
توطئة : الحياة أعز وأثمن الأحداث للإنسان ، إنها توهبْ لهُ مرةً واحدة فيجب أن يعيشها عيشة لا يشعر فيها بندم معاناة معايشة لسع الجلد الذاتي ، وندم مرعب على السنين التي عاشها ، ليستطيع أن يقول وهو يحتضر : كانت حياني وكل قواي موهوبة لأروع شيء في العالم هو { النضال في سبيل تحرير الأنسان } هذا ما قالهُ الروائي والكاتب الروسي نيكولاي أوستروفيسكي مؤلف رواية ( وسقينا الفولاذ ) ، والملفتْ للنظر تلك العبارة التربوية ( المنقوشة ) تحت تمثال نيكولاي أوستروفيسكي في موسكو : { تعلمْ أن تعيش حتى ولو أصبحتْ حياتُك لا تطاق } لعمري إنها مناجاة مؤثرة حين يتوافق فيها العقل والقلب ، وربما تكشف ما تعني من تطابق الأحاسيس في أنسنة المعنى الوجداني للحياة في عالم تحرير الأنسان في حكايات شاعر المقاومة والرومانسية شاعر البندقية وزهرة العشق أركيدو الحمراء الشاعر والمناضل التشيلي " بابلو نيرودا ".
النص : الشاعر السياسي والناشط المدني المعارض " بابلو نيرودا " 1904-1973 هو أهم وأشهر شعراء القرن العشرين تميز بالرومانسية والالتزام الأدبي والسياسي ، نال جائزة نوبل للأدب عام 1971 يعتبر من أكثر الشعراء تأثيرا في عصرهِ قال عنهُ الناقد الأدبي الإسباني ( هارولد بلوم ) : لا يمكن مقارنة أي أديب وشاعر بهذهِ القامة الشعرية في الغرب الأوربي لأن هذا الشاعر قد سبق عصرهُ ، وقال عنهُ : الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز (جمع النشاط الأدبي والنهج السياسي المعارض ، وناشطا سياسيا بارزا وشيوعيا شجاعاً وجادا .
الجوائز : جائزة نوبل في الأدب عام 1971 جائزة السلام الدولية عام 1950 ، جائزة لينين للسلام عام 1951، وجائزة إسبانيا للسلام عام 1951 ، وحصل على جائزة دكتورا فخرية من جامعة أوكسفورد .
المحطة الأولى لمساره الأدبي والسياسي من أشهر شعراء العالم وأكثرهم تأثيرا في عصرهِ القرن العشرين ، عمل في السلك الدبلوماسي سفيرا لبلاده في المكسيك وفرنسا ، وكان التوجه الأيديولوجي للشاعر بابلو نيرودا هوى اليسار التقدمي بانتمائه للحزب الشيوعي التشيلي وكان قياديا بارزا في الحزب ( عضو لجنة مركزية ) مرشح الحزب لرئاسة الحكومة .
في 11سبتمبر 1973 وقع انقلاب عسكري في تشيلي أسقط حكومة سلفادور اليندي المنتخب ديمقراطيا الذي توفي- بظروف غامضة - في القصر الرئاسي قيل أنه أنتحر، تولى ( بينوشيه) السلطة مقيما حكما عسكريا حتى عام 1990 ولمدة 17سنة وكان نصيب نيرودا تعرضهِ للنفي السياسي بسبب مناهضته للسلطات الشمولية الدكتاتورية المتعسفة وانتمائه الأيديولوجي اليساري التقدمي ، ثم عاد الحكم الديمقراطي إلى تشيلي عام 1990 بعد استفتاء وانتخابات .
بالمناسبة
شيءً من التأريخ الأسود للانقلابات العسكرتارية الأمريكية للقارة اللاتينية
امتدت التدخلات الأمريكية للقارة اللاتينية على مدى قرنين 200 سنة متخذة شكل ( ديمقراطية المارينز ) عبر الغزو العسكري المباشر مع الدعم الاستخباراتي العسكري والاقتصادي المباشر للانقلابيين العملاء ، كانت أغلبها دموية ، هدفت هذه التدخلات الجائرة إلى أرساء هيمنة واشنطن تحت شعار " مبدأ مونرو " التعيس حيث حماية المصالح للشركات الأمريكية والكارتلات العملاقة ومنع المد الشيوعي إبان الحرب الباردة ، وهذه العسكرتارية الدموية والوحشية أصبحت عادية عند الشعوب المغلوبة .
حتى أن هناك طرفة بلغة تهكمية سياسية قيلتْ من قبل أعلام المعارضة بسؤال يثير الامتعاض والاشمئزاز لحركاتهم الانقلابية العدوانية : لماذا لم يحدث انقلاب عسكري في واشنطن ؟؟؟!!! كان الجواب : لعدم وجود سفارة أمريكية فيها !؟
وهذه أهم الانقلابات العسكرية في أمريكا الجنوبية
-غواتيمالا : 1954 نفذت وكالة المخابرات المركزية CIA عملية B B X للإطاحة بالرئيس الديمقراطي الإصلاحي (جاكوب أربينز ) واستبداله بديكتاتور رجعي لحماية مصالح شركة ( يونايتت فروت ) .
- البرازيل 1954 دعمت واشنطن انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس اليساري ( جواوغولار ) وتنصيب لنموذج حكومة شمولية دكتاتورية متعسفة .
- تشيلي 1971 قامت واشنطن بحركات خبيثة لزعزعت حكومة اليندي الاشتراكي المنتخب (سلفادور أليندي) مما أ سفر عن انقلاب دموي بقيادة الجنرال ( اوغيستو بينوشيه ).
- الأرجنتين : 1976 دعمت أمريكا ( الجنرال كوندور) الرجعي والدكتاتوري القمعي .
المسار الأدبي والسياسي لبابلو يرودا
اشتهر الشاعر التشيلي بتبني أيديولوجية الهوى اليساري التقدمي ولم يؤثر في اعتقاده ِالعمل الدبلوماسي بل زادتهُ اقتناعا رغم ما سبب لهُ هذا الانتماء من مضايقات اضطرته الاستقالة من عمله الدبلوماسي ، والالتحاق بالحرب الأهلية الإسبانية طوعا 1936 للدفاع عن حرية الأنسان ودحر الحكومات القمعية الشمولية ، ومقتل صديقهُ الشاعر الإسباني ( فيدير لوركا) أثناء الحرب ، وكان هذا الحدث المفجع مؤثرا إضافيا في انخراط الشاعر في النضال السياسي في تحرير وطنه تشيلي .
مؤلفاته :
- ديوان 20 قصيدة حب وأغنية يائسة
- ديوان النشيد الشامل
- كتاب" الغزاة " وهو أدانة قاسية للهمجية التي أحتفل بها الغزاة الإسبان وممارساتهم السلبية التي لجأ أليها قادتهم العسكريون ممزوجة بحماقة رجال الدين وتعصبهم
- ديوان إسبانيا في القلب
- كتاب أحجار السماء
- ديوان القلب الأصغر
بعض من قصائده الرومانسية والسياسية
أمازون يا عاصمة إيقاعات الماء
أيها الأب البطريق
أنت السرمدية السرية
للخصوبة
تتساقط أليك أنهار كالطيور
تغطيك حبوب طلع لها لون الحريق
والجذوع العظيمة الميتة تضحك بالشذى
قصيدة المحررون وهي أبرز فصول ديوان ( النشيد الشامل ) للتأريخ وأطول الفصول الخمسة عشر التي تشكل كينونة وصيرورة العمل ، يقصد نيرودا هنا تمجيد الدعوات والحركات التحررية في أمريكا اللاتينية خلال 400 عام ، وفي هذا الفصل يمزج بين النظم الكلاسيكية العالمية في تنويع إيقاعاتها الشعرية وأوزانها ، يعد ديوان النشيد الشامل أحد أهم وأعظم الجواهر الشعرية التي كُتبتْ في القرن العشرين وأكثر أعمال المناضل الثائر بابلو نيرودا سحراً وألقاً ، وليس النشيد الشامل أكثر أعمال نيرودا شمولا وطموحا فقط ، بل ربما هو اكبر عمل منهجي في تاريخ الشعر الناطق بالإسبانية على الأطلاق ، لقد كُتبتْ صفحاته خلال عشرة سنوات وهي موزعة على شكل 249 سوناتا ( نشيد ) .
قصيدة أغنية يائسة
أريدُ أن تعود الدماء من جديد
لتلطخ الخبز واللوبياء
والموسيقى
أريدُ أن يأتي معي عامل المنجم
والفتاة والمحامي والبحار
وصانع الدمى
لنشرب أشد النبيذ ؛احمرارا
أنا لستُ أتياً لأجل أية قضية !؟
لقد أتيتُ هنا لأغني
أغنيتي اليائسة !؟
قصيدة سوناتا 6 لديوان " النشيد الشامل :
وهي ملحمة شعرية تجسد عذابات البشر ومأسي الأوطان
أصعد معي أيها الحب الأمريكي
حتى لو داستْ الأقدام ألف عام هذا المكان
فإنها لن تمحو دماء الذين سقطوا ألف ليلة
ستخيم بأجنحتها ا لقاتمة دون أن تقوض
المحطة الثانية : الوظائف والمسؤوليات والتوجه الأيديولوجي ، كانت الحرب الإسبانية الاهلية سنة 1936 دافعهُ الأكبر للانخراط في التوجه السياسي وذلك لقراءته الإنسانية الصحيحة لتلك الحرب ، فشارك فيها بشكلٍ طوعي ثم عاد لبلاده 1938 منتميا لحزب التحالف التقدمي الوطني وعين لاحقا قنصلا لتشيلي في المكسيك عام 1939 وبعد أربع سنوات عاد لبلاده عام 1943 وأنتخب لعضوية مجلس الشيوخ وأنظم حينها (للحزب الشيوعي التشيلي) وحصل على عضوية اللجنة المركزية ، ولم يتخل عن هذا الانتماء رغم ما سبب لهُ من مضايقات وضغوطات أضطر لتقديم استقالته من وظيفتهِ الدبلوماسية .
بعد (حضرْ) الحكومة التشيلية للحزب عُزِل من عضوية مجلس الشيوخ ففر إلى الأرجنتين وفي شباط 1949 أنتقل إلى المكسيك ثم إلى فرنسا ومنها إلى إيطاليا ، ولم يعد إلى وطنهِ ألا عام 1953 .
ترشح لرئاسة بلاده في انتخابات 4 سبتمبر أيلول 1970 لكنهُ أنسحب لصالح الشخصية الوطنية " سلفادور أليندي ".
شكلتْ المرحلة التي قضاها في زمن الأحداث السوداء مؤثرة في اتجاهاته الشعرية باستعماله اللغة الثورية أكثر من اللغة الرومانسية حتى لُقب بشاعر الشعب .
سوناتا 2 قصيدة " الغسق" من ديوان 20 قصيدة حب وأغنية يائسة !؟
الغسق
فقدنا مرة أخرى هذا الغسق
ولا أحد رأنا متشابكي الأيدي
بينما كانت القمة الزرقاء تهبطُ على العالم
رأيتُ من نافذتي
عيد المغيب على الهضاب البعيدة
لماذا يمكن أن يأتيني كل هذا الحبُ دفعة واحدة ؟!
قصيدة " الغزاة ”
النشيد الثالث ضمن ديوان النشيد الشامل لبابلو نيرودا والتي تصور وصول المستعمرون الإسبان ومباشرتهم تدمير الأرض بحثا عن الذهب والموت
وجاء الجلادون
ليقطعوا الأرض
بحثا عن الذهب والصلبان
حاملين معهم الموت والخراب
في سفنهم التي دمرت نقاء المكان
الوفاة : رحل بابلو نيرودا في ظروف غامضة بعد أيام قليلة من الانقلاب الأسود بقيادة (الجنرال بينوشيه) وهو أنقلابي يميني متطرف مدعوم من قبل المخابرات الأمريكية CIA ، لكن حكومة النظام تكتمت على الخبر معلنة بسبب مرض السرطان ، لكن شهادة سكرتيرهُ الشخصي ( مانوويل أريا ) صرح علناً : إنهُ عولج في المشفى الحكومي بحقنة قاتلة متوفيا يوم 23سبتمبر- أيلول 1973 .
المجد لك شاعر المقاومة والحب بابلو نيرودا
كاتب وباحث وناقد عراقي –ستوكهولم
أب – أوغسطس 2026







