في المساءات الدمشقية المعلَّقة بين صلاةٍ وقصف، حين يهبط الضوء على حجارة البيوت العتيقة في باب توما والميدان، تتكاثر الظلال كأنها ذاكرة تمشي على قدمين. رائحة الياسمين المتدلّي من الشرفات تختلط ببخار القهوة المُرّة، وصوت فيروز ينساب من مذياع قديم، فيما تُدار أباريق “المتة” أمام دكان صغير، بين أيادٍ تعرف طقوس الانتظار جيدًا أكثر من معرفتها بطقوس الفرح.
هناك، في تلك الأزقة التي كتب عنها نزار قباني بوصفها طفولته الأولى، تبدو البلاد كقصيدة مؤجلة؛ كل بيت فيها شطر، وكل نافذة قافية مكسورة.
في تلك المساءات، كانت المدينة تمشي على أصوات باعةٍ يعرفون وجدانها: “عرقسوس… بارد يا عطشان…”. إنه ليس صوت بائع يأتي من بعيد؛ إنه اختبار صيفٍ كامل…  يرفع الصبيان رؤوسهم من لعبهم، تمتدّ يدٌ من نافذة، وتتكاثف قطرات الماء على الزجاج قبل أن تلامس الشفاه. لحظة قصيرة يتوقّف فيها الضجيج، كأن المدينة تنتبه فجأة إلى عطشها.
وفي مشهد آخر عند البحر، وقبل أن يهبط الظلام بقليل، يقف بائع الذرة على عربةٍ صغيرة تدفعها عجلات صدئة. الفحم يتوهّج كجمرٍ مكشوف، والذرة تُدار ببطء فوق النار، تصدر فرقعة خفيفة تشبه همسًا مكتومًا. رائحة الشوي تختلط بملح الموج، والناس يقفون في صفٍ غير معلن، يأكلون واقفين، ينظرون إلى الأفق وكأنهم ينتظرون شيئًا أكبر من الغروب.
هناك، أمام هذا الإيقاع الذي لا يستعجل أحدًا، بدأت أفهم لماذا صار البحر عند حنّا مينه ميزانًا للكرامة. من يقف قبالته يعرف أن اليابسة ليست دائمًا أوسع، ولا تشكّل الجزء الأكبر من الكرة الأرضية التي سمّاها الرِّيّس طه في حكاية “الدقل، المرفأ البعيد” كرةً مائية لأن الماء يغطي ثلاثة أرباعها، وأن الثبات لا يعني السكون. البحر لا يمنح الطمأنينة، لكنه يمنح اختبارًا دائمًا: اختبار الصبر، واختبار القدرة على الوقوف في وجه الموج من دون أن تنكسر الكرامة.
ولهذا أطرح عليك هذا السؤال، يا حنّا مينه:
كيف تتحول البلاد إلى مرفأٍ يخاف سفنه؟
كيف لها أن تعيش كل هذا الزمن وهي تمشي على حافة العاصفة والفجيعة؟
أكاد أرى الإجابة في فمك، في كل ما كتبت، يا صديقي الذي لم ألتقه ولكنني أعرفه جيدًا؛ أعرفك من كتبك، من بحرك، من وجوه رجال المرافئ في رواياتك، كما تخيّلتك دائمًا في اللاذقية، ظهرك للبحر، كأنك تراقب وطنًا لا تثق في استقراره. وأتذكر أنك قلت يومًا إن الناس هم الذين يتعلمون الخوف، أما الموج فيبقى موجًا. غير أن السؤال الذي يلحّ عليّ: ماذا يحدث حين يتعلّم الموج نفسه أن يصمت؟
في دمشق، لم تكن صور الأب الطاغية مجرد صور. كانت نظام نظرٍ ومراقبة. كانت تُحدّد كيف يرفع الناس رؤوسهم وكيف يخفضونها.
حماة لم تكن ذكرى، كانت آلية.
الخوف لم يكن نتيجة، كان أداة تنظيم.
وحين يطول الخوف، لا يصير مجرد قيدٍ على الأفواه والمعاصم، بل يصبح شيئًا أكبر من ذلك؛ يستقر في الدواخل، ويصير طريقةً في رؤية الأشياء قبل أن يكون خوفًا من شيء محدد. لا يحتاج الأمر إلى شرطي دائمًا؛ يكفي أن يتعلم الإنسان كيف يراقب نفسه.
وكان ذلك الخوف يتشكّل قبل أن يكتمل وعي الأطفال، في باحات المدارس الابتدائية. سبق الأحداث كلها، وتسلل إلى الطابور الصباحي، إلى الجملة المردّدة بصوتٍ واحد.
تلاميذ يصطفّون تحت صورة معلّقة، يردّدون كلمات أكبر من أعمارهم، لا يفهمون معناها، لكنهم يتقنون إيقاعها. لم يكن أحد يشرح لهم ما يقولون؛ كانوا يتعلمون فقط كيف تُقال الجملة بصوت واحد.
وقبل أن يعرفوا السياسة، عرفت عيونهم الصغيرة معنى الاصطفاف.
لم يفهموا الخوف بعد، ولكن تمرّنوا على نطقه في نشيد الصباح.
هكذا لا يعود الخوف طارئًا.
يصبح عادةً يومية تبدأ من الطابور وتكبر مع السنوات، حتى يغدو الانحناء سلوكًا طبيعيًا، والصمت اختيارًا للنجاة.
رحل الأب، وجاء الابن بملامح أكثر هدوءًا، غير أن البنية التي تأسست على الخوف لا تحتاج إلى أن يعلو صوتها كي تستمر. يكفي أن تتقن توزيع الصمت بآلية جديدة أكثر حداثة.
تبدّلت الوجوه، غير أن الجهاز الذي يُعيد إنتاج الطاعة، والعمود الفقري للنظام، بقيا كما هما. انتقل الخوف من ساحة العقوبة إلى عمق السلوك اليومي؛ كإدارةٍ للمسافة بين الفرد وصوته، بين المواطن وإمكان ظهوره خارج الإطار المفروض عليه. لم يعد السؤال: من يخاف؟ بل كيف يُعاد تشكيل الإنسان حتى يتكيّف مع خوفه ويعتبره جزءًا من شروط البقاء؟
وهنا يتقاطع الخاص بالعام، ويغدو الخوف شأنًا جماعيًا لا يخص فردًا بعينه. إنسانٌ يتعلم كيف ينحني كي لا يُكسر، ومجتمعٌ يتعلم كيف ينجو دون أن يفقد إحساسه بالعدالة المؤجلة.
حين خرجت درعا تهتف، لم يكن الأمر مجرد احتجاج. كان الصوت أكبر من قدرة الجدران على احتماله. ارتفعت الحناجر فوق السقف الذي اعتادته المدينة، فكان لا بد أن يُعاد السقف إلى مكانه بالقوة.
الصوت الذي تعلّم أن يُخفض نفسه، ارتفع.
والأرض التي اعتادت أن تُداس، استعادت فجأة حنجرتها.
ومع ذلك، لم تتوقف الحياة عن البحث عن شكلٍ آخر للاستمرار.
في الشام، كانت “المتة” تُدار في الجلسات كما لو أن البلاد بخير.
طبق التبولة على الطاولة، الأغنيات القديمة، العرق يُسكب في كؤوس شفافة كالبلور.
هذا ليس مشهدًا سياحيًا؛ هو آلية دفاع.
الحياة لا تستمر لأنها سالمة، بل لأنها تعرف كيف تتكيّف مع الانكسار.
استمرار الحياة ليس دليل عافية في كل حال.
أحيانًا هو شكل من أشكال المقاومة البطيئة، كما فهم غرامشي حين تحدّث عن إرادة تتقدّم رغم عقلٍ يعرف حجم الهزيمة.
ومن بين هذا العقل وتلك الإرادة، أتذكّر مكالمتي الأخيرة مع شاعر العراق مظفّر النواب.
كان يومها في دمشق.
صوته لم يكن منهكًا، كان واعيًا لثقل المعنى.
قال لي إن الشام مدينة تعرف جرحها ولا تتظاهر بأنه شُفي. لم يكن يمدحها؛ كان يعرّيها بحبّ.
وقال، وكأنه يلغي قصيدة: إن الشام مدينة تعرف أنها مجروحة، ومع ذلك تمشي بكبرياء.
ثم عاد وذكر زيارته إلى بيتنا في السودان. حدّثني عن والدي. قال إنه كان يحرس المعنى كما يحرس الميناء سفنه. في تلك اللحظة فهمت المفارقة التي لم أكن أراها صغيرًا:
هناك أب يحرس المعنى، وأب يحرس السلطة.
الأول يربّي أبناءه على السؤال.
الثاني يربّي أبناء وطنه على الانكسار.
كنتُ في بدايات العشرين، أتنقّل بين الضيوف حاملًا الشاي والقهوة، أراقب الرجال وهم يناقشون الثورة والقصيدة والتاريخ.
ضحك وهو يذكّرني:
“كنتُ أعطيك كاسات العرق خلسة، لأرى هل تخاف من النار أم تبحث عنها.”
أجبته أنني كنت أخاف أن يراني والدي.
فقال بهدوءٍ أثقل من المزاح:
“الخوف ليس عيبًا. العيب أن يتعلّم المرء كيف يعيش داخله. الخوف أول درس في الحرية.”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة.
في سوريا، لم يكن الخوف مجرد شعور غريزي.
كان ترتيبًا اجتماعيًا.
طريقةً في المشي، في التوجّس، في اختيار الكلام.
وكان الصمت أحيانًا أبلغ من الخطاب.
وحين أخبرته في تلك المكالمة أن والدي قد رحل، صمت طويلًا. حاول أن يتكلم ولم يستطع أن يُكمل الجملة. شعرت أن المسافة بين دمشق وسيدني صارت أثقل من الصوت نفسه. أنهى الاتصال دون وداع، وبقي الصمت معلّقًا بعده. ثم جاء خبر وفاته بعد سنوات من تلك المكالمة. يومها لم أصرخ، ولم أكتب رثاءً سريعًا؛ حملت حزني كما يُحمل سرٌّ قديم، ومشيت به في صمتٍ يليق بالرجال الذين علّمونا أن الكرامة لا تُعلن، بل تُعاش.
عدتُ بعدها إلى قصيدته “الحانة القديمة” التي سمعته يردّد كلماتها لأول مرة في بيتنا:
“المشربُ ليس بعيدًا…
ما جدوى ذلك!
أنتَ كما الإسفنجةُ تمتصُّ الحاناتِ
ولا تسكر
يأخذُكَ الحزنُ لكاساتٍ تُركتْ طافحةً للصمتِ
أكانوا عشّاقًا غلب النومُ عليهم؟
غرباءُ تعبوا من هذه الدنيا
والموتُ تأخّر؟
أم بضعة منحطّين؟”
فهمت الأبيات بطريقة مختلفة.
هناك من يمتص الحانات ولا يسكر.
وهناك من يمتص الخوف سنوات طويلة ولا يُهزم.
وهنا اسمح لي أن أناجيك، يا حنّا بن سليم حنّا مينه، أو كما يحلو لك أن يُنادوك: يا حنّا ابن مريانا ميخائيل زكور، أنت الذي جعلت البحر اختبارًا للرجولة والكرامة، هل كنت تتخيّل أن يتحوّل الخوف إلى بحرٍ آخر، لا يُغرق السفن والأجساد، وإنما يُغرق الأصوات التي ترتفع حناجرها بهتافات الحرية؟
سوريا ليست فقط لوحة زيتية مُعلّقة على الجدار، وليست رائحة ياسمين يتدلّى من الشرفات. هي أيضًا باب يُطرق في منتصف الليل، وزنزانة بلا نافذة، واسم يتحول إلى رقم في سجلٍ سري، ومدينة تتقن الصمت لأن الجدران تحفظ صدى التعذيب.
الأب ظن أن القبضة تحمي البلاد.
الابن ربط الوطن بمكان جلوسه، كأن الجغرافيا تبدأ من الكرسي وتنتهي عنده.
لكن الوطن لا يُختزل في كرسي، ولا في صورة معلّقة في كل مكان تذكّر الناس بأنهم مراقبون.
الوطن لا يُحرس بشعار يعلم الجميع أنه زائف.
الوطن لحظة صدق بين أب وابنه، بين شاعر وصديق، بين شاب يحمل القهوة ويستمع إلى حلم أكبر منه.
في الساحل ما زال البحر يضرب الصخور دون أن يسأل أحدًا.
فالموج لا يخفض صوته.
ربما لهذا يخشاه الطغاة.
هذا الإيقاع البحري نفسه، يا حنّا ابن مريانا ميخائيل زكور، يذكّر بأن ما يبدو ثابتًا في الظاهر يتغير تدريجيًا في العمق.
لكن ما يتراكم في الأعماق لا يبقى في الأعماق إلى الأبد.
ومن هذه المسافة بين الفرد والجماعة، ولطمات الموج على المرافئ، تبدأ صورة المستقبل في التشكّل.
لا أزعم أن الفجر يولد على عجل.
لكن البلاد التي جرّبت هذا العمق من الصمت، تعرف أن الكلمة حين تعود، تعود بوزن البحر.