
حين قرأت لأول مرة هذا المقطع من مسرحية (تاجر البندقية) لشكسبير: (( شايلوك: ثلاثة آلاف دوقية، لثلاثة أشهر... اصحبني إلى محرر العقود، ولتحرر لديه الصكَّ بإمضائك وحدك، وأن تكتبَ أنَّك إذا لم توفِ في يوم كذا، وفي مكان كذا، بالمبلغ الموضح في الصَّك كان الجزاء رطلًا بالضبط من لحمك البض أقتطعه وآخذه من الجزء الذي أختاره من بدنك. أنطونيو: ارتضيت، وسأُوقع هذا العقد )) [تاجر البندقية: 29] . شغلني السؤال الآتي: هل يحقُّ لأنطونيو أن يرهن رطلًا من لحمه لقاء مبلغ اقترضه من مرابٍ ؟ يغلب على إنشاء العقود مبدأ المعاوضة، أي المبادلة بين طرفي العقد، فالعقد اتفاق إرادتين على إنشاء التزام ما اتفاقًا ملزمًا للطرفين، لكن هل تطَّرد عبارة الفقهاء (العقدُ شريعة المتعاقدين) على كلِّ العقود بتوفر إرادة الطرفين ؟ بمعنى أتصحُّ كل مبادلة مادامت الإرادة متوفرة ؟ يُلزمنا هذا السؤال أن نحدد أولًا مَن يمتلك الجسد ليسلم له مقايضته والتصرف فيه؟ سؤال استفز الفلاسفة من قبل، ولا سيَّما أنَّ الجسد البشري كان أول مادة للمقايضة والمعاوضة، فتأرجح نظرهم بين ثلاثة مذاهب: يدعم أولها أولوية الذات وحاكميتها على الجسد، فالذات تملك حرية التصرف فيه، ومذهب يزعم أنَّ الجسد شرط لوجود الذات فالجسد يكون أولًا والذات تنشأ متأخرة عنه؛ لذا تخضع لرغائبه في حدود الفضيلة. وثالث يرى أنَّ الجسد مولود الطبيعة الأم والذات مستخلفة فيه، فلا يحق لها التصرف المطلق فيه، وليس لها فيه إلا حقّ الانتفاع فقط [ انظر فلسفة الجسد، سمية بيدوح: 48 وما بعدها]. يتدحرج هذا السؤال ككرة ثلج تتعاظم لتتفجَّر أسئلة شتى في السوق الرأسمالية التي تسلع كلَّ شيء، وتشيّئ الكلَّ ليتسلَّع وليكون له سعر يعلو وينخفض بحسب مبدأي العرض والطلب، فيباع بالجملة وبالتجزئة ويصلح للتأجير والإعارة، والسعر مرهون بمواصفاته، فبيعت الأعضاء، واستؤجرت الأرحام، وصار لكلِّ جهد عضلي وذهني ثمن موثَّق بعقود رسمية أو بالتزام ضمني، يلزم الطرفين بالوفاء باشتراطات العقد. استشرف شكسبير في القرن السادس عشر هذا التسليع للجسد البشري فصفع وجه كلا المتعاقدين أنطونيو الذي عاش أحلك أيامه وهو ينتظر حزَّ لحمه أمام عينيه، وشايلوك الذي خسِر الصفقة في آخر الأمر، وصفعة ثالثة لوجه العدالة الهشة التي تعبث بها نكتة لغوية، صفعة بكفِّ بورشيا، إذ قالت: (( إنَّ القانون يحتِّم تطبيق العقوبة، كما وردت في نصِّ العقد... انتظر قليلًا، هناك شيء آخر، إنَّ هذا الصكّ لا يتيح لك الحق في قطرة واحدة من الدماء، إنَّ الألفاظ تنص على رطل من اللحم، خُذ إذن بنصِّ صكّك، لكنَّك إذا أرقت وأنت تقطعه قطرة من دمٍ مسيحي، صودر عقارك وبضائعك لدولة البندقية تطبيقًا لقوانينها، لا ترق دمًا ولا تقطع أقلَّ أو أكثرَ، بل رطلًا من اللحم بالضبط )) [تاجر البندقية:114 ]. على الرغم ممَّا يوفره العقد الغريب من مادة لخلق الصراع داخل العمل الدرامي، إلا أنَّه أكد ضرورة توفر أخلاقيات التعاقد التي لا تقتصر على الإيفاء بالالتزام وحسب بل تتعداه إلى الطبيعة الأخلاقية للعقد المجاوزة لمنطق الربح والخسارة. وليس تشيخوف ببعيد عن هذا الموقف في قصته (الرِّهان) إذ يضعنا في حفل لحشد من المثقفين ورجال الأعمال من بينهم المحامي الشاب المتحمس والمصرفي صاحب الحفل، إذ يدور بين الحاضرين حديث في قسوة عقوبة الإعدام، فيدعو المحامي إلى العدول عنها إلى السجن المؤبّد، ويجزم المصرفي بأنَّ (( الإعدام أكثر أخلاقية وإنسانية من السجن مدى الحياة، الإعدام يقتل مباشرة بينما السجن مدى الحياة كالسم الذي ينتشر ببطء)). ويتصاعد الخلاف بينهما ليفضي إلى رهان بينهما، اختزله المحامي بقوله: ((أنت تراهن بمليوني جنيه، وأنا أُراهن بحريتي)) [الرهان: 4] ثم وقَّعا اتفاقًا هذا نصُّه: (( يخضع المحامي للسجن المشدد في جناح ملحق بحديقة منزل المصرفي، وكانت الشروط المتفق عليها كالتالي: ممنوع أن يعبرَ عتبة الباب ليرى البشر، أو يسمع أصواتهم، أو يتلقى خطابًا، أو يقرأ صحيفة، مسموح أن يحتفظ بآلة موسيقية، أو يقرأ كتابًا، أو يكتب خطابًا، أو يشرب النبيذ، أو يدخن التبغ، وألزمت المحامي بالبقاء خمسة عشر عامًا منذ الساعة الثانية عشرة في الرابع من نوفنبر عام 1870 إلى الساعة الثانية عشرة في الرابع من نوفنبر عام 1885. وأصغر محاولة للمحامي لخرق أيًا من هذه القواعد أو للهرب حتى ولو لدقيقتين قبل الوقت الذي حدده المصرفي، كانت كفيلة بإعفاء المصرفي من دفع المبلغ )) [الرهان: 5- 6] عاش المصرفي والمحامي أسوء سنوات حياتهما في مدة العقد الذي أبرماه، المصرفي ينتظر استسلام المحامي، والمحامي ينتظر انقضاء مدة السجن الذي أحكم قبضته عليه ليستعيد حريته ويتمتع بجنيهات الرهان، لكن شغفه بالحياة تلاشى تدريجيًا، وهمَّ المصرفي بقتله بعد أن يئس من هزيمته، لكنَّه لم يستطع، تنتهي القصة بتنازل يضعه المحامي على طاولته في آخر يوم من المدة المقررة، وما إن يطَّلع عليه المصرفي يداهمه شعور الازدراء لذاته وطيشه. ولعلَّ تشيخوف أقسى على المتَّجر بجسده من شكسبير، إذ خسر المحامي (البائع) حريته وشبابه والرهان معًا؛ لأنَّ الإنسان مسؤول عن حفظ كرامته فلا يسمح أن يضع نفسه موضع الاستعمال والتبادل، بحسب كانت في قوله: ((افعل الفعل بحيث تعامل دائمًا الإنسانية التي في شخصك لا كوسيلة فقط بل كغاية)) [بتصرف، فلسفة الجسد:103] . ولا يُعفى الطرف الآخر من المساءلة عند امتهان الجسد، وعلى الرغم من أنَّ انموذجي: شكسبير، وتشيخوف لم يكونا تاجرين بالمعنى الدقيق، بل كان الأول مرابيًا منتقمًا والثاني مصرفيًا عابثًا، فما بالك إن كانا تاجرين حقًا ! يسعى تجَّار الأجساد إلى تنظيم تجارتهم باستصدار القوانين، وابرام اتفاقياتهم في عقود ومواثيق سليمة، فتغص المدونة القانونية المعاصرة بقوانين التحكم الجيني، وتجميد البويضات، والتلقيح الصناعي، واستنساخ البشر، وتحسين النسل، وأطفال الأنابيب، والتعقيم، والجراحات التجميلية، وزراعة الأعضاء، وتحويل الجنس [انظر التصرف القانوني في الأعضاء البشرية، د. منذر الفضل]، فضلًا عن تنظيم البغاء في بعض الدول الأوربية، وعرض الأجساد المكشوفة مادة للفرجة في السينما والبرامج الدعائية تحت ذريعة الحرية، ناهيك عن اتخاذ الجسد مادة للمحتوى في مواقع التواصل الاجتماعي اليوم. لماذا يصرون على التشريع القانوني لهذه الممارسات وغيرها ؟ وماذا بعد شرعنة انتهاك الجسد البشري وسحق كرامته ؟ هل سنشهد في القريب سوقًا يُعرض فيه البشر والأعضاء البشرية محفوظة في فاترينات خاصة مشفوعة بأثمانها ؟! أ سنجد نافذة في المصارف تقدم القروض لقاء ارتهان الكلى والأكباد والبويضات، أم ستسحب القرنيات بالكي كارد ؟!
نعم، ليس كلُّ تنظيم قانوني للجسد اتجارًا به، لكنَّ كلَّ تجارة تبدأ بالتنظيم من ثمَّ الإدارة التي تحول الجسد إلى نمط قابل للتسليع والتسويق، ولا أحسب أنَّ النوايا الطيبة كفيلة بحماية الأجساد، في ظل قانون مثغور يُصاغ تحت وصاية الأثرياء.







