
في الساعة التي تتعب فيها المدن من حمل تاريخها، ولا يكون الليل قد قرر بعد إن كان سيغادر أم يبقى، دق أحدهم باب حسب الله يحيى ثلاث دقات، وحين فتح لم يجد إنسانًا، بل وجد زقاقًا موصليًا قديمًا واقفًا أمامه، طويلًا وضيقًا، وعلى كتفيه غبار سنوات لا تحصى، وفي يده ورقة استدعاء لا تحمل ختم دولة ولا توقيع قاض، وإنما بقعة ماء صغيرة أخذت تتسع كلما نظر إليها، حتى خرج منها صوت يقول إن محكمة الأشياء التي لم تمت تطلب حضوره فورًا، وإن التهمة الموجهة إليه خطيرة: لقد قضى عمرًا يسمع ما لا ينبغي للكاتب أن يسمعه، وجعل المدن تتكلم، ومنح الماء ضميرًا، وأدخل النار إلى الحكاية، وأقنع القصص الصغيرة بأنها تستطيع حمل بلاد كاملة، ثم ترك كتبه تمشي بين الناس كأنها تعرف الطريق من دون مؤلفها. لم يسأل حسب الله يحيى أين المحكمة؛ فالكاتب الذي ولد في الموصل سنة 1944 يعرف أن بعض المحاكم لا تحتاج إلى عنوان، وأن المدينة القديمة قادرة، إذا أرادت، على أن تفتح في جدار مألوف بابًا لم يكن موجودًا قبل لحظة. سار خلف الزقاق، فإذا بالموصل تتغير من حوله شيئًا فشيئًا؛ لم تعد البيوت بيوتًا، بل صناديق ذاكرة، ولم تعد النوافذ فتحات في الجدران، بل عيونًا هرمة ظلت ساهرة منذ عقود، وكان دجلة يمشي إلى جواره لا في مجراه، يحمل تحت ذراعه ملفًا ضخمًا كأنه جاء شاهدًا في القضية. عبروا سوقًا نائمًا فنهضت الدكاكين احترامًا للمحكمة، ومروا بمدرسة فخرج منها طبشور أبيض يركض خلفهم، كأن السنوات التي عمل فيها الرجل في التعليم رفضت أن تترك سيرته تذهب إلى المحاكمة وحدها، ثم ظهرت من الأزقة مهن قديمة مارسها في حياته، لم تأت بأسمائها ولا بتفاصيلها، بل جاءت في هيئة أياد متعبة وقالت إنها تعرف أن الكاتب لا يولد في المكتبة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا الأعمال التي مر بها والوجوه التي قابلها والأبواب التي اضطر إلى طرقها قبل أن يعرف أن كل باب مغلق يمكن أن يصبح قصة. وعندما بلغ الموكب قاعة المحكمة، وجدها مبنية من رفوف كتب لا من حجارة، وعلى منصة القضاء جلست الموصل نفسها بثوب أسود طويل، وإلى يمينها وقف الماء، وإلى يسارها النار، وفي المقاعد الخلفية احتشدت شخصيات لم يكتبها أحد بعد، بينما جلست كتبه التي كتبها بالفعل في الصف الأول، صامتة في البداية، ثم راحت تتململ كأطفال يعرفون أن الحديث سيدور عن أبيهم. ضربت الموصل بمطرقة صنعت من حجر قديم وقالت: المتهم حسب الله يحيى، أنت لم تكتف بأن تعيش في مدينة، بل جعلتها تدخل الأدب من غير استئذان، فما دفاعك؟ رفع رأسه نحو المدينة التي ولد فيها، ولم يجب فورًا، لأن سؤالًا كهذا لا يجيب عنه تاريخ الميلاد ولا الدبلوم ولا الوظيفة ولا قائمة المؤلفات؛ ثمة كتّاب يسكنون المدن، وثمة مدن تسكن كتّابها، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين عنوان الإقامة والقدر. وحسب الله يحيى ينتمي إلى أولئك الذين لم تعد الموصل عندهم مكانًا يمكن فصله عن طريقة النظر إلى العالم؛ إنها جهاز خفي لقياس الزمن، وكل ما مر به بعد ذلك ظل يحمل شيئًا من حساسيتها تجاه الذاكرة والتناقض والخسارة. ولهذا، حين تقدمت أربع حكايات موصلية إلى منصة الشهود، لم تأت في هيئة كتاب، بل جاءت أربع نساء عجائز يحملن مفاتيح بيوت لم يعد واضحًا أين أبوابها، وقالت الأولى إن الكاتب لم يخترعها، بل سمعها، وقالت الثانية إن الحكاية ليست ما وقع فقط، وإنما ما بقي من وقوعه في النفوس، وقالت الثالثة إن المدن تموت مرتين: مرة حين تتغير حجارتها، ومرة حين لا يبقى من يتذكر أصواتها، أما الرابعة فلم تقل شيئًا؛ وضعت مفتاحها أمام القاضي وجلست. عندئذ فهمت المحكمة أن القضية أكبر من رجل كتب قصصًا، وأنها تتعلق بوظيفة الحكاية نفسها: فالتاريخ يستطيع أن يخبرنا متى حدثت الأشياء ومن انتصر ومن انهزم، لكنه يعجز أحيانًا عن أن يخبرنا كيف بدا وجه إنسان مجهول حين تغير العالم حوله. وهنا يأتي القاص، لا لينافس المؤرخ، بل لينقذ من التاريخ ما يسقط عادة من بين أصابعه. كان حسب الله يحيى يعرف، من حيث بنية تجربته لا من حيث الشعارات، أن الهامشي قد يكون أكثر قدرة على كشف العصر من المركز، وأن الباب الصغير قد يحفظ من الحقيقة ما لا تحفظه الخطب الكبرى، وأن مدينة مثل الموصل لا تختصرها الأحداث التي مرت عليها، لأن المدينة ليست مجموع ما حدث فيها، وإنما مجموع ما بقي في البشر بعد أن انتهت الأحداث. عندئذ مال دجلة نحو الموصل وهمس لها: لا تحاكميه لأنه جعل المدينة تتكلم؛ حاكميه لأنه جعلنا نكتشف أننا كنا صامتين قبل أن يكتبنا.

بلاد ما بين النارين
لم تكد المحكمة تستعيد هدوءها حتى انطفأت المصابيح، وظهر في آخر القاعة ضوء أحمر يتحرك ببطء، ثم دخلت النار. لم تدخل بوصفها لهبًا، وإنما امرأة طويلة ترتدي ثوبًا مصنوعًا من صحف محترقة، وكلما خطت خطوة تساقط من ثوبها تاريخ، وفي يدها كتاب يحمل اسم حكايات من بلاد ما بين النارين، فوضعته أمام حسب الله يحيى وسألته: من أعطاك الحق في تغيير اسم البلاد؟ نحن منذ آلاف السنين بلاد ما بين النهرين، فمن أين أتيت بالنارين؟ لم يجبها الرجل، لكن دجلة تحرك في مكانه كمن أصابته الإهانة، ثم نظر إلى العنوان طويلًا واكتشف أن المسألة ليست محوًا للنهرين، بل تسجيلًا لتحول رهيب أصاب معنى المكان؛ فحين تصبح النار أكثر حضورًا في التجربة اليومية من الماء، يستطيع الأدب أن يعيد تسمية الجغرافيا لكي يكشف التاريخ الذي حدث لها. عند هذه النقطة لم يعد عنوان الكتاب عنوانًا فحسب، بل بدا كأنه تشخيص ثقافي كامل للعراق الحديث: بلاد صنعت مخيلتها القديمة بين نهرين وجدت نفسها في مراحل من تاريخها الحديث محاصرة بين أشكال متعاقبة من الخوف والعنف والاضطراب، فأصبحت الحكاية مطالبة بأن تحفظ الإنسان من التحول إلى رقم داخل حريق واسع. اقتربت النار من الكاتب وسألته: لماذا تلاحقني؟ قال: لأنني لا أكتب النار، بل أكتب الإنسان الذي يقف أمامها. قالت: الإنسان يحترق. قال: لهذا نكتب. قالت: وما الذي تستطيع قصة أن تفعله أمام حريق؟ قال: تستطيع أن تمنع الحريق من امتلاك الرواية كاملة. ساد صمت ثقيل في المحكمة، لأن النار تعرف أنها تستطيع إحراق الورق لكنها لا تستطيع دائمًا التحكم فيما يقوله الورق قبل احتراقه. ومن هذا الموضع تحديدًا خرج كتاب إرهاب: قصص عراقية من مقعده وتقدم نحو المنصة، لكنه لم يكن كتابًا حين وصل إليها؛ كان مجموعة أبواب مغلقة، ومن خلف كل باب نفس بشري مضطرب. ثم نهض ثقافة الإرهاب والعولمة: دراسات نقدية، فظهر على هيئة رجل يحمل عدسة مكبرة. هنا انقسم حسب الله يحيى أمام المحكمة إلى شخصين من غير أن ينشطر: القاص الذي يدخل الخوف من باب التجربة الإنسانية، والناقد الذي يحاول تفكيك البنية التي أنتجته. الأول يسأل ماذا فعل الإرهاب بالإنسان، والثاني يسأل كيف تتشكل ثقافته وخطاباته وصلاته بالعالم الأوسع. وهذه الازدواجية واحدة من المفاتيح المهمة لتجربته؛ فهو لم يحصر نفسه في جنس واحد يستطيع أن يمنحه الطمأنينة، بل تنقل بين القصة والنقد والمسرح، كأن الظاهرة الواحدة تحتاج إلى أكثر من نافذة كي تظهر كاملة. الأدب عنده ليس بديلًا من التفكير، والنقد ليس بديلًا من الحس الإنساني؛ كلاهما يعمل عند الحدود التي تتحول فيها الفكرة إلى مصير بشري. ولهذا حين حاولت النار أن تدافع عن نفسها قائلة إنها مجرد ظاهرة فيزيائية وإن البشر هم الذين يستخدمونها، تقدم النقد وقال إن الشر يبدأ أحيانًا قبل النار بكثير، في الكلمات التي تجعل العنف ممكنًا، وفي الصور التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وفي الأنظمة الثقافية التي تحول الخوف إلى عادة، بينما تقدمت القصة وقالت إن كل ذلك صحيح، لكن لا تنسوا الشخص الذي يعود مساء إلى بيته ويحاول أن يتصرف كأن العالم لم يتغير. عندها أدركت المحكمة أن المسافة بين الدراسة النقدية والقصة ليست المسافة بين العقل والخيال، بل بين رؤيتين للجرح نفسه: واحدة تفحص أسبابه، وأخرى تسمع أنينه.
الحديقة التي شهدت ضد البشر
ثم فُتح باب لم يكن موجودًا في القاعة، ودخلت منه حديقة عارية تمامًا من الزينة. الأشجار قليلة، والأغصان مكشوفة، ولا شيء يحجب الأرض عن النظر، وفوق بوابتها ظهر اسم حدائق عارية: قصص قصيرة جدًا. تقدمت الحديقة لتشهد، لكن المحكمة ضحكت حين رأت أن شهادتها لا تتجاوز بضعة أسطر. غضبت الحديقة وقالت: أنتم ما زلتم تقيسون الحقيقة بعدد الكلمات، ثم مدت يدها إلى أحد جيوبها وأخرجت قصة صغيرة إلى حد أن القاضي اضطر إلى الانحناء كي يراها، وقالت: تستطيع الإبرة أن تدخل حيث يعجز السيف. هنا ظهرت منطقة أخرى في عالم حسب الله يحيى؛ فالقصة القصيرة جدًا ليست اختصارًا حسابيًا للقصة، وإنما هندسة مختلفة للمعنى، يصبح فيها المحذوف شريكًا للمكتوب، ويكتسب الصمت وظيفة لا تقل عن وظيفة العبارة. وكأن الكاتب الذي عرف اتساع الحكاية أدرك أيضًا أن بعض الأزمنة لا تمنح الإنسان فرصة الخطبة الطويلة، وأن الومضة قد تكون أقدر على التقاط المفارقة من السرد المسترسل. العري في عنوان حدائق عارية ليس فقرًا، بل كشف؛ إزالة للزائد حتى يظهر العصب، مثل شجرة في الشتاء تبدو أقل جمالًا للعين المستعجلة، لكنها تكشف هندستها الداخلية كاملة. وبينما كانت المحكمة تتأمل هذه الحديقة، سُمع خرير من تحت الأرض، وانشقت الأرض قليلًا وخرج منها الماء حاملًا كتاب ضمير الماء. لم يحتج أحد إلى استدعائه، فقد كان حاضرًا منذ البداية، لكنه قرر الآن أن يتكلم. قال: تتهمون هذا الرجل بأنه أعطاني ضميرًا، وأنا أتهمكم بأنكم افترضتم أن الضمير ملك البشر وحدهم. ضحكت النار، لكن الماء تابع: أنا أمر بالمدن وأحمل صورها، ألمس وجوهًا ثم أفارقها، تمر فوقي الجسور وتتغير الأجيال وأبقى شاهدًا على أن البقاء نفسه شكل من أشكال الرحيل. بدا العنوان عندها كأنه يفتح سؤالًا يتجاوز الكتاب إلى معنى الذاكرة: ماذا لو كانت الأشياء أكثر وفاء لما جرى من البشر؟ ماذا لو كان الحجر يتذكر اليد، والماء يتذكر الوجه، والبيت يتذكر أهله، بينما يمضي الإنسان مثقلًا بموهبة النسيان؟ في هذا العالم يصبح الأدب وسيلة لإعادة توزيع الذاكرة بين الكائنات؛ الكاتب لا يتحدث باسم الأشياء بمعنى ساذج، وإنما يستخدمها لكي يرى الإنسان من خارج غروره. وحين يمنح الماء ضميرًا، فإنه لا يحول الطبيعة إلى بشر، بل يسأل ضمنًا عن ضمير البشر أنفسهم. عندها نهضت الكتب الأخرى من مقاعدها؛ فنارات في القصة والرواية أضاءت مصابيح صغيرة في أركان المحكمة، وفي الخطاب المسرحي دفع الستارة جانبًا وكشف أن القاعة نفسها ليست إلا مسرحًا كبيرًا، وهواجس أخذت تمشي بلا استقرار بين المقاعد، بينما جلست كوميديا الكاتب في الزمن الكاذب في الخلف تضحك بطريقة لم يعرف أحد أهي سخرية أم بكاء. تكشفت التجربة فجأة لا كمجموعة عناوين، بل كمدينة ثانية بناها الكاتب داخل المدينة الأولى: فيها ماء ونار وحدائق وفنارات ومسرح وهواجس وكوميديا، وكل عنصر منها يؤدي وظيفة في مساءلة الواقع. وربما هنا يكمن معنى التنوع في منجز حسب الله يحيى؛ إنه لم يغير الأجناس بحثًا عن التنوع الشكلي وحده، بل لأن العالم الذي يلاحقه أكبر من أن يدخل من باب واحد. هناك شيء لا تستطيع القصة قوله فيقوله النقد، وشيء لا يستطيع النقد تجسيده فيصعد إلى المسرح، وشيء يضيق حتى لا يحتمل سوى قصة قصيرة جدًا، وشيء يتسع حتى تصبح المدينة كلها استعارة له. إنها كتابة تتحرك باستمرار بين المجهر والمرآة: المجهر لكي ترى التشققات الصغيرة، والمرآة لكي تجبر المجتمع على رؤية وجهه.
حين صدر الحكم على الكاتب
حل الفجر، لكن المحكمة رفضت أن تنفض قبل سماع الشاهد الأخير. سأل القاضي من بقي، فنهض رجل كان جالسًا طوال الوقت في آخر القاعة، ولم يكن له وجه واضح. تقدم ببطء وقال إن اسمه الزمن الكاذب. عندئذ توقفت كوميديا الكاتب في الزمن الكاذب عن الضحك. قال الزمن للمحكمة: مشكلتي مع الكاتب ليست أنه فضحني، بل أنه لم يصدقني بما يكفي. أنا أقدم للناس روايات جاهزة عن أنفسهم، أقول لهم من البطل ومن الضحية، ما الذي ينبغي أن يتذكروه وما الذي ينبغي أن ينسوه، ثم يأتي الكاتب فيضع شخصية صغيرة في زاوية الحكاية فتفسد علي النظام كله. هنا وصلت المحاكمة إلى جوهرها؛ فوظيفة الأدب في تجربة من هذا النوع ليست إنتاج الجمال بوصفه زينة للحياة، وإنما مقاومة النسخة الواحدة من الواقع. الزمن الكاذب لا يعني أن كل ما حولنا كذب، بل أن كل عصر ينتج طرائق تجعل بعض الحقائق أعلى صوتًا من غيرها، وتجعل بعض البشر مرئيين وبعضهم خارج الإطار. والقاص الحقيقي يزعج هذه الهندسة؛ يلتقط الذي بقي عند حافة الصورة ويضعه في مركزها، يسمع الصوت المنخفض، ويمنح التفصيل العابر حق الاعتراض على الرواية الكبرى. ولهذا فإن حسب الله يحيى، الذي عبر التعليم والمهن والكتابة والقصة والرواية والنقد والمسرح، يبدو في النهاية أقل شبهًا بالمؤلف الجالس وراء مكتب وأكثر شبهًا بحارس ذاكرة يتنقل بين غرف كثيرة. ليست قيمته في أن نحوله إلى تمثال ثقافي، فالتماثيل صامتة، وتجربته قائمة على الإنصات والحركة، وإنما في أن نرى كيف استطاعت الكتابة لديه أن تظل متصلة بحياة البشر العاديين وبأسئلة المجتمع العراقي وتحولاته، من غير أن تفقد حقها في التجريب والسخرية والمفارقة. عندئذ طلبت الموصل من المتهم كلمته الأخيرة. نظر حسب الله يحيى إلى النار ثم إلى الماء، إلى الحديقة والفنارات والمسرح والكتب، ثم نظر إلى المدينة التي جلست تحاكمه، وقال إن الكاتب لا يملك المدينة التي يكتب عنها، وإن أقصى ما يستطيع فعله هو أن يحمل بعض أصواتها مسافة إضافية قبل أن يبتلعها الصمت. تشاورت هيئة المحكمة طويلًا، ثم وقفت الموصل وأعلنت الحكم: ثبت للمحكمة أن المتهم مذنب بإيقاظ الأشياء، وبمنح الصمت وظيفة، وبتهريب الذاكرة داخل القصص، وبإقناع الماء بأن له ضميرًا، وبإعادة تسمية البلاد حين لم تعد أسماؤها القديمة تكفي لوصف ما أصابها؛ ولذلك حكمت عليه المحكمة بألا يغادر الحكاية ما دامت المدينة قادرة على تذكر اسمه. ضربت المطرقة، فانطفأت القاعة فجأة، وعاد كل شيء إلى مكانه: الكتب كتبًا، والماء إلى النهر، والنار إلى معناها، والحديقة إلى صفحاتها، والمسرح إلى خشبته، والموصل إلى جغرافيتها. وجد حسب الله يحيى نفسه واقفًا أمام باب بيته، والزقاق الذي جاء لاستدعائه قد عاد زقاقًا عاديًا. نظر إلى يده فوجد ورقة المحكمة ما تزال فيها، لكنه حين فتحها لم يجد الحكم، بل وجد صفحة بيضاء. ظن للحظة أن كل ما حدث قد اختفى، حتى سمع خلفه ثلاث دقات. التفت، فلم يكن هناك أحد. ثلاث دقات أخرى، لكن هذه المرة لم تأت من الباب. جاءت من كتاب على الرف. اقترب منه وفتحه، فسمع خرير ماء بعيدًا، ثم ضحكة خافتة، ثم وقع أقدام مدينة كاملة تتحرك بين الصفحات. عندئذ فقط فهم الحكم الحقيقي: لم تكن الموصل قد استدعته إلى المحكمة لكي تسأله لماذا كتبها، بل لكي تتأكد من أمر واحد قبل أن يعود الفجر. كانت تريد أن تعرف إن كان الرجل الذي أمضى عمرًا ينقذ أصوات الآخرين من الصمت قد ترك في كتبه مكانًا لصوتها هي أيضًا. أغلق الكتاب، فنظر من النافذة. كان دجلة يمضي في طريقه كأنه لا يعرف شيئًا، وكانت المدينة تستيقظ ببطء، وكان الناس يفتحون أبوابهم ليوم جديد. كل شيء بدا طبيعيًا، باستثناء أمر صغير لم ينتبه إليه أحد: كان ظل حسب الله يحيى واقفًا عند النافذة، أما الرجل نفسه فقد مضى في الشارع. وحين ابتعد، تحرك الظل على الجدار وفتح كتابًا. منذ ذلك الصباح، كلما ظنت الموصل أن حكاية منها ماتت، قلب الظل صفحة، فنهضت الحكاية ومشت. وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل، بعد ثمانين عامًا من ميلاد الرجل، كم كتابًا كتب حسب الله يحيى. السؤال الأجدر هو: كم شيء كان سيختفي لو لم يكتبه؟ لأن الكاتب لا يهزم الموت بأن يعيش أكثر، ولا يهزم الخراب بأن يمنعه، ولا يهزم النسيان بأن يتذكر كل شيء؛ إنه يفعل شيئًا أكثر تواضعًا وأشد خطورة: يترك نافذة مفتوحة في الجدار. وفي الليلة التي بدأت فيها حكايتنا، حين جاءت الموصل تبحث عن الرجل الذي حمل أصواتها طويلًا، لم تكن تخشى أن تفقد كاتبًا. كانت تخشى أن تغلق النافذة.







