
أدب التفاصيل الصغيرة
"شاعرة على هامش الطريق": مجموعة قصصية هي آخر إصدارات الشاعرة والفنانة والمترجمة شارا رشيد، وتعد تشييدًا جديداً على أساسها الأدبي الذي بدأ متواضعاً صامتًا بعيدًا عن سوق الادب والمنابر، وما زال كذلك ... إنها قصص تشبه رسم صاحبتها.
(32) قصة قصيرة (بعضها قصيرة جدًا)، وقد تمكن د. شاهو سعيد من إجمال تصوراته بشأنها بمقدمة حددت خصائصها الجمالية جملة وتفصيلاً، وكانت مقدمته للمجموعة عتبة عالية حقاً. الغرابة.. منهجها وأسلوبها، وكأنها تعلمنا أن المألوف في العادة، يكون في متناول الجميع، أما الغرابة فهي اسطورة الكائن الذي يبدو مألوفًا في ظاهره، وما على الكتابة إلا التنقيب عميقًا عن الغريب والنادر في طبقات الذات.
النصوص الثلاثة (رغباتي، عادات صباحية، البحر) تشكل معاً ما يمكن تسميته بـ "ثلاثية الذات واليومي"، حيث تعيد الكاتبة صياغة التفاصيل العادية لتجعل منها مادة فلسفية وجمالية حميمة. دراسة هيكلها وطبيعة بنائها، تكشف عن خيط ناظم يربط بينها، وهو البحث عن الامتلاء في حيز الفراغ، وتعدد الذوات.
تعتمد النصوص على تقنية "أنسنة الجمادات والأفكار"، مما يمنح العالم الخارجي حيوية مدهشة: في "رغباتي": الرغبات ليست مجرد أفكار، بل هي "كائنات" تتصارع، تتنافس، تحاول نيل اللقب، تهاجر، وتتغطرس. الذات هنا ليست كتلة واحدة، بل هي مسرح لعدة شخوص (المغنية، الرسامة، المزارعة). في "عادات صباحية": نجد "الجوع يستفيق"، والأشجار "تبدو كأنها خرجت من دش الحمام"، وحبات الزيتون "تتزحلق وتتصادم وتفارق". في "البحر": الأمواج تشن "غزوات"، والحصى يتحول إلى "جواهر". هذه الأنسنة تعكس روحاً لا ترى العالم مادة صماء، بل شريكاً في الوجود والمشاعر.
تشترك القصص الثلاث في تصوير "الوحدة" لا كحالة من البؤس، بل كفضاء للحرية والابتكار: البطلة في القصة الأولى "بجعة تحتفي بوحدتها"، وفي القصة الثانية، يتجلى الفراغ في "القدح الآخر" والكرسي الفارغ. هذا "الفراغ" هو حضور غيابي لشخص ما (حبيب، أو ذكرى، أو حتى الذات الأخرى). سكب الشاي للفراغ هو طقس رمزي لمقاومة الوحدة بالخيال. وفي القصة الثالثة، البحر هو الاتساع الذي يمتص صخب الأسئلة الداخلية.
ثمة توتر دائم في النصوص بين ما يحدث داخل النفس وما يحدث في الشارع، وليس من أجوبة مهدئة لهذا التوتر، إذ ينتهي الصراع الداخلي العنيف في قصة "رغباتي" (بين الرغبات المتصارعة) بفعل خارجي بسيط ودافئ؛ _إعداد كعكة بالفراولة_. هنا تنتصر الأمومة والواقع الجميل على ضجيج الذات. في "عادات صباحية"، ثمة فجوة بين "الدفء الوثير" للفراش وبين "برد الشتاء" والواقع القاسي (عامل النظافة الذي يرفض المال حمايةً لكرامته). هذا المشهد يضيف بعداً أخلاقياً واجتماعياً للقصة، حيث تصطدم "رفاهية الوحدة" بـ "عزة فقر الآخر".

تتميز النصوص بلغة حسيّة مكثفة تُشرك القارئ في تجربة بصرية وحسية ملموسة من خلال ثلاث حواس: البصر والشم والسمع. في تجربة البصر تحضر أمامنا: الزهرية، الكريمة البيضاء، الحصى الملون، المرآة المذهبة. وفي حاسة السمع؛ تأتينا دندنة الأغاني، صوت فيروز، هدير الأمواج، نداء بائع الخضار. أما حاسة الشم والتذوق، فتقدم لنا الكاتبة عطر الشاي بالهال، رائحة الطحالب، رائحة الفراولة، والزيتون الأسود... هذا الثراء الحسي يحول القصص من "سرد ذهني" إلى "تجربة معاشة"، ويجعل القارئ يشم ويرى ويسمع تفاصيل حياة البطلة.
في القصة التي حملت المجموعة كلها على كاهلها ووضعت أمامها عتبة العبور و تكفلنا نحن أيضاً في الوقوف على تلك العتبة: تُعد قصة "شاعرة على هامش الطريق" نصاً محملًا بالرمزية والكثافة الشعورية، حيث تتداخل فيها الذاكرة مع النسيان، والحرب مع الحب، والصمت مع الكلمة. يرتكز النص على مفارقة جمالية حزينة؛ فالبطل الذي "سطا الزمن على الجزء الأكبر من حياته" محاربٌ عفر البارودُ شعره الاشيب وما زال يتذكر بوضوح تفاصيل دقيقة جداً ترتبط بالحب، وكأنه ما زال غارقا في لجته. والمفارقة أنه يلتقي على هامش طريقه اليومي بشاعرة تعيش روحها على أصوات الطبيعة، رواقية العقل والقلب. هذا التضاد يمنح القصة صبغة سحرية، حيث تصبح العاطفة أقوى من البيولوجيا، وتصبح "المسطبة الخشبية" التي انتهى اليها الطريق، وكأنها مسقط رأس الحب، هي الأرشيف الوحيد المتبقي لهويته، وتاريخه.
تستخدم الكاتبة "العطر" كعنصر درامي (العطر مؤامرة يا سيدتي)، والشِعر كحالة وجودية لا مجرد وزن وقافية. وصف "الخريف المزدهر بالألوان" يعكس حالة البطل؛ فهو في خريف عمره (الشيخوخة والنسيان) لكنه "مزدهر" بذكريات تلك المرأة.
الحوار بين المحارب المتقاعد والمرأة (الشاعرة الفطرية) اتسم بالرقة والعزف على أوتار الفلسفة اليومية. لم يكن حواراً لتبادل المعلومات، بل كان "غزواً مباغتاً" للروح، مما أضفى على النص إيقاعاً ناعماً يكسر حدة موضوع "الحرب" الذي ذُكر كخلفية تاريخية، ويضفي على الحدث العابر "على الهامش" بعداً آخر خارج الطريق، بل يفتح طريقاً غيره صوب فهم النهايات، حيث تجيب المرأة الشاعرة بجملة "رواقية" عميقة المعنى: "ما دمت تعرف نهاية الطريق فلا داعي للعجلة في الوصول إليها". هنا نجد دعوة للوجودية الحية؛ أي الاستمتاع بـ "الصيرورة" بدلاً من القلق من "الزمن". هي ترى أن الحياة تُعاش في المسافة (الطريق)، لا في الهدف (النهاية/الموت). في النظرة الشاملة للقصص كلها حيث يتلمس القارئ "رواقية" متأصلة في لغة شارا رشيد.
القصة هذه مرثية جميلة للزمن الجميل، واحتفاء بقدرة الحب على ترميم الشروخ التي تتركها الحروب والشيخوخة. هي نص يخبرنا أن "الهامش" قد يكون أحياناً هو المركز، وأن "الطريق" هو الغاية وليس مجرد وسيلة للوصول.
وتمثل مجموعة "قصص الأعمى" (الكناري، والخطوبة) نموذجاً أدبياً فريداً يجمع بين "جماليات البصيرة" وفلسفة "الحواس البديلة". يظهر "الملا محمد" وهو يمتلك "رادارات" روحية وجسدية تتفوق على المبصرين، مما يجعل الدراسة الجمالية للنص ترتكز على عدة محاور؛ الخيط الرابط في القصص هو تفنيد الفكرة التقليدية عن العمى كظلمة أو عجز:
في قصة "الكناري": تبرز قدرته على تمييز لون الطيور (الزنجاري) ليس بالعين، بل ربما من خلال ترددات الصوت، أو ملمس الريش، أو حتى "رائحة اللون" كما توحي الأجواء الصوفية للشخصية. هذا يكسر غرور "المبصر" (الشاب بائع الطيور) الذي اعتقد أن اللون غائب عن عالم الأعمى.
في قصة "الخطوبة": يتجلى الفرق بين "الظاهر" و"الجوهر". الخطيبة غطت وجهها بالمساحيق لتخدع المبصرين، لكنها لم تستطع خداع "عين القلب" لدى الملا محمد، الذي وصفها بـ "كتلة الطين اليابسة"، وهو وصف جمالي وقاسٍ يعبر عن جفاف الروح قبل قبح المظهر.
القصص تعيد صياغة العالم عبر "السمع" والترددات:
الإيقاع الحركي: "عصاه تسبق خطواته بثلاث دبكات"؛ هنا تتحول العصا من أداة اتكاء إلى آلة موسيقية تقيس المسافة والزمن. الكاتبة هنا تمتلك عصا أخرى (القلم) حولت حجارة قارعة الطريق إلى موسيقى، والملفت للحواس أننا نسمعها تنساب من بين الحروف.
الذكاء الصوتي: يعرف "الملا محمد" الزائر من طرقة الباب، والعربة من محركها، إنه هنا يعيش في عالم "أكثر دقة" من عالمنا؛ عالم يتكون من بصمات صوتية فريدة لا يدركها المبصر المشغول بالصور الكلية. إنه خفاش أعمى يدرك الأبعاد والأصوات والضوء عبر مجسات خفية في روحه، إنه روح خارج جسدها.
التنبؤ الجوي: "مطرة الملا محمد" تعكس حساسية فائقة لتغيرات ضغط الهواء ورطوبة الرياح، وهي جمالية تربط الإنسان بالطبيعة برابط غريزي قديم.
تحرص الكاتبة على رسم صورة "بهية" للملا محمد: (العمامة، الصاية، الجبة المكوية، الكيوة الناصعة البياض). هذه الأناقة "إعلان وجود". الأعمى الذي يهتم بنصاعة بياض حذائه ونظافة هندامه هو شخص يرى نفسه بوضوح في مرآة روحه، ويمارس فن "الترتيب" كنوع من الانضباط الداخلي والوقار الديني والاجتماعي.
لم يقتصر اهتمام الكاتبة بجغرافيا الملا محمد خارج البيت؛ في المقهى وفي السوق، وفي بيوت الآخرين، بل حوّلت بيته إلى مملكة خاصة للطيور وغرفته مختبراً لبصيرته الغنائية إلى "حديقة تصدح فيها الطيور" هو فعل خلق لجمال بديل. هنا تبرز الهيبة من خلال "القدرة على الاختيار"؛ فهو يختار الأزواج النادرة والأقفاص بعناية. هذا المكان يثبت أنه "يرى" الجمال بذوقه الرفيع، لا بعينه.
تُعد قصة "طار الحمام، حط الحمام" رافعة قوية تلقي بالقارئ إلى خارج مكانه، إلى السماء! نصٌ سرديٌ محملٌ بالدلالات الرمزية والجمالية، حيث تنسج الكاتبة علاقة جدلية بين "الأنا" (المثقفة/ الباحثة عن العزلة) وبين "الآخر" (الحمام/ الطبيعة/ الحياة الصاخبة). المكان في هذه القصة ليس مجرد خلفية، بل هو شخصية محورية تتطور مع الأحداث: تبدأ القصة بهروب البطلة من الأزقة الضيقة والاختناق إلى الشرفة الواسعة، والاشراف على العالم من فوق. هذا الانتقال يمثل بحثاً عن حرية وجودية ناقصة. إذ تتحول الشرفة من "مساحة تأمل" خاصة بالكاتبة إلى "مستعمرة" للحمام. الجمالية هنا تكمن في المفارقة؛ فالمكان الذي اشترته الراوية بمالها وحرمانها، استولى عليه الحمام بالفطرة وديمومة الحياة، وأصبح الباب الزجاجي الحد الفاصل بين عالمين؛ عالم التأمل الساكن في الداخل، وعالم الحياة الصاخبة وحب البقاء في الخارج.
وظفت الكاتبة "الحمام" كرمز يحمل وجوهاً متعددة: يبدأ بزوج واحد ثم ينتهي بمئات. هو رمز للحياة التي لا تستأذن، والتي تفرض شروطها مهما حاول "العقل والحكمة" (منطق الراوية) وضع حدود لها. وهناك صراع بين "صك الملكية" القانوني الذي تملكه صاحبة الشقة، وبين "حق الحياة" الذي يفرضه الحمام. تنتهي القصة بانتصار حق الحياة وتقاسمه مع الملكية الخاصة.
كسر الحمام قدسية "الوحدة" التي كانت تعتز بها الراوية، وحولها من كائن "مفرط في الوحدة" إلى كائن "مستمتع بحياة لا أسرار فيها" تميزت بلغة رقيقة ووصف بصري (الثلوج، الصنوبر، الطابوق المخرم، الهديل)، واستعارت الكاتبة لسان الحمام في الحوار ("حدث ذلك في غمرة من الشعور")، مما كسر الحاجز بين الإنسان والحيوان وأضفى صبغة فلسفية على الغريزة.
الجمالية الكبرى في القصة تكمن في "التسليم": المرحلة الأولى: التعالي والاعتقاد بأن الحمام سيرحل "بمنطق العقل"، والمرحلة الثانية: المقاومة ثم الشعور بالحصار ("غدوت حبيسة")، والمرحلة الثالثة: القبول والتعايش. هذا التحول من "الأنا المستحوذة" إلى "الأنا المتعايشة" هو جوهر الرسالة الجمالية؛ فالحب والقبول يخلقان جسوراً في أماكن الصراع، وقد تحولت الشرفة من مكان "للكتابة عن الحياة" إلى "مختبر للحياة" نفسها.
ـــــــــــــــــ







