وصلتني من الصديقة القاصة والروائية ميسون أسدي، المقيمة في حيفا، روايتها الجديدة "الراعي وفاكهة النساء" الصادرة عن دار الرعاة في رام اللـه، وجسور في عمان. وقد أحسنت ميسون صنعًا في اختيار العنوان لروايتها لأن اللـه جبل في خلقها جميع أنواع الفواكه. 

لا تكفي قراءة هذه الرواية مرة واحدة، بل يلزمها أكثر من مرة، ليس لصعوبة لغتها التي جاءت رصينة وبسيطة ورشيقة، بل لأن كاتبتها تمتلك من الجرأة والشجاعة ما جعلها تتناول مسائل وقضايا من الممنوعات والمحرمات، وتطرح عيوب كثيرة في مجتمعنا العربي الذي تسوده الثقافة الدونية الذكورية، وينتشر فيه النفاق والرياء المجتمعي، وإنها تنجح بملامسة الواقع، وتحريك الشخصيات كل حسب دوره. 

رواية ميسون أسدي تعري مجتمعات التابوهات وتداعيات ذلك على التركيبة الاجتماعية، وتسلط الضوء على إشكالية الشرخ في الهوية والاغتراب الذي يعيشه الإنسان العربي في هذه البلاد، وتكشف علل وعقد الكبت النفسي والجنسي للتخلص منها. فتفرد مساحة لا بأس بها لتعرض لنا ما تعانيه المرأة من ممارسات قهرية تسلطية ظالمة داخل الأسرة وصولًا إلى نظرة المجتمع الدونية لها، وللأسف أن مجتمعاتنا العربية ما زالت ذكورية بامتياز، بالرغم من المحاولات الخجولة لرفع هذه التهمة. فالسلطة الأبوية الذكورية تنتقل توريثًا أو تفويضًا، وهنا مكمن الخلل والخطر. 

وتكرس ميسون جزءًا من روايتها لتصور لنا الحياة الأسرية والعشائرية والدفء العائلي في المجتمع البدوي، وتطرح مسألة تعدد الزوجات وأثر ذلك على الأسرة، وتنتقد الحال الاجتماعي القائم على النفاق والتلون، وتوجه النقد أيضًا للمؤسسات والمنظمات النسوية، وتتطرق للإشكال والتناقض الذي يقع فيه أشباه المثقفين في ممارساتهم ومسلكياتهم، واستخدامهم التسويق الرخيص المبتذل في مجتمع مهزوز ومأزوم. 

وتتناول ميسون في روايتها موضوع الجنس والعلاقات الجنسية والخيانات الزوجية، وهذه الموضوعات كالدين والسياسة، من التابوهات والممنوعات والمحرمات غير المتداولة في مجتمعاتنا التقليدية المحافظة.  

تدور أحداث الرواية ودور شخصياتها في مجتمعين مغايرين، في مكان واحد، وزمان واحد، في قرية بدوية ومدينة تل أبيب اليهودية، والفروق بينهما شاسعة. فممارسة الجنس في القرية مختلفة، وهي عن طريق الزواج، وممارسة الجنس خارج دائرة الزواج تختلف، فالخيانة الزوجية واردة وقائمة، بينما في المجتمع اليهودي، الحرية الجنسية موجودة ويمكن لأي فتاة في المرحلة الثانوية ممارسة الجنس مع صديقها بإرادتها، وفي العشرين من عمرها تترك بيت الأهل وتسكن أي مكان تختاره. 

وتستخدم ميسون أسدي في روايتها لغة فصيحة بليغة ورشيقة مفهومة بعيدة عن التكلف والفذلكة التي تنتشر في الكثير من الأعمال الروائية، وتوفر أحداثًا متماسكة تتسم بالواقعية والمنطقية والعقلانية. ومن أهم أهداف الأدب القصصي والروائي هو عنصر الامتاع، وبرأيي أنه تحقق في الرواية بشكل واضح.  

ورغم بعض الهفوات اللغوية والنحوية، يمكن القول ان "الراعي وفاكهة النساء" رواية اجتماعية لافتة، ذات أبعاد فكرية، ناجحة بكل المقاييس النقدية، ومواضيعها جديدة لم تطرح كثيرًا في روايات فلسطينية أخرى، وتحمل أبعادًا متميزة من ناحية أسلوبها التشويقي السردي، والمضامين، والمبنى العام، والجمالية الفنية. 

نحيي الصديقة الكاتبة ميسون أسدي ونبارك لها بصدور هذه الرواية الماتعة والمدهشة، ونرجو لها مزيدًا من النجاح والتألق والحضور في المشهد الروائي والقصصي الفلسطيني. 

 

عرض مقالات: