
النص استثنائي في قدرتهِ على الاختزال، فهو لا يصف شارعاً،
بل يبني عالماً كاملاً مِن الاغتراب في بضعة أسر.
جمال النص يكمن في إيقاعهِ المتصاعد: يبدأ بالرصد البارد للزحام، ثم يلمح عبثاً صغيراً – رجل يذهب ويعود بِلا هدف
لا يلحظه ُ لا شرطي المرور، لا سيارة النجدة، ولا الصبيان الأشرار، ولا المارة.
وينتهي بقفزة فلسفية جريئة، يسأل فيها راصد المشهد:
إن كان مجرد (كائن نصي) أو (لطخة فرشاة رسام)
أو (غيمة بخور).
هو نص قاتم، شعري ومشبّع بدلالات الوحدة والتلاشي
في المدينة الحديثة.
(*)
مرور
مقداد مسعود
سيل ٌ قاتم ٌ من المارة لا يتوقف، مصابيحَ المركبات تنظفُ
وجوهَهم.
خانسا ً دخل المدينة هذا المساء، كأنه طيرُ ضل َ من سربهِ
فسقط في نفقٍ أعور.
مارة ٌ يهرولون في عبورهم. مارةٌ بِلا ملامح، كأنهم ظلال
ترتجف. يظهرون ويختفون في سيلٍ من المارة القادمين
من الرصيف المقابل.
مَن ذا؟ يأتي من الرصيف المقابل ويعود إليه؟
بعد ثلاث دفعات من العابرين.
يحدثُ ذلكَ ليلة َ الأحدِ والثلاثاء وضحى الجمعة
ما من أحدٍ فاطنٍ:
لا شرطي المرور
لا سيارة النجدة
ولا الصبيان الأشرار
هل هو كائنٌ نصي؟
ربما هو لطخة ُ فرشاةِ رسامٍ،
أو..
قد يكون ما تفقسَ مِن غيمة ِبخورٍ
في الطابق التاسع.







