
اختار الصديق مقداد نصا للقاص موسى كريدي يفتح أبواب التأويل على مصاريعها، ويكشف جانباً مغايراً من تجربة موسى كريدي الإبداعية. فقصة (عند حافة البحر) ليست مجرد حكاية، بل رحلة في البحث عن المعنى، حيث يتحول البحر إلى رمز للحياة، والرمل إلى هشاشة الأحلام، والسماء الرمادية إلى أسئلة الوجود التي لا تنتهي. لقد سبق موسى كريدي زمنه في بناء هذا العالم الرمزي، ولو واصل الكتابة بهذا المنحى
لكان أحد أبرز مؤسسي القصة القصيرة الحديثة في العراق. رحم الله المبدع الكبير، وأحسنتم يا صديقي مقداد في إعادة إحياء هذا النص الجميل وإضاءته نقدياً
عند حافة البحر
موسى كريدي
كان الطريق موحشاً وكانت خطاي تغتسل في بركة موحلة بينما تلهث مدينتي كالكلب وتتراجع خلفي، واذ تتواثب خطواتي، ينشق الدرب عن رجل كهل .. كان الرجل الكهل قصيراً، وكانت عيناه تدوران ابداً .. سألني الرجل:
- إلى أين؟
- إلى المنعطف الآخر
- وماذا تريد؟
- انني أبحثُ
تبحث عن ماذا ؟
ابحث عن عمل .
وصمت الرجل الكهل لحظة ثم قال:
أتعمل معي؟
وبنبرة صافية سألته:
وماذا تشتغل يا عم؟
فقال :
- انني اشتغل في جمع المحار.. الا يروقك هذا؟
قلت له دون أن أفكر:
حسناً
وقادني الرجل الكهل ، سرت بمحاذاته ، صعدنا معاً ، كان التلُ بنفسجياً غامقاً ، عميق الانحدار .. لم نتعب .. ووصلنا مهبط البحر. وقف هو على صخرة بيضاء كبيرة وجلست انا قرب العشب الناعم، كانت الشمس خلف التل :
تقدم إلى البحر .
قالها بصوت مغسول بالثقة :
)وتقدمتُ بحذر(
- لا تخف
قالها بقوة
)ودنوت من فم البحر (
قال الرجل:
اغمس كفيك .. اغمس كفيك
)غمستها) .. قال :
أبعد .. لا تخف.. ستمتلئ كفاك ...
(وسألت نفسي ماذا تمتلئ) ؟
غاصت كفاي في العمق المجهول .. تحسست دفء الطين ، كانت ريح تصفع انفي..
قال الرجل الكهل : - اخرج كفيك
(اخرجتهما)
كانت يداي ممتلئتين ، وفجأة تراخت اصابعي .. وتساقط الرمل حبات حبات .. كانت حبات الرمل بيضاء متوهجة نقية نقاء البحر ، لم أقل شيئاً ، لم ار صفحة البحر ، نظر إلي الرجل الكهل وقال :
- انظر إلى السماء ...
(وتحيرت نظراتي)
وقبل ان يبتعد الرجل عني ،نظرت إلى السماء .. لم تكن زرقاء ..كانت السماء رمادية .
(*)
(مقداد مسعود)
هذه القصة ضمن المجموعة القصصية (أصوات في المدينة) للقاص موسى كريدي. المجموعة الأولى للقاص، منشورات المكتبة العصرية في بيروت 1968 سبق وأن تناولتُ قصص موسى كريدي في مقالة منشورة في هذا الموقع الثقافي، في شهر آذار 2026 وتقصدتُ تأجيل الكلام عن هذه القصة التي لا شقيقات لها في هذه المجموعة ولا في مجاميعه التي بين يديّ(أصوات في المدينة) (فضاءات الروح) (غرف نصف مضاءة) أما (خطوات المسافر نحو الموت) لم أعثر عليها في مكتبة البيت. للأسف لم يحاول الأستاذ موسى كريدي (طيّب الله ثراه) أن يهبنا مجموعة قصصية ضمن هذا المنحى. لو فعلها لأسس نوعاً قصصيا جديداً في القصة العراقية.







