بمناسبة الأمسية التي تحدث فيها الصديق الشاعر والناقد عن تجربته النقدية/ اتحاد أدباء البصرة 18/ 4/ 2024

 

في (تقرير الى غريكو ) يكتب نيكوس كازانتزاكي الكاتب اليوناني العظيم ( ستجد في هذه الصفحات الأثر الأحمر الذي خلفته قطرات من دمي ، الأثر الذي يشير الى رحلتي بين الناس والعواطف والأفكار ، كل انسان يستحق أن يدعى ابن الانسان عليه أن يحم صليبه ويصعد جلجلته ، كانت هناك أربع درجات حاسمة في صعودي وتحمل كل منها اسما مقدسا : المسيح ، بوذا ، لينين ، اوليس ،، هي رحلتي الدامية بين كل هذه الأرواح العظيمة).

هكذا أجدني في تأمل مكونات التجربة الأدبية والفكرية لمقداد مسعود الذي قضى عقودا هي معظم حياته في غمار الأدب قارئا وكاتبا وشاعرا ، منذ بداية سبعينيات القرن الماضي حيث نمت قدراته على صفحات مجلة الطليعة الأدبية شأن سواه من الأدباء الشباب حيث كانت منبرا للطاقات والمواهب الشبابية ثم في المجلات الأدبية والصفحات الثقافية، ولقد عركته الحياة في رحلة عسر ومسار محفوف بالمخاطر والتحديات دفع ثمنه في أعز ما يملك وهو شقيقه الشهيد محمود وما تعرضت له أسرته من هواجس القلق والترقب والارتياب في ظل سلطة غاشمة كانت تبتكر دوائر الخوف والمعاقبة في سياق نهج بوليسي يذكر بأجواء جورج اورويل في روايته (1984 )، تعرفت عليه في منتصف السبعينيات أي قبل خمسين عاما وفي هذا الشارع الذي يطلّ منزل الأسرة عليه في تلك الأعوام ، ظل مقداد يتصفح الحياة مثل كتاب مفتوح وتتناغم في داخله أصداء التراث المكتنز بالرموز والتناقضات والأوهام ، بالصفحات المضيئة والمعتمة ، في حاضر يتشكل على وفق ارادات قوى بما يقوض أحلام وآمال  أجيال من العراقيين كانوا يطمحون لغد يليق بقدر الإنسان وكرامته في رؤية نافذة تستشرف المستقبل ، تشكلت ثقافة مقداد من روافد وأمشاج شتى لتنتج مزيجا يظنه المتأمل تناقضا ولكنه زاخر بالحياة والأسئلة والرغبات الدفينة ، ستجد في أشعاره ودراساته النقدية ونثره الفني تجليات سيرة تلميذ نجيب يزاول دروسه بهمة ومثابرة دون انقطاع ، وتتزاحم في مخيلته صور الإمام علي في سمو بلاغته والحسين في وقفة المتفرد راسخ اليقين وحمدان قرمط في نزوعه البرومثيوسي وبشر الحافي والحلاج في مغامرتهما الصوفية المكلفة،  كما تجد صورة لينين والبلاشفة في بتروغراد أكتوبر 1917 ويوسف سلمان وسلام عادل والمصائر التراجيدية لشهداء الحرية في العراق ...

أحسب أن منجز مقداد مسعود بعد 2003 هو الأكثر تمثلا لروحه وغنى تجربته الإبداعية وهي جديرة بالتوثيق والمراجعة النقدية حيث مواكبته لمسيرة التحول نحو فضاء جديد تتلاقح فيه تيارات الثقافة العراقية ويكون فيه المثقفون روادا فاعلين وأدلاء مسيرة مفعمة بالأمل والتفاؤل ، وبما يقطع مع ارث الاستبداد والقهر