الكاتبة والقاصة زينب من النوع الصاعد نحو أفق الغيم والأمطار، تنطلق في مفاهيمها من أنه : لماذا يكذب الناس : لان الحقيقة لن تجلب لهم الشيء الذي يريدونه. كما وانها تريد القول : اذا لم تستطع التخلص من الحقد فانظر الى قلبك. تكتب زينب فتشمل العديد من الوصفات الادبية والمتضادات والمترادفات مما يجعل سردها منسجما مريحا ياخذ المديات الاعمق في المعاني والشروحات وهي ايضا صامتة بطبعها مثلما رأيتها، فالصمت لغة اخرى يعجز عن فهمها الصراخ. زينب امرأة حالمة في بناء مجتمع عادل ذي قيم وفق ما تريده في أديباتها، فلولا الحلم لانتهينا في المكان، لولا الحلم لمات فقراء الكون من الذل والمهانة، لو لا الحلم لما وجدنا أنفسنا عاشقين ولدينا القدرة على الحب.

من أمصار السماوة القاحلة صيفا وغموض خريفها وماء فراتها الشاسع قبل أن يصبح ناشفا في أيامه الأخيرة انبثقت مبدعة عرفناها بإسم دكتورة (زينب ساطع). زينب تكتب المقالات وكإنها حكمة، تكتب القصة القصيرة فتعتمد على واقعية شخوصها وارتباطها بالعامل الخارجي والنفسي الذي يكوّن تلك الشخوص. تعطي مقولاتها بعدا رومانسيا يزيد من جمال معناها ورسائلها للقاريء.هي إمراة تحاول العبور الى الجانب الذي رسمته في كينونتها لكنها مكبلة وسط القيود وأكثر النساء يحاولن العبور لكن الجدار المتين الفاصل من التقليد السائد يصعب عبوره ومع ذلك استطاعت أن لا تراوح في مكانها بل ارتقت أبعد من ذلك. هي إمراة من طراز أزقة السماوة المزدحمة بسواد النساء فمن الطبيعي اذا أرادت تلوين نفسها بلون أخر يشعرها بالأمل والعبور للضفة الآخرى فسيكون صعبا للغاية ومع ذلك هي استطاعت أن تكتب المعنى الحقيقي لما يساورها للبعد الإنتقالي الذي تطمح أن تكون به كمبدعة تبغي الوصول الى الغايات المنشودة في تفكير كل أديبٍ قاص أوشاعر أو فنان تشكيلي أو سينمي.

زينب من عائلة معروفة ومثقفة في السماوة، استطاعت أن تحط قدميها في الساحة الأدبية بكل جرأة بعد ان كانت حذرة خجولة مرتبكة وهذا مارأيته في أول صعود لها في المنصة في قاعة غرفة تجارة السماوة وقالتها هي ( اعذروني أنا مرتبكة قليلا ) وكانت تقرأ من الورقة التي أعدتها دون أن ترفع عينها ولكنها اليوم أصبحت جريئة أكثر وتستطيع الحديث والمناورة بكل سلاسة وكل ما مر الزمن ستكون أكثر إبداعا وألقا في المنصة وخصوصا العراق يحتاج الى إمرأة تقف على المنصة وتقول ماتريده لترقيع مسارات حياتنا في جوانبها المختلفة ولذلك كتبت قصتها الشفيفة ( رحلة ترقيع السعادة ):

هذه القصة وردت في كتابها الصادر والموسوم (مرافيء من كوكب اخر) وهي تتحدث عن طفلين بريئين يحرق احدهما اخاه الاخر بسبب عبثية الطفل بطنجرة الماء الحار فينسكب على أخيه مما يسبب له جروحا يصعب مداواتها فيتطلب الأمر من الأم أن ترسله الى المشفى ومن مشفى الى آخر ولذلك أعطت لقصتها عنوان (رحلة ترقيع السعادة) أوبما يعني تطبيب ابنها المريض بالحروق. قصة اتسمت بكونها امومية أوتنطلق من الأمومة ومن ثم الى الأبعاد الآخرى وتبدأ بمشوارها بين المشافي لإنقاذ أبنها. تأخذ طفلها المحروق الى المشافي العراقية وتتنقل في أكثر من مشفى ولم تستطع إنقاذ طفلها فتضيق السبل لديها وتقل فرصة الأمل بإنقاذه. ثم تنقله الى مستشفيات البلدان الآخرى خارج العراق وهنا تبدأ رحلة أدب الأمكنة والرحلات بصياغة جمالية درامية مع الالم الذي يصيب الأم وخوفها على طفلها حتى تتمكن من إنقاذ طفلها فتحصل على الأمل الذي يصدح في طريقها وفقا للمقولة الشائعة (مأأضيق العيش لولا فسحة الأمل). من هذا نعرف أنّ زينب استطاعت توظيف فكرتها في القصة لتنداح الى أدب الرحلات وما أهميته ولسوف نشرحه لاحقا. تستمر في رحلتها حتى تكمل خمس عمليات من الترقيع لجسد الطفل المحروق ويتعافى وتبقى آخر الترقيعات حتى يصبح الطفل في عمر الثانية عشر لتبدأ عمليات التجميل للتشوهات الحاصلة نتيجة الحرق. لكن القصة تخبرنا بترقيع آخر يتوجب علاجه وهو الترقيع المعنوي الناجم من اتهام زوجها لها من انها هي التي تسببت في حرق طفلهما بسبب عدم اللامبالاة فيحصل الجفاء بينهما لفترة فيتوجب عليها البدء بهذا الترقيع المعنوي لإرجاع العلاقة العاطفية والحب بين الزوجين. وفعلا تطلب الأمر منها الكثير من المعاناة والمدارة حتى وصلت الى رصيف العاطفة بالتقاء الزوجين وانطلاقهما الى الحياة التي كانت كما أيام زمان أو الى الأيام الخوالي التي جمعتهما على الحب والوداد. ومن هنا نكتشف أن الغائية من كتابات زينب هو انه يتوجب علينا أن نعمل بالتشارك مع الطرف الآخر ان كان زوجا أو كان زميل عمل في سبيل ارساء الحقائق والوصول الى مكامن السعادة ولذلك كتبت زينب في كتابها( فراديس القصب ): (الحياة الصحيحة لا تعني قطعا الأخذ الدائم فتلك قمة الآنانية والنرجسية ولاتعني العطاء الدائم فتلك قمة السذاجة والبلادة والمحب حين يكون حقيقيا محال ان يترك من يحبه ينتظر أن يعلمه كيف يعامله).

الحب المشروط هو افضل الحب يعني أننا نتفق أن نرسم حياتنا قبل الدخول في الشراكة الحقيقية وهذه أفضل لكلا الطرفين. لا يوجد هناك حب غير مشروط سوى حب الطفل الرضيع فهو يريد العطاء الدائم دون أن يقدم شيئا، يريد الرضاعة في أي وقت ويريد الحب في أي وقت ولو انقلبت الدنيا عاليها سافلها فهو هكذا يريد أخذ الأشياء دون مقابل أو شرط وعلى الأم تنفيذها دون قيدِ أو شرط. أما العلاقات الزوجية والحب فأفضلها هو الحب المشروط، هو أنني أعطي وأنت تعطي، أنني أتنازل وأنت تتازل وحتى في الإشتراك المادي ايضا يجب أن تكون هناك مشاركة بين الطرفين وهذه تنطبق على الشعوب التي تحررت بها المرأة وأصبحت مستقلة اقتصاديا، أما في شعوبنا والنظم الذكورية فالمرأة تعتمد اعتمادا كليا على جيب الرجل وهذا يؤدي الى الكثير من الخلل في صميم العلاقات عدا الاستثناءات. هكذا تبنى العلاقات والشراكة الصحيحة في الحياة التي نعيشها ونحن مدركون تماما من اننا زائلون فعلينا أن نستغلها بالسعادة قدر أمكاننا قبل أن يقصفنا العمر بإطلاقة الفناء ويرسلنا الى قبورنا أو الأمكنة الحتمية لنا عند زوال الحياة وتوقف النبض والوصال وهلاك شريان الحياة وأيامها، ولذلك كتبت زينب في كتابها (صلاة الروح) عن استنساخ الأيام لنقرأ أدناه ماقالته بخصوص ذلك :

 في هذه القصة القصيرة ليست كما القصة العادية وإنما عبارة عن حكم ومواعظ وأحجية. في السردية العامة للقصة : يمر شخص على مقبرة في قرية ويرى شواخص القبور كتبت عليها كم عاش الشخص وإذا به يرى كلهم صغار العمر بين خمسين يوما او ستين فيسأل حارس المقبرة الكبير في السن لماذا كل أهل القرية يموتون صغارا بينما أنت العجوز فوق الثمانين فيقول له : لا يا بني نحن نكتب الأيام السعيدة التي عاشها الإنسان فقط ولم نكتب عمره الحقيقي. وتذكر زينب في التوضيح السردي أن أحد الفتيات اصيبت بالشلل فتقول أختهاعنها : ماتت حياة اختي وبقي عمرها فقط. ومهما يكن من أمر الموت الآشد وقعا علينا يقول محمود درويش (كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بإعجوبة). ووفقا لكل مجريات قصة زينب فإن المغزى منها هو حين تقول موعظتها :على المرء أن يستنسخ حياته بالخير والعمل بمساعدة الآخرين أو بالحب لكي يرسم له المسار السعيد في ذلك الشطط الضئيل من عمره. في الديانة البوذية وبعض الأديان هناك فكرة الآستنساخ بعد موت الإنسان في أن يحل في جسد آخر وهكذا تستمر الحياة الى ما لا نهاية وهي فكرة تتحدث عن معنى الوجود والفناء وأين يحل المرء بعد زواله. وهناك فكرة اخرى للآستنساخ للفيلسوف الإنكليزي (ريتشارد دوكينز) يقول : عند موت المرء ينتهي كل شيء فلا حياة أخرى ولاعذاب قبر بل يتحلل جسمه ويذهب الى التراب وربما سيصبح سمادا يغذي النباتات ثم يأتي الأخرون بأكلها فتنتقل اليهم حياة الشخص الميت فيما يسمى بالإستنساخ وهكذا تستمر الحياة الى مالانهاية ولاعودة مرة أخرى للشخص الميت على الإطلاق لأننا خلقنا من جينات أنانية هدفها الوحيد أن تستنسخ نفسها فلو نجح المرء بإنجاب الأطفال فهذا يعني انه فاز بلعبة التطور وان لم ينجح فلا أحد سيتذكر والكون لا يهتم. أليس هذا محزنا ؟ بالعكس هذا مدهش تماما لكن الكون لا يعطي إعادة. لذلك نرى زينب جسدت معاني الإستنساخ بإسلوب مثالي آخر ومختلفٍ استطاعت أن تسطر بما ارادت قوله أعلاه ( الأستنساخ نحو عمل الخير) فكتبت قصتها البديعة ( شموع متقدة) مثلما نقرأها أدناه :

القصة من الأدب الواقعي وقد نقلتها لنا زينب عن لسان أبطالها الذين التقتهم وطلبت منهم السماح لسردها للعالم الأدبي. القصة تحكي عن رجل متزوج يشتغل في مجال التمريض وقد تطوع للعمل في إنقاذ المصابين من جائحة كورونا وهنا تبدأ المشاكل بينه وبين زوجته التي تحبه كثيرا لكن اعتراضها على هذا العمل ينطلق من خوفها ان يصاب بالمرض وينقله للعائلة لكن والده وقف معه في خدمة المرضى وشجعه على المضي في هذه الخدمة الانسانية القصوى. ويبقى الشجار بينه وبين زوجته ويصل الى ذروته لكنه المحب الصادق حاول اقناعها بهذا الأمر ونجح واستمرت علاقتهم رغم المخاوف والمخاطر.هذه القصة تشرح لنا مدى الوهن والضعف الإنساني لدى البعض وفي الوقت نفسه تبرز مدى الشجاعة لدى الآخرين ومنهم هذا الزوج الذي انثال لعمل الخير والتضحية والجود بالنفس التي هي اقصى غاية الجود.

وفي سياق السرد في قصة ( شموع متقدة) يموت احد المرضى ولم تستلمه عائلته خوفا من أن يصابوا بمرض الكورونا، نقطة مفصلية تضع الناس بين مفترق طرق بين الانسانية والقبح بين الحب الحقيقي والمزيف أو مدى تحمل المرء للكوارث التي تلحق بالأبناء مثلما شاهدناها في المسلسل السوري( ساري العبد الله) من تمثيل الراحل رحيم المعموري ومنى واصف انتاج 1977 والذي يتحدث عن قصة الشاعر النبطي والشيخ (ساري العبد الله ) وحبه لحبيبته ( جواهر بنت الحميدي) والذي عاش في بادية الشرقاط ومات 1888 في الشام. ساري العبد الله يصاب بالجدري ويتركه اهله مع كلبه ( شير) خوفا من العدوى وينجو ساري بإعجوبة على يد حكيمة عارفة بالأمراض. فهل هناك أكثر من هذه المأساة الإنسانية في أن تترك عائلة ولدها الشجاع في عمق الصحراء للذئاب والوحشة القاتلة وحده مع كلبه شير فيظل يردد ( هلك شالوا على مكحول يا شير، وخلولك عظام الحيل ياشير/ لو تبجي طول الدهر ياشير / هلك شالوا على حمص وحما).

كثيرة هي القصص التي تناولت الأبعاد الإنسانية على غرار( شموع متقدة) ومنها للروائي الشهير( غابرييل ماركيز) وقصة(الجندي) والتي تحولت الى فيلم سينمي بديع وبعدة نسخ وفي أزمنة متعددة. وهذه القصة تتناول جندي عاد من الحرب واتصل بأمه من انه سيعود غدا ففرحت كثيرا وأبدت له مدى اشتياقها له لكنه قال لها انه لديه صديق معوق من اثر الحرب وقد بترت ساقيه ويريد المجيء معي. في الحال تبدّل حال الآم وقالت له : لا تجلبه معك فليس لدي القدرة على الإعتناء به فاتركه لحال سبيله وفجأة غلق سماعة التلفون وانتحر. الجندي المعوق كان نفسه ابنها وأراد اختبارها وحين سمع انزعاجها قتل نفسه لآنه لايريد أن يؤذي أمه ويتعبها معه ما بقيت له من أيام.

وتبقى قصة(شموع متقدة) للقاصة زينب تحاكي الإنسان كيف يكون في السراء والضراء وكيف ينقلب المرء على كل القيم التي كان يتحلى بها لكنها تسقط في لحظة النرجسية العالية والبقاء دون الأكتراث لإنسانيتنا الحقيقية في الملمات المصيرية. وفي هذه القصة أيضا نرى زينب تكتب حول الإنطباع البشري وخوفه من أشياء يتصورها في خياله بينما هي في صميم حياتنا والخوف يسري معنا في كل لحظة ومن أشياء عديدة ( مثل خوف الزوجة على زوجها حين اراد العمل مع مرضى الكورونا )، ولذلك يقول الفيلسوف (توماس هوبز) في العقد الاجتماعي عن يوم ميلاده : ( لقد ولدت أمي توأمين أنا والخوف ) لآن أمه في ذلك الوقت كانت مرعوبة عندما سمعت ان الآسبان سيحتلون انكلترا فولدته قبل أوانه أي أنه ( طفل خدّج ابن سبعة أشهر). ومن هذه المفاهيم تنقل لنا زينب مسببات هذا الخوف كي ننطلق بالشكل الصحيح دون رادع يردعنا سوى ضمائرنا وعقولنا والخير النابت في أرواحنا وفي عقولنا الجميلة التي يمكنها أن تنفذنا من المفاهيم الواهمة القادمة من الآخرين ولذلك علينا التفكير جيدا دون أن نسمح لهم في أعاقة مانريده ولذلك يقول تشرشل:الفرق بين الحيوانات وبيننا هو انها لاتسمح لمن أغبى في القطيع أن يقودها بينما البشر يفعل ذلك وهذا ماحصل مع ترامب وجميع قادة العرب الذين ساروا خلفه مما أدى الى حصول الكوارث في أوطاننا وعقولنا الضبابية. لذلك يجب أن يكون المرء ممسكا بخيوط لعبته قبل أن يسرقها القدر، وان لم يستطع مسكها، فعلى الأقل أن يكون حالما في مسكها وانجاح مايريد أن يحققه وبإصرار متكامل وأمل عظيم مثلما كتبت زينب في قصتها ( عدسة الأمل ) كما في أدناه :

يتبـــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــــــــــزء الثانـــــــــــــــــــي..