
يستوقفنا عنوان النص (يطوي سجاجيده وينشرها) بمفارقتهِ البصرية والجمالية، إذ أن السجاجيد توضع عادة على الأرض
للصلاة أو للجلوس، في حين أن فعل (يطوي) يوحي بالانكماش ويأتي(وينشرها) عكساً له، وهذه الثنائية ربما تعبر عن اتساع نفسي يعقبه تقلص، أو عن زمن يمتد ثم ينطوي. كما تحمل السجاجيد دلالة استعارية محتملة للماء حين يتموج، أو للضوء حين ينعكس، أو للزمن نفسه ينطوي وينبسط، ويخلق العنوان توقعاً بشيء طقوسي صوفي تُطوى فيه الأشياء ثم تُنتشر.
يُبنى النص على تقنية التدفق الشعري والانتقال بين المشاهد دون مقدمات منطقية، مما يمنحه ُ طابع الحلم. نرى تحولات متتابعة:
من سفينة تمخر البحر إلى سطحها، ثم إلى (بلم عشاري) بمحاذاة الشط، ثم ظهور فتيان يحتسون العنب، وأخيراً طفل وسط هالة من النوارس، لتنتهي الجملة ب (ولم استيقظ) مؤكدة أن النص بأكمله كان حلماً أو حالة بين اليقظة والمنام. هذه التقنية تذكرنا بالشعر السريالي أو الكتابة التلقائية، حيث تخضع الصور لمنطق الحلم وليس لمنطق السببية الواقعية، فالنص لا يسرد قصة بقدر ما يرسم لوحات تتوالد ذاتياً.
الصور الشعرية هنا بصرية وخيالية بامتياز، فأولها قوله (تجعل البحر وديعاً وحين ترسو يهتاج البحر كمصارع شرير) هذا التجسيد للبحر يقارنهُ في حالة الهياج ب( مصارع شرير)
ويكشف عن عدم استقرار الوجود، إذ أن الهدوء مؤقت وسطحي بينما العنف كامن في الأعماق أو عند الرسو. تأتي بعد ذلك صورة
إطعام الطيور (بسطتُ راحتيّ الحافيتين فامتلأت فتيت خبزٍ،
النوارس غمرت الرحتين، كلما التقطت من الفتيت صار يربو)
وهنا تتحول العملية إلى معجزة حيث يربو الفتيت ويزداد وهناك نزعة روحانية واضحة تشبه بسط اليدين للدعاء لكن ما يملأهما
هو الخبز المادي، والطيور هنا تشبه ملائكة تبارك الفعل الطقوسي. أما في صورة (فتيانٌ يحتسون العنب فتسيل الأشعار من شفاههم وأناملهم) فاحتساء العنب يتحول شعريا إلى انسياب الشعر من الشفاه وأناملهم، والعنب هنا أقرب إلى نبيذ الشعر، رمز الخمرة الصوفية والإبداعية. ثم يصل النص إلى قمرٍ (يتماوج مع الموج وهو يطوي السجاجيد وينشرها على الساحل) حيث أصبحت السجاجيد بلا شك هي أمواج البحر أو انعكاسات ضوء القمر على
سطح الماء، وفعل الطي والنشر يحول الضوء السائل إلى قماش يطوى ويفرد، مما يضفي ملمسا ماديا على المشهد، ويلاحظ هنا
أن النص يأتي مطابقاً للعنوان نفسه عندما يصف القمر بهذا الفعل
المزدوج.
أما الرمزية فتحضر بقوة: النوارس تظهر كرسل، تملأ الراحتين
وتشكل هالة حول الطفل، والنوارس هنا روح النص والانتقال بين السماء والماء، وهالتها تشبه هالة الورعين مما يجعل المشهد شبه ديني. والطفل رمز النقاء والأمل والبداية، ظهوره مبتسماً وسط الهالة، هو ذروة الرؤيا الحلمية، وقد يكون الأمل المستعاد أو رمزاً
لطمأنينة الإيمان واليقين خاصة مع الهالة التي حوله. ويأتي البلم العشاري ليمثل القارب الصغير، قارب النجاة البدائي، في مقابل السفينة الكبيرة، لعله يرمز إلى العودة إلى البساطة بعد فخامة البحر. وأخيراً حين يحاول المتكلم مناداة الطفل(يتحول صوتي حبلاً من غصون لبلابة) فهذا تحول غريب وجميل حيث يصبح النداء
حبلاً من أغصان نبات متسلق، والحبل يرمز إلى التواصل والامتداد، واللبلاب يرمز إلى التشبث والارتباط بالحياة، لكن الأجمل أن الصوت تحول إلى كيان مادي عضوي، لتصبح الرغبة في النداء شيئا ملموساً.
لننتقل إلى الجانب النقدي، فرغم جمال النص وثرائه، يمكن ملاحظة بعض النقاط التي تستحق التوقف:
أولاً: التحولات المفاجئة قد تخل بالتماسك، فالقفزة من سفينة تمخر البحر إلى بلم عشاري بمحاذاة الشط دون رابط سردي واضح تسبب ارتباكاً، والسطر(لا أدري متى أختفى البحر) يحاول تبرير ذلك، لكنه يعترف بفقدان السيطرة على الفضاء، وقد يكون ذلك متعمداً باعتبار أن الموضوع كله عبارة عن حلم، والحلم لا يستوجب الترابط المنطقي.
ثانياً: النص رغم قِصَره مكتظ بالرموز – السفينة – البحر- النوارس – الخبز – الفتيان- العنب – القمر- السجاجيد –
الطفل – الهالة – اللبلابة – وأحيانا تتداخل هذه الرموز لدرجة
أنها تخنق بعضها بعضا.
ثالثا: هناك ميل إلى الرومانسية المفرطة، حيث تغلب العذوبة على بعض الصور مثل (الطمأنينة المبهجة) و(الطفل يلوّح مبتسماً)
وتحول الصوت إلى حبل غصون، وقد تصل هذه العذوبة
إلى درجة تنزع عن النص بعض قوته الدرامية، إذ كانت الدراما واضحة في بداية النص مع (مصارع شرير) والبحر المهتاج لكنها تتبدد أمام هذا الفيض من الرقة.
في الخلاصة، هذا النص ينجح في خلق فضاء شعري طليق، تتساقط فيه حدود الزمان والمكان. صوره البصرية لافتة، كالنوارس تغمر الراحتين والقمر يطوي سجاجيده وينشرها، وتوظيفه لطقس الصلاة يضفي نزعة روحانية رقيقة, والتحول النهائي للصوت إلى حبل نباتي هو أكثر لحظاته أصالة ودهشة.
لكن السيولة المفرطة في الانتقالات والميل للرومانسية العذبة
قد يخلان بقدر من التوتر الدرامي الموعود به في البداية،
مع ذلك، يبقى نصاً يقرأ بسرور ويترك في النفس شعوراً بالطمأنينة المشوبة بالغموض، تماما كذكرى حلم جميل لم نعد نتذكره
ـــــــــــــ
يطوي سجاجيده ُ وينشرها
مقداد مسعود
كأنني في سفينة ٍ، حين تمخرُ تجعل البحرَ وديعاً وحين ترسو يهتاج البحرُ كمصارع شرير. الآن أنا على سطح السفينة، قصدتني النوارس. كما أبسطها للدعاء، بسطتُ راحتيّ الحافيتين، فامتلأت فتيتَ خبزٍ، النوارسُ غمرت الراحتين، كلما التقطتْ من الفتيت صار يربو.
لا أدري متى اختفى البحر
ورأيتني في بلمٍ عشاري
بمحاذاة سياج الشط.
فتيانٌ، يحتسون العنب
فتسيل الأشعار من شفاههم وأناملهم
قمرٌ يتماوج مع الموج وهو يطوي
سجاجيده وينشرها على ساحل النهر
والنوارس في طمأنينة مبهجة
على منكبيّ
ثم تشكلت هالة من النوارس
رأيتُ طفلاً
وسط الهالة
يلوّح لي مبتسما
فأرفع يديّ عاليا
أناديه يتحول صوتي حبلا من غصون لبلابة ٍ
ولم استيقظ.







