في أمسيةٍ استثنائيةٍ جمعت بين أصل الإيقاع السومري وسحر المسرح الأوروبي، حوّل المقهى الثقافي العراقي في لندن فضاءه إلى ملتقىً للشرق والغرب؛ حيث امتزجت أنفاس الناي العراقي وأصداء ملحمة "كلكامش" بلمساتٍ سويدية راقية. استضاف المقهى عازف الإيقاع والناي العراقي العالمي ستار الساعدي، رفقة الممثلة والكاتبة السويدية أنجيلا كارلسون، في رحلةٍ موسيقية وفكرية أخذت الحضور في جولة بين جغرافيا العراق الإيقاعية وآفاق الفن الإنساني الشامل.

الفنانان ستار الساعدي (العراق) وأنجيلا (السويد) ينقران على أوتار الروح في المقهى الثقافي بلندن

كانت أمسية الشهر الماضي (تموز/يوليو 2026) للمقهى الثقافي العراقي في لندن ذات نكهة مغايرة، لاختلاف مضمونها وأسلوب عرضها عما سبقها من آماسٍ؛ إذ استضاف المقهى الفنان الموسيقي ستار الساعدي القادم من هولندا، والفنانة والكاتبة السويدية أنجيلا كارلسون القادمة من ستوكهولم، على خلفية موسيقية بالإيقاع والناي عزفها الساعدي.

جاء عنوان الأمسية: "النقر على أوتار الروح" تجلياً لمفرداتها؛ حيث قدم الفنان الساعدي عزفاً على آلاته الموسيقية الإيقاعية والناي، فيما جسّدت الفنانة أنجيلا مشهداً يحاكي ملحمة "كلكامش" وقرأت قصيدتها عنها.

أقيمت الأمسية مساء الجمعة 31 تموز/يوليو 2026 في العاصمة البريطانية، وحضرها جمهور غفير من الجاليتين العربية والعراقية. وأدارت الحوار الشاعرة والإعلامية دلال جويد، التي استهلت الأمسية بكلمة رحبت فيها بالحضور قائلة: "نرحب بكم في هذه الأمسية المتميزة من أمسيات المقهى الثقافي العراقي، حيث نحتفي بفنانٍ عراقي حمل حضارة بلاده وإيقاعاتها، وترجمها إلى لغةٍ عالمية يفهمها الناس في كل مكان دون حاجةٍ إلى مترجم... فالموسيقى، كما يقول ضيفنا، تدخل القلوب بلا استئذان".

وعن تقديم الضيف، أضافت جويد: "ضيفنا هو الفنان وعازف الإيقاع والناي الأستاذ ستار الساعدي؛ من مواليد بغداد عام 1967، وخرّيج كلية الفنون الجميلة – قسم المسرح بجامعة بغداد عام 1991. قصّته باختصار هي قصّة إصرار؛ فقد رده معهد الموسيقى في بداياته، فما كان الرفض إلا وقوداً؛ إذ صقل موهبته بجهده الشخصي، وتعلّم الرقّ والناي والعود بمثابرته وحدها، حتى صار اجتهاده الخاص حجر الزاوية في مسيرةٍ استثنائية. غادر العراق لا يحمل معه سوى ديوان السيّاب وآلة الناي، فاحتضنته هولندا ووفّرت له ما يحتاجه ليُظهر إبداعه. وخلال سنواتٍ قليلة وضع اسمه في مصاف الأسماء الموسيقية الأوروبية الكبيرة؛ فهو أول فنان عراقي في تاريخ هولندا يُدرّس الإيقاعات العربية والعراقية في المعهد العالي للموسيقى (كونسرفتوار أمستردام)، وفي مدينة ليل الفرنسية، كما نجح في إدخال الإيقاع الشرقي إلى معزوفات قدمتها فرق سيمفونية هولندية وألمانية وبلجيكية ونرويجية".

وعن منجزات الساعدي، أشارت الشاعرة جويد إلى مشاركاته وعزفه في أكثر من مئة مهرجانٍ عالمي، ونيله جوائز كبرى؛ من بينها الجائزة الأولى في أكبر مهرجانٍ يُقام في هولندا،(مهرجان حصان طروادة في لاهاي) حيث اختير كأفضل موسيقيٍّ من بين مئة موسيقيٍّ من مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى فوزه  بالجائزة الأولى في مهرجان الجبال العالمي بالنيبال بين أكثر من ثلاثين دولة. كما أشارت إلى تخصيص أحد المتاحف الهولندية -تقديراً لتجربته وتأثيره الثقافي- طابقاً كاملاً أقيم فيه معرض باسمه استمر لأكثر من سبع سنوات، عُرِضت فيه آلاته ولوحات توضيحية عن تجربته الإيقاعية ومنجزه الإبداعي ورحلته الحياتية، لتسرد للجمهور الأوروبي سعيه الدؤوب في تطوير أدواته الفنية وعصاميته ومثابرته في غربته.

وقبل أن تحيل الحديث للضيف، قالت الشاعرة دلال: "الليلة نستضيفه لنغوص معه في أسرار هذه الرحلة، بين الكلمة والإيقاع والناي. فأهلاً وسهلاً بالفنان ستار الساعدي، أستاذ الإيقاعات والموسيقى الشرقية في كونسرفتوار وجامعة أمستردام في هولندا".

الإيقاع.. نبض الحياة والوجود

بعد أن أعرب عن سعادته بهذا اللقاء الذي كرّسه بالأساس للحديث عن الإيقاع وموقعه في الموسيقى، بدأ الفنان ستار الساعدي تعريفه قائلاً: "الإيقاع هو نبض الحياة ونبض الموسيقى وروحها التي جُبل الإنسان عليها منذ الخليقة". واعتبر أن الطبيعة بكينونتها كافة - بما فيها الحيوانات والمياه والفصول والحركات- لا تسير إلا بإيقاع أشكال وأزمان وأنماط وسمات معينة، ينظم الأصوات والصمت عبر الزمن. ومن وظائفه الرئيسية خلق شعور بالحركة الموسيقية والإبداعية، أما الدور الأهم في ذلك فيلعب التوقيت والحساب الرياضي للعلم الفيزيائي للصوت (الميلودي والتوقيت).

وأشار إلى تنوع الإيقاع بين الثابت والسريع والبطيء، وأنه يمثل الهيكل الأساسي الذي تُبنى عليه الأغاني والموشحات والألحان في الشعوب والثقافات كافة.

وأردف الساعدي: "عَرَفنا أن منزلة عازف الإيقاع وضارب الطبل لدى السومريين والبابليين كانت مكانة مجتمعية عالية وروحية رفيعة للغاية؛ إذ اعْتُبِرت آلات الإيقاع والطبول الكبيرة (مثل طبل "البالاق" أو "الليليس") تصدر أصواتاً مقدسة تُستدعى بها هيبة الآلهة وتُرفع إليها تضرعات البشر، وكان يُخصَّص للطبل المقدس حارس برتبة كاهن عظيم. وكان من ضمن ممارساتهم أيضاً طقوس وشروط صارمة لصنع الطبول آنذاك؛ حيث يُؤخذ جلد الطبل من ثور طاهر لم يعلُ رقبته نير، وتُقام له مراسم تطهير بالدقيق والكحول".

مفهوم الإيقاع والجغرافيا العراقية

استوقفت الشاعرة جويد ضيف الأمسية بطرحها هذا المحور عبر التساؤلات التالية:

·         حبذا لو تحدثنا أستاذ ستار عن مفهوم الإيقاع بالنسبة لك؟ وعلى ماذا يرتكز الإيقاع وعازفه ليصنع الأثر المطلوب؟

·         هل نستطيع أن نرى العراق، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، متجسّداً ومقروءاً في إيقاعاته المختلفة؟

توجه الضيف إلى اللوحة وشرح للحضور السلم الموسيقي للإيقاعات المختلفة، ذاكراً الفروقات فيما بينها، ومقدماً نماذج بالعزف والغناء. ثم تناول الساعدي أنواع الإيقاعات العراقية والعربية والكردية مع إعطاء نماذج عملية على الآلات الإيقاعية كالطبلة والرق والخشبة والطار والكونكا والمرواس.

كما وضّح بشكل مبسط كيفية قراءة الأزمنة الإيقاعية البسيطة والمركبة، وسط تفاعلٍ كبير من الحضور؛ إذ كانوا يشاركونه ترديد الأغاني التي كان يؤديها مع الأمثلة. وقد خلق هذا الجانب جواً حميماً في القاعة التي صدحت فيها أغانٍ أشاعت الفرح والحنين إلى الوطن.

الفنانة أنجيلا كارلسون: حوار الشرق والغرب

ثم رحبت مديرة الأمسية بالفنانة السويدية أنجيلا كارلسون تمهيداً لظهورها قائلة: "يشاركنا هذه الأمسية ضيفة من السويد، هي الفنانة أنجيلا كارلسون، التي تلتقي موهبتها مع إيقاعات الساعدي في حوارٍ فنيٍّ جميل بين الشرق والغرب... مرحباً بها في لندن".

ثم قدمت إيجازاً لسيرتها الذاتية: "درست أنجيلا كارلسون في ستوكهولم وأوبسالا ومدريد ولندن. عرفت منذ طفولتها طريقها إلى المسرح والموسيقى، فصارت تكتب مسرحياتها وقصائدها وتُخرجها وتؤدّيها بنفسها. قدّمت عروضها في إنكلترا وأسكتلندا وويلز والأوروغواي والبرازيل ونيويورك والصين واليابان وتايوان والبوسنة وكرواتيا. ونالت جوائز عن مونولوجها عن جان دارك، كما أقامت معارض لأعمالها في الفنّ التجريدي ونشرت شعرها. جعلت من ستوكهولم مقراً لها؛ حيث تعمل فرقتها في (تياتربيغارن - Teaterbägaren))، ومن العالم مساحة لعروضها المتنوعة، وهي تعمل من أجل السلام بالتعاون مع فنانين آخرين، وهو ما يلتقي مع رسالة ضيفنا ستار الساعدي في مدّ جسور المحبة عبر الفن".

وحين توجهنا بعد انتهاء الأمسية إلى الممثلة والكاتبة السويدية لسؤالها عن سبب اختيارها وكتابتها لمشهد مسرحي يتناول ملحمة وادي الرافدين الشهيرة (كلكامش)، وتمثيلها لهذا المشهد بالذات، إضافة إلى انطباعها عن هذا الإرث الحضاري وما يعنيه للإنسانية، أرسلت لنا النص التالي:

لماذا كلكامش؟ نص: أنجيلا كارلسون "كلكامش أكثر حداثة من أي وقت مضى. استمع إلى أصوات الحكماء من الماضي – أصوات: كلكامش، حمورابي، عشتار، دانتي لتفهم مغامرة أن تكون إنسانًا. إنها مصدر المعرفة، الشعر، الفن، الفلسفة، والرسالة العالمية التي تتجاوز الزمان والمكان والحضارات. يمكن للإنسان أن يتبع الرحلة الموجهة بواسطة دليلين مثل كلكامش ودانتي في البحث عن الحقيقة خارجياً ليجدها أخيرًا في داخله؛ فهي نقطة لقاء ثمينة بين الشرق والغرب. استمع إلى ملحمة كلكامش الغنية القادمة من آلاف السنين، فمن خلالها تفهم المستقبل. أنا، أنجيلا كارلسون، ممتنة لأن لدي شرف الأداء مع الموسيقي الموهوب والمتعدد القدرات ستار الساعدي في لندن؛ فستار يمتلك معرفة وفهماً عميقين لثقافة وتاريخ وموسيقى بلاد الرافدين، ويبني جسوراً بين الماضي والمستقبل، وبين الشرق والغرب".

محاور الأمسية ومجرياتها

كان هيكل بناء الأمسية قد اتفق عليه كل من الشاعرة جويد والفنان الساعدي؛ حيث صيغت الأمسية في محاور قدمتها مديرة الأمسية على هيئة تساؤلات، يجيب عنها الضيف بتفصيل يجمع بين السرد الحياتي والمعلومات التوثيقية.

تناول المحور الأول المسيرة الفنية للضيف وتجربته الأوروبية، فقال: "عزفت مع عددٍ كبير من المطربين والمطربات في العراق وخارجه". وعن أبرز المحطات التي مرَّ بها أوضح: "لم أدرس الموسيقى أكاديمياً في البداية؛ إذ رُفِض قبولي في معهد الدراسات النغمية لأسباب سياسية (كون والدي شيوعياً ونزيلاً في سجن نقرة السلمان)، فدرست المسرح في كلية الفنون هروباً من الخدمة العسكرية أثناء الحرب. إلا أنني لم أدخر جهداً في التعلم الذاتي للعزف على الإيقاع والتعرف على أسرار الموسيقى النظرية، ثم غادرت الوطن في أول فرصة حتى وصلت إلى هولندا التي استقبلتني، وفيها واصلت شغفي بالتعلم وتطوير قدراتي الفنية".

وهنا انتقلت الشاعرة دلال إلى محور آخر فسألت:

·         كيف حوّلت الاجتهاد الشخصي إلى منصّة أستاذيةٍ في كونسرفتوار وجامعة أمستردام؟ وما قصة الطابق الكامل الذي خُصّص لك في أحد المتاحف الهولندية لأكثر من سبع سنوات، وكيف وقع عليك الاختيار؟!

سرد الفنان الساعدي الحكاية بإيجاز، مبيناً أن المنفى الهولندي وفّر له الإمكانيات الحياتية والمادية لينصرف كلياً إلى فنه. ومع مضي الوقت، اندمج بالمجتمع الفني وقدم نفسه للفرق الموسيقية، ووجد اهتماماً متزايداً بالموسيقى الشرقية؛ مما مكنه من إدخال الإيقاعات الشرقية وآلة الناي في الكونسيرتات، وتدريب فرق كورال على أداء الأغاني العربية، وهو ما أهّله لتدريس الموسيقى في الكونسرفتوار.

أما عن الجناح المخصص له في المتحف الهولندي، فقد جاء عن طريق مخرج هولندي ذُهل بمسيرته وتفرده كلاجئ وصل إلى هذا المستوى بدون دراسة أكاديمية؛ فكُرِّم بإقامة جناح تحكي معروضاته (من آلات موسيقية ومتعلقات شخصية، حتى المعطف الذي غادر به العراق) قصة نجاحه.

شعر وتأليف ومفاجآت

تضمنت الأمسية محاور أخرى متعددة؛ إذ دعت مديرة الأمسية الضيف لقراءة بعضٍ من شعره، وجرت بينهما مساجلة شعرية. كما قدم الساعدي معزوفات من تأليفه؛ فعزف مقطوعته "السفينة الغرقى" التي ألفها تخليداً لضحايا اللاجئين العراقيين الذين غرقوا في طريقهم إلى أستراليا. كما دهش الحضور عندما قام بصنع آلة ناي أمامهم من أنبوب بلاستيكي أحدث فيه سبعة ثقوب وعزف عليه مقطوعة شجية.

تفاعل وانطباعات

يحظى نشاط المقهى بمتابعة الآلاف على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وقد شهدت الأمسية تفاعلاً واسعاً من الحضور والمتابعين الذين سجلوا انطباعاتها وآراءهم. ونقترح على القراء الكرام مشاهدة مجريات التوثيق التلفزيوني للأمسية عبر الرابطين التاليين على فيسبوك:

https://www.facebook.com/reel/1059764343181551

وعلي اليوتيوب:

https://youtu.be/bP9-fxoX3mw

 واسترعى الانتباه تعليق مهم على قناة اليوتيوب كتبه الفنان صفاء الساعدي، مدرس الموسيقى الشرقية في الأكاديمية النرويجية للموسيقى في أوسلو، نقتطف منه:

"عندما يبحث الإنسان عن الإبداع، أو يسعى لأن يكون مبدعًا بحق، فإنه لا ينتظر وفرة الإمكانيات، بل يحوّل أبسط الأدوات وأقل الموارد إلى أعمال خالدة تنبض بالجمال. فالإبداع الحقيقي لا يولد من الترف، وإنما من الشغف والإصرار والإيمان العميق بالفكرة. ولا يولد الفنان الحقيقي الأصيل إلا من رحم المعاناة؛ فالألم يصقل الموهبة، والصبر يبني الشخصية، والتجارب تمنح الفن صدقه وخلوده. ومن هذا المنطلق، فإن اختيار الفنان ستار الساعدي لإحياء هذه الأمسية الثقافية كان اختيارًا موفقًا بكل المقاييس؛ فهو فنان يمتلك أدواته باقتدار، ويحمل تجربة فنية وإنسانية ثرية استطاع من خلالها أن يترك بصمة مميزة على المستويين الأوروبي والعالمي. وما يميزه أكثر هو أسلوبه البسيط والعميق في آنٍ واحد، ولغته الفنية الراقية التي تصل إلى جميع الناس بمختلف ثقافاتهم، لأن الفن الحقيقي يخاطب القلوب مباشرة كما جسدت هذه الأمسية التي احتضنها المقهى الثقافي العراقي في لندن".

وفي ختام الامسية قدم الفنان فيصل لعيبي صاحي من أسرة المقهى باقتي ورود للضيفين الساعدي وانجيلا شاكرا لهما تلبيتهما لدعوة المقهى وتقديمهما لهذه الأمسية المتفردة والمميزة .