة، وضعتُ الخطوط على الساقين بقلم وجدته هناك، ثم وزّعْتُ الدرجات. وقبل أنْ أبدأ بالتسمير ابتعدتُ قليلًا لأرى كيف سيبدو سلّم أبي حين أنجزه.
كانت المطرقة بيدي حين رنّ جرس الباب، أعقبه صوت يناديني لأنزل. تركتُ المطرقة على الخشب.. والمسامير على الأرض، ونزلتُ.
لا أدري كمْ من الوقت مرّ حين تذكّرتُ ذلك ذات مساء؛ فأمرتُ ولدي أنْ يجمع الخشب والعدّة من على السطح ويدخلها إلى الغرفة، هناك، لئلّا يتلفها المطر. كان الشتاء قريبًا.
( أبي لمْ يمتْ )
ما زال يضعني، كلّ صباح، أمامه على درّاجته الهوائية، إنجليزية الصنع، تاركًا وقتًا قصيرًا لأخي ليعتلي مقعدها الخشبي الخلفي. أو قد يتركه يركض خلفنا ويده على كتفه. وحين نهتزّ كلّنا؛ أعلم أنّه صَعَدَ.
ما زال، كلّ صباح، يضع في راحة يدي، الممدودة إليه، قطعة نقدية لامعة أشتري، ببعضها في المدرسة، (نصف لفّة) من (عبود).. وأدفع أجرة لعبة (المنضدة) كوني الخاسر دائمًا، وما يتبقّى أطبق عليه كفّي، حتى العصر، منتظرًا أمام دكان تأجير الدرّاجات.
أبي لمْ يمتْ.
أراه جالسًا على كرسيّه الواسع، في زاوية الصالة، ومذياعه الصغير بيده. وفي الأوقات التي أغيب فيها عنه.. يتركه ليعيد ترتيب أشيائه كما يُحبّ. يخرج إلى الباب.. أو يقف قليلًا عند النافذة المفتوحة. وحتّى عندما نقلنا كرسيّه إلى غرفته، جنب السرير، لمْ يتغيّرْ شيء.. فقط أصبحتُ أحرص على جعل مذياعه، مع بطاريّات إضافية أحضرها دون طلب منه، قريبًا من يده.. وأنظّف درّاجته كما رأيته يفعل. وحين استبدل بسريره صورًا توزّعتْ على غرف الدار؛ استمرّ يقوم بكلّ شيء كعادته. إلّا أنّه بدأ يضع لي النقود في جيبي، أصبحتُ أجدها هناك.. ويتبعني ليُجلس ولدي الصغير على الدرّاجة أمامي.. ثمّ يدفعني لأنطلق تاركًا الآخر يركض خلفي قبل أنْ يعودَ إلى أقرب صورة له. وكنتُ أمضي وحدي.. خفيفًا.. طائرًا.
لا أدري متى بدأت الجلوس على كرسيّه بعد أنْ رأيته، يومًا، مهملًا في زاوية الصالة. ثمّ أعدْتُ تشغيل مذياعه.
أتذكّر كلّ ذلك، الآن، وأنا على سريره. أمدّ يدي محاولًا التقاط المذياع. وحين رأى أبي ذلك نزل من صورته.. سحب الكرسيّ وجعله ملاصقًا لسريره. تناولتُ المذياع وأنا أتابعه يخطو خارجًا ليعيد ترتيب أشيائي المبعثرة، وربما يقف عند النافذة المطلّة على الزقاق.. أو قد يفعل شيئًا لمْ أرَه يفعله منْ قبل، فكثيرًا ما كنت أتركه وحده وأخرج.







