"ليلى والذئب" قصيدة للشاعر العراقي أجود مجبل. استلهم فيها قصة (ليلى والذئب) المشهورة، ليبني عليها قصةً شعريّةً مغايرةً.

   قصة ليلى والذئب التراثية الكلاسيكية المعروفة، نُشِرت أول مرة عام 1698م للكاتب الفرنسي شارل بيرو، حكايةً عن الصراع بين الخير والشرِّ، وبين الغدر والطيبة، وبين الخداع والبراءة. ربما كان هدف المؤلف من كتابتها هو التنبيه وتحذير الناس، والأطفال خاصةً - لأنّها حكاية مكتوبة للأطفال في الأساس – وتحذيرَهم من الوقوع في خطر الغدر والخيانة، والحيلة والمكر والخداع.

   هذه الرواية التي أخذت شهرة عالمية واسعة، وتُرجمت الى لغات كثيرة، أحدثتْ أثراً سحريًّا بالغاً في نفس كلِّ مَنْ قرأها، وخاصةً الأطفال؛ لتميّزها بعنصر الإثارة، وشدِّ القارئ، والأحداث المثيرة للمتابعة، وبالخصوص اختيار ليلى طفلةً بريئةً صافيةَ النفس، والذئب بما عُرف عنه من غدرٍ، ووحشيةٍ وافتراس، والغابة بما تمتاز به من عمق وغموض وظلام، وطرقٍ ملتفةٍ صعبةٍ شائكة، وما تبثُّه من الخوف والرعب، والحذر والتوجُّس، إذ تمتلئ بالحيوانات المتوحشة، والأدغالِ والتضاريس الملتوية، والطرق الضالّة.

  تحوَّلت الحكاية مع الزمن، وبالتأويلات المختلفة، والنظر والتفسير والتحليل، تحوّلت من مجرد حكاية للأطفال الى نصٍّ ذي أبعاد عديدة: بُعدٍ فلسفيٍّ، وبُعد سيكولوجيٍّ نفسيٍّ، وبعد اجتماعيٍّ، وسياسيٍّ، ليتناولها كلٌّ مِنْ زاوية رؤيته، وتحليله.

   شقَّت القصةُ طريقَها أيضاً الى الفنِّ المرئيِّ والمقروء، السينمائيّ، وأفلام الرسوم المتحركة، ومجلات الأطفال. كما أنّها ألقتْ رحالَ تأثيراتها لتصلَ الى الأدباء والفنانين، ليستلهموها في نصوصهم، ويضيفوا عليها منْ وحيهم وتجاربهم، وأفكارهم، وإبداعهم، مضامينَ تتجاوز أصل الحكاية، لتُغنيها بمُلهماتِهم، وأحاسيسهم، وعواطفِهم، وأخيلتهم، وفكرهم. وكلُّ هذا يعود إلى سحر وجمال، وعمق الحكاية، مع شعبيتها التراثية.     

    مِنَ الذين استلهموها، واستوحوا منها مضامين ومعاني أخرى الشاعر العراقي أجود مجبل، في قصيدته الموسومة بـ "ليلى والذئب". وهي قصيدة كتبها على الشكل العمودي الكلاسيكي الموزون والمقفّى، الذي عُرفَ به، وهو مِنْ فرسانها المُحدَثين.

    اعتمدت القصيدة في صياغتها على فنِّ (الشعر القصصيّ)، الذي هو أحد أنواع الشعر - كما قُسِّمَ منهجيّاً مدرسيّاً كلاسيكيّاً - إلى جانب الأنواع الأخرى، ويمكننا تسميته بـ(الشعر القصصي الوجداني/العاطفي)؛ فالقصيدة قصة وجدانية، كُتبتْ شعراً، وبكلِّ اشتراطات وقوانين، وخصائص، وعناصر فنِّ القصة السردية:

- الشخصيات: والقصيدة تدور حول شخصيتين، ليلى والذئب.

- الأحداث: في القصيدة مجموعة من الأحداث التي هي محورُ الحكاية.

- الحبكة: للقصة المحكيّة في القصيدة، كما القصة الفنيّة عموماً، بداية ووسط (الصراع)، ونهاية (الخاتمة)، وما في مجرياتها من صراع، وحركةٍ، وشدٍّ وجذبٍ، وأحاسيس، وعواطف متضاربة مضطربة، ومتصارعة.

- الفكرة: في القصيدة فكرة وموقف، يريد الشاعر إيصالها الى المتلقي من خلال اختياره الحكاية، ومضمونها، وربطها بقصة ليلى والذئب.

   القصيدة مع عناصرها وخصائصها هذه عبارة عن قصة حبٍّ شعرية: الراوي (الذئب) أحد بطليها، والشخصية الثانية هي الحبيبة (ليلى). قصة حبّ تراجيدية. بمعنى أنّ الشاعر أجود مجبل أستوحى من الحكاية جانباً آخر من دلالاتها، وهو الجانب الوجداني العاطفي، فحوّلها الى قصة غرامية ذات طابع درامي تراجيدي حديث.

   قلبَ الشاعرُ معادلةَ: ليلى/البراءة والطيبة، والذئب/الخداع والغدر والخيانة، لتتحوَّل عكسيّاً في القصيدة إلى: ليلى/ الخداع والغدر والخيانة، والذئب/البراءة والطيبة والغفلة.

  فكان الصراعُ (الحبكة) بين نوازع الحبِّ والخيانة، لتصلَ إلى نهايتها المأساوية، التي تذكّرنا بالتراجيديات الكلاسيكية.

  تبدأ الحكايةُ (البداية) على لسان الذئب (العاشق/الراوي)، ليُمهِّد للقارئ ما يشعرُ به الذئب (المتهم الجاني) المغضوب عليه، فيردُّ:

الذِّئبُ قالَ : أنا لمْ أفترسْ أبَدًا

ليلى ،  وما أنا شِرِّيرًا لِأقتُلَها

 ما كنتُ في سابِقِ الأيّامِ أعرِفُها

ولا دَخَلْتُ على الإطلاقِ مَنزِلَها

 هنا يبرِّئُ الذئبُ نفسه من دم ليلى. ويواصلُ روايته:

هيَ التي أرسلَتْ لي في مُناسَبَةٍ

هَدِيَّةً وتَرَجَّتني لِأقبَلَها

 وفي الهَديَّةِ أخفَتْ رَقْمَ هاتِفِها

وصورةَ امرأةٍ والوردُ كَلَّلَها

 فيها رسالةُ حُبٍّ زانَها وَرَقٌ

مُلَوَّنٌ ورَذاذُ العِطرِ بَلَّلَها

 

  نجدُ مما تقدَّم عنصرَ السرد، الذي بُنيتْ عليه القصيدةُ. وتسلسل الأحداثِ، فهي قصة حبٍّ بدأت من ليلى، وليس من الذئب، ليلى التي تحرَّشت واتصلتْ به، وأغوته، وخدعته؛ لتُوقعَه في حبائلها (الخديعة)، وهي تخطِّطُ من البداية لشيءٍ فاجع قادم مغايرٍ، لا يمتُّ للحبّ بصلةٍ.

   ونواصلُ رحلةَ السردِ والحكاية، والخداع والتخطيط لخيانةٍ، وغدرٍ قادمين، رحلةَ السرد الشاعريّ، وعلى لسان الذئب:

فيها رسالةُ حُبٍّ زانَها وَرَقٌ

مُلَوَّنٌ ورَذاذُ العِطرِ بَلَّلَها

 قالتْ : أحِبُّكَ يا ذِئبًا حَلِمْتُ بهِ

بَلْ صِرتَ آخِرَ أحلامي وأَوَّلَها

 فأنتَ جائزتي الكُبرى أفُوزُ بِها

ومِنْ أماني فَتاةٍ كُنتَ أجمَلَها

 كُنْ فُندُقًا لِحياتي أستريحُ بهِ

وكُنْ لِأرضٍ غَزاها الجُوعُ سُنبُلَها

 وهذهِ جَدَّتي أيضًا تُحِبُّكَ يا ذِئبي الجَميلَ،

وهذا الشَّوقُ أثْقَلَها

   إذن هذه هي ليلى المبادرة في الاتصال والاحتكاك، وعرض حبِّها الخادع على الذئب البريء (من دمها). ثم تتواصل الأحداثُ في القصة، فينخدع الذئبُ، ليقعَ في الفخِّ المنصوب مِنْ ليلى:

صَدَّقْتُ لَهفَتَها حتى كَتبْتُ لَها

شِعرًا عنِ الحُبِّ مِثْلَ الخَمْرِ أثْمَلَها

فكُنتُ أبدُو كطفلٍ جائعٍ

وأبُوهُ ابتاعَ حَلوى لَهُ يومًا لِيَأكُلَها

   يأخذنا الشاعر في روايته، وعلى لسان الذئب (الرجل) المخدوع، الذي يقع في حبائلها، فيواصل سرديته التراجيدية:

لكنَّها خَطَّطَتْ بِالحُبِّ تَخدَعُني

حتى أُشَيِّدَ بيتَ العاشقينَ لَها

 وبَعدَما اكتمَلَ البيتُ الذي حَلِمَتْ

بهِ كثيرًا وآواها وظَلَّلَها

 هُناكَ إذْ لمْ تَعُدْ تحتاجُني غَدَرَتْ

بِمَنْ إلى غَدِها المَضمونِ أوصَلَها

 سَعَتْ لإسقاطِهِ في خُطَّةٍ رُسِمَتْ

وهو الذي ما سَعى إلّا لِيَحمِلَها

   فما الذي حدث بعد هذا؟ وقعَ المحظور، وانكشفت اللعبةُ، لتصلَ الحكايةُ الى قمّةِ توتُّرها، حيث الصراعُ الدرامي وسط القصة، والمفاجأة التي اكتشفها الذئبُ (العاشق):

هُناكَ إذْ لمْ تَعُدْ تحتاجُني غَدَرَتْ

بِمَنْ إلى غَدِها المَضمونِ أوصَلَها

 سَعَتْ لإسقاطِهِ في خُطَّةٍ رُسِمَتْ

وهو الذي ما سَعى إلّا لِيَحمِلَها

 فَسَمَّمَتْ كأسَ شايٍ كان تَذكِرَةً

لِرِحلَةٍ حَرَصَتْ أنْ لا يُؤجِّلَها

   ماذا فعل الذئب بعد معرفته بالغدر والخيانة والفخّ، والخطّة التي وضعتها ليلى ورسمتها:

وحِينما انشغَلَتْ عنِّي بِهاتِفِها

قَرَّبْتُ مِنْ كَأسِها كَأسي لِأُبْدِلَها

 وهكذا هي ماتَتْ موتَ خائنةٍ

وبعد عُمْرٍ عَجيبٍ صِرتُ أَرمَلَها

 رِوايةٌ صَعبَةٌ لمْ تَكتمِلْ، فُقِدَتْ

أوراقُها، ثُمَّ جاءَ المَوتُ أكمَلَها

 كانتْ نِهايةَ حُبٍّ غَيرَ شائعةٍ

للآنَ لَمْ أستطِعْ حتى تَخَيُّلَها

 

  هنا تنتهي القصة بحكمةٍ، وهو بيتُ القصيد، الذي أرادَ الشاعر أجود مجبل إيصالها للمتلقي، وهي خلاصة تجربة خداع وغدر وخيانة رومانسية وجدانية:

ما أقبحَ الغدرَ إنْ سَنَّتهُ بُلْبُلَةٌ

تَخُونُ بعدَ ربيعِ العُمْرِ بُلْبُلَها

   وهكذا تنتهي حكاية ليلى والذئب في هذه القصيدة، بالرؤية الشاعرية واستلهامها، وتماهيها مع الرواية، وقراءة صائغها الشاعر أجود مجبل، تنتهي بمأساة، وتراجيديا صاخبة، لتدخلَ عالمَ التراجيديات الكلاسيكية، ذاتِ النهايات الدرامية المحزنة الصادمة.

 الانتقام العادل؟:

   في القصيدة يبرز انتقام العاشق/الذئب كردِّ فعلٍ وجزاء عادل، لما تعرّض له من غدر وخيانة، في محاولة ليلى اغتياله بوضع السُّمِّ في شرابه. وهي عقوبة عادلة لمحاولة اغتيال. فالشاعر يريد ان يقول بأنّه ليس كلُّ ظاهر حقيقة، ولا كلُّ حكايةٍ مرويَّةٍ بصادقة. قد يكون العكس هو الصواب. وهذا تأويلٌ وقراءة إبداعية مُستلهَمة من الحكاية ومتناصّة معها، وهي دلالة على عمق قصة ليلى والذئب التراثية، وما تحمله في طياتها من دلالات ورؤى مختلفة، وفي فهم وتفسير وتأويل مغزى الحكاية. كما إنّها إشارة لأثرها البالغ في نفس الشاعر؛ مما ألهمته وأوحت إليه بهذه القصيدة القصصية الشعرية الجميلة والمؤثرة.

 السلاسة الشعرية في السرد :

  تمتاز هذه القصة الشعرية للشاعر أجود مجبل بسلاستها وحرارتها، وإحساسها، وبلاغة لغة شاعرها الحاذق في صنعته، بحيث أنها تنقاد له بسهولة ويسر وانسيابية شاعرية وجمال. وكان لاستلهام قصة ليلى والذئب، وقلب معادلة الصياد والضحية، قد أضفت على القصيدة عنصر الإثارة، والشدِّ، والسرد المُحكَم شعرياً. فهي قصيدة شعرية وجدانية، ذات حبكة فنية سردية متقنة الصنعة الشعرية العالية، بحيث أنَّ المتلقي حين يبدأ قراءتها ومن خلال حرارة العاطفة والأحاسيس التي تغمرها، وتنبض بها الصياغة اللغوية والبلاغية والتصويرية، يتوقع القارئ انها ستتغزل بالحبيبة ومفاتنها، لكنه بعد التوغل في مفاتن الأبيات وجمال اللغة ورقتها وسهولتها وسلاسة صياغتها، وبساطتها المعتمدة على السرد والقريبة من وعي وإدراك المتلقي بمختلف مستوياته المعرفية، يتفاجأ هذا القارئ بالأحداث، ونهايتها المفجعة.

    نحن أمام فيلم مقروء، مخرجه هو الشاعر، وأدواتُ الإخراج هي الشعر واللغة، والصور التعبيرية بالكلمات، المصاغة بدقة فنية عالية، فهي لا تخرج الى التصوير الفوتوغرافي الجامد المتكلف، إنّما الى التصوير بحركة الألفاظ واللغة والشعر، والوزن والقافية، والعواطف والأحاسيس الحارّة، بحيث يشعر القارئ وكأنها تجربة شخصية حقيقية عاشها الشاعر؛ بسبب دقّة وعمق وقوة الصياغة والسرد المُحكَم، وما تحتويه من إثارة وحركة وشدٍّ وتوتر، وأحداث وعواطف جيّاشة مضطربة.