/
/
/
/

تحاول قراءتي المنتجة حراثة جهتين من جهات رواية (بنت الخيّاطة) للروائية جمانة حدّاد: مؤثرية الأسماء، والتنقلات السريعة لسرد الزمكان

تتكون الرواية من أربعة أبواب  وكل باب بحراسة أنثى من أوراق القمار:

  • سيرون (عنتاب 1912- بيروت 1978)
  • الحارسة ملكة الديناري : امرأة مطواعة، غامضة ومعطاء. تختبر مراحل انتقالية كثيرة في حياتها،ولا تنفك تخوض تحديات جديدة قد يستحوذ عليها القلق.
  • شيرين (بيروت 1970- 000)
  • الحارسة : ملكة الكوبة امرأة غير تقليدية،مغامرة،فضولها أبدي تجاه الحياه. تحتاج إلى التنوع والتغيير،وتخصص وسع الوقت والطاقة لسبر الاحتمالات
  • ميسان (دير ياسين، 1946- ....)
  • الحارسة : ملكة البستوني محاربة باسلة، ومثال صارخ على السلطة. ثاقبة وعازمةهي، تحتاج إلى التحقق كي تكون. مفرطة الاندفاع في بعض الاحيان وتقسو على نفسها كثيراً، لذا يلزمها درس أو أثنان في فن التخلي. تحكم الإرادة قدرها
  • جميلة (حلب، 1977- ...)
  • الحارسة : ملكة السباتي مشاكسة نزقة سليطة اللسان. مندفعة، عنيدة وصريحة، تضع الآخر في موضعه، هي أسيرة كارما ماضيها، مهما حاولت فك قيودها. تحكم الذاكرة قدرها

(*)

الرسمات يمكن اعتبارها حارسات للبوابة الأربع والحارسات يشكل منهن السرد بالاستعارة للشخصيات النسوية الأربع المتحكمات بمصائر شخوص الرواية والتعريف لكل ملكة هو تفسير استعاري لهؤلاء النسوة : سيرون.. شيرين..ميسان.. جميلة .في توظيف الملكات الأربع من ورق القمار استروح نصا غائبا وهو من أهم أعمال إيتالو كالفينو، أعني رواية (المصائرالمتقاطعة) حيث يستعمل كالفينو أوراق التاروت.

(*)

الزمن الروائي يتمرد على زمن الساعة الذي يفترس حياتنا. فلحظة زواج سيرون صرافيان من بسام بركات وهما في الكنيسة، سقطت سيرون في بئر طفولتها والدلو الذي كانت ترميه جدتها في ذلك البئر وتحذيرات الجدة لها من أشباح الماء!! والسؤال هنا ما علاقة البئر بالكنيسة ولحظة الزواج؟ لماذا انشطرت لحظة سيرون بين بئر الجدة ولحظة الكنيسة؟ وما العلاقة بين هيئة المطران وساحر الافاعي الحكاء (كان الجميع يرهفون السمع إلى مغامراته مفتونين، ما خلاها هي..) ساحر الافاعي كان يتحكم بترقيص الافعى  وهاهي سيرون تساءل نفسها(أتراني الأفعى المتراقصة في الكنيسة اليوم؟) بعدها سيتلقى الزوج والقارىء  : صدمة التلقي، لمّا يطلب منها القس أن تكرر : (أنا جميلة الصراف، أتخذك، بسام بركات برضاي ووعيي وأختياري، زوجا شرعيّا لي بحسب قوانين الكنيسة المقدس) الصدمة تختزل بالتسمية المترجمة إلى العربية لاسمها. وجع التسمية الجديدة لا يختلف عن وجع الحذاء الذي استعارته من أخت زوجها، لكن هذا الوجع يدفعها لتصحيح التسمية وعلنا وبتوقيت الساعة الأولى من رسمية زوجها  وهكذا تقول بملء الفم( أنا سيرون صرافيان،أتخذك، بسام بركات،برضاي ووعيي واختياري زوجا...) وهكذا رفضت الافعى أن يرقصها ساحر الأفاعي .

(*)

حافظت سيرون على أرثها الأرمني الجريح. هي سيرون الأرمنية أبنة

 الشهيدين مارين ونظار. وينوب عنها السارد النسبي ليخبرنا بعد صفحات من الرواية أن الضيق ليس فقط في حذاء الزفاف:(الضيق تماما مثل مستقبلها) وسيكون للحذاء سردياته لدى نظار زوج مارين فهو يرى أن هذه الأحذية..(مجبولة بحكايات كثيرة،تنطوي على طرق سَلِكت ْ،وأخرى لم تُسلك، ولقاءات لا تحصى، منها الممتع ومنها المؤلم.. كان يتخيل ماضي كل حذاء، ويتصور الجبال الشاهقة التي تسلقها، والاعترافات السرية التي سمعها ولم يفصح عنها. لو كان للأحذية القدرة على الكلام،لكانت تجهش بالبكاء،أو تنفجر بالضحك،أو تصرخ من الألم)....

(*)

ينتقل السرد إلى اليوميات، وتحديدا إلى  يوم مذبحة الأرمن على يد الجيش العثماني (عنتاب – الأحد 25 نيسان 1915)

ثم ينتقل النص الروائي من السرد المعلن إلى السرد المكتوم وبضمير المتكلم على لسان سيرون بصيغة يوميات (القدس – الأحد 3 نيسان 1932) فنكتشف الانشطار في سيرون (عقلي يأمرني بأن أشعر بالسعادة، لكن قلبي يأبي أن يطيع) ثم ينقطع بث سرد اليوميات لينقلنا السارد النسبي إلى سنة ولادة سيرون (لم سيبق لعنتاب أن شهدت في شهر نيسان يوما كالذي ولدت فيه سيرون صرافيان) وسنكون مع تعارضات التسمية ثانية ً.ولأنها جاءت للدنيا في يوم جميل،أعلن والدها نظار(سأسميها سيرون،لأنها حملت الجمال معها) لكن هذا الاسم تسبب في صدمة ٍ لدى الأم  أما الجدة فقد اعترضت (.. هذا ليس باسم مسيحي !) وكأنها تتوسل (سمها لوسين، أفضل !) إصرار والدها نظار ألجمهما وهو يعلن ثانية ً (سيرون. سيكون أسمها سيرون. نقطة على السطر!)  وكانت شعرها الاحمر علامتها الفارقة . لذا سماها أشقاؤها باللغة الأرمنية (ذات الرداء الأحمر)..تتوالى الأسماء على ذاكرة سيرون بتوالي الأيام لكن  (اسم واحد لا يمكن أن تنساه. هو اسم العقيد التركي الذي عذّب أمها : بشير كيزلار آغا) وسيكون كلامنا عن هذا البشير مسك مقالتنا

(*)

مثلما يوجد السارد النسبي وسر د اليوميات، يوجد كذلك تلفيق السرد ومن فضائل هذا السرد أنه يستحضر الراحل عبر المخيال ويغرسه في ذاكرة اليتيم

وتلك وظيفة أم نظار مع ولدها نظار، فهو (لم يعرف والده إلا من خلال قصص أمه التي لم تنفك ترويها له.) الابن يراوده الشك بهذا السرد الاستحضاري للغائب( كان يشعر بأنها قصص نسجتها من بنات خيالها ثم صدقتها كي تخفف من شعورها بالوحدة.) السرد بوظيفة ملء فراغ:  حالة تعويض للمفتقد اجتماعيا لدى الأم (تخترع الحياة التي لم تعشها) وهذا ليس رأيّ كقارىء بل تأويلات السارد النسبي في الرواية.

(*)

بخصوص سرد اليوميات، يمكن تصنيفه بالسرد المستعاد لزمن سابق.  وما تكتبه سيرون عن أيام ٍ خلت: يعني هناك فاصلة زمنية بين زمن الحدث وزمن المكتوب عن الحدث والعلاقة بين زمن كتابة اليوميات يتجاوز مع سرديات السارد النسبي الذي سيربط بين السنة التي انتهت فيها الحرب العالمية الأولى وبين سنة 1912.. ما بعد الحرب... وأحيانا يشترك السارد النسبي والمؤلفة في محاصصة السرد بينهما لنفس اللحظة : السارد يتناول حين وقوعها وكاتبة اليوميات تستأنف ما انجزه السارد النسبي

(*)

يبحثان: أسكافي وخيّاطة في الميتم عن طفل ٍ للتبني، يتوقفان أمام اليتيمة سيرون فيتداعى السرد الى حياة سيرون في 1912 حين كانت لديها عائلة.. يتقافز السرد برشاقة بين السنوات من (11 نيسان الأحد 9آذار 1919) حيث يصل ما تبقى من قافلة الضياع الأرمنية إلى مدينة حلب ويتم رعاية سيرون  وسواها من الاطفال الارمنيين في ميتم ثم تتبنى الخياطة فارتوهي وزوجها غريغور : سيرون وبعد صفحات يقفزن السرد إلى(حلب – الجمعة – 16 نيسان 1920) يلي ذلك قفزة مزدوجة في الزمكان (القدس – الأحد – 1924) وهذه القفزة المكانية للنجاة من تكملة إبادة الأرمن . ثم يتراجع الزمن إلى (الصحراء السورية – الاثنين 3 آيار 1915) وقافلة الشتات تتساقط وتتضاءل في الطريق فيتفوق الموتى على الأرمن الأحياء.. ثم يعود السرد إلى ما بعد موت والدها الجديد غريغورا وأزدهار مهنة الخياطة لدى والدتها الجديدة فارتوهي وبراعة سيرون في الخياطة وصدمة المفاجأة الشرسة  : حريق يشتعل في الشقة وتحترق فارتوهي.. ثم يقفز السرد زمانيا إلى الجمعة 6كانون الاول 1929

(*)

هناك من كان يلغي اسمها ويناديها (بنت الخياطة) لكن سيرون لا تعترض فهذا اللقب يذكرها بوالدتيها الخياطتين، وهناك ما لا تعرف سيرون : أن البعض يطلق عليها (الساحرة) لأن شعرها أحمر، لكنهم لا يطلقون عليها هذا الاسم إلاّ بغيابها (..من دون أن يجرؤ أي كان على منادتها به مباشرة/ 45)..في دير ياسين  وسيرون جالسة في ظل شجرة كرز فجأة ظهرت عجوز واقتربت منها ببطء وسألتها (ألست الفتاة ذات الأسمين؟) والقصد أنها سيرون بلغة الأرمنية وجميلة باللغة العربية.. ثم تخبرها بفعل استباقي

(قريبا ستحملين بأبنة) (وعليك أن تسميها فاطمة) ثم طلبت منها أن العجوز أن تقسم على ذلك فأقسمت  ستسمي أبنتها فاطمة. فاعلية التسمية تعيد قراءتي المنتجة إلى ص42 من الرواية حين رغبت سيرون بالسكن في دير ياسين،لكن زوجها باسم اعترض (سكان القرية كلهم مسلمون يا سيرون)

فترد عليه سيرون(وأي ضير في ذلك؟ لديك أصدقاء مسلمون كثر والجميع يحبونك أنا متأكدة من أنهم سيرحبون بنا أيما ترحيب).. كأن ثمة قوى لا مرئية كانت تصغي لتحاورهما فتجلّت البشارة بصيغة بشرية على هيئة عجوز لتزداد عائلة باسم وسيرون المسيحية رسوخا بين مسلمين يحبونهما وسيربو الحب حين يطلقون على بنتهما اسم فاطمة الغزير بدلالاته وشحناته الإسلامية. لكن الزوج باسم رفض التسمية وأطلق على ابنته اسم (ميسان) فتميزت الطفلة ببكاء طويل مزعج لعدة ساعات في اليوم، أكدت فحوصات الأطباء ان صحة الطفلة جيدة.أم باسم فسرت بكاء الصغيرة : عقوبة من رب المسيحيين!! لأن سيرون ارغم ولدها بالعيش في القدس مع المسلمين؟ أما سرون فقد لامت زوجها باسم (لم يسم الطفلة فاطمة ورفض أحترام قسمها..) هنا تسطع مؤثرية التسمية وهنا تعني اعلان باسم (أسمعي، إذا رزقنا بابنة أخرى،فسنسميها فاطمة.أعدك بذلك، على شرفي) ومباشرة وعلى ذمة السارد النسبي سيتناقص بكاء الرضيعة ميسان إلى أن يتوقف.

(*)

عندما سهل كميل شمعون تجنيس الفلسطينين المسيحيين، ينتهزها باسم فرصة ليثأرها من سيرون صرافيان ويسجلها في بطاقة الهوية اللبنانية (جميلة صراف)

(*)

شيرين لديها صديقة اسمها (نظلة) تيمنا باسم جدتها، وكان هذا الاسم قد جعل نظلة هدفا للسخرية بين طالبات الابتدائية.. في مرحلة المتوسطة تتعطر باسمها الجديد من خلال قارورة عطر(نينا ريتشي) تهديها لها والدتها لمناسبة عيد ميلادها، فجردت نظلة من اسمها القديم وصارت تسمى (نينا)

وشيرين غيرت اسمها إلى نانا

(*)

شيرين لم تكن شيرين حين ولدت في أيلول 1970 فقد أراد والدها أن يسميها(شابريتا) وباللغة الآشورية يعني جميلة وحين ترفض أمها ميسان ذلك يقترح عليها اسم (يالدا) وهو اسم آشوري.. لكن الأم اصرت أن يكون اسم ابنتها :(شيرين) :(اسمها سيجلب لها القوة بكل تأكيد،بما أنه اسم بطلة فارسية)..

(*)

الفاعلية التسموية الرئيسة  تتمحور على اسم(بشير) وهو المهداة إليه الرواية

(إلى بشير

طويلاً ناديته قبل أن يكون له اسم

سوف طويلا أحبه بعد أن أنسى أسمي)

نلاحظ أن اسم بشير بين زمنين

*قبل الكينونة : قبل أن يكون له اسم

*المستقبل الأقصى : من خلال(سوف) وكذلك من خلال مؤثرية الزمن على الذاكرة( بعد أن أنسى أسمي)..

في الصفحات الأخيرة من الرواية الشابة جميلة اليازجي ابنة شيرين  تقيم علاقة مع مسؤول عن رعاية مخيمات اللاجئين السورين، يلتقي المسؤول مع شيرين تسأله عن اسمه وهنا تكون صدمة التلقي الأشد شراسة حين يجيبها

: (بشير اسمي بشير..) فتخاطب شيرين نفسها(مجرم كل من يحمل اسم بشير)

ثم تجيء الضربة القاضية (بشير كيزلار في خدمتك) هنا تسقط شيرين في خندق ٍ غميق يعيدها إلى بداية مذبحة الأرمن (وجع أربعة أجيال محصورٌ في اسم)..هنا وقعت شيرين في نوع من التداعي وهو تداعي الأسماء،فراحت تحتال وتدعي أنها قرأت في كتاب تاريخي عن رجل اسمه بشير كيزلار، فيجيبها

بشير( ..أنك تقصدين جدي الأكبر؟) ويعلن هذا البشير افتخاره بجده كبطل قومي في الأمبراطورية العثمانية وهذا الجد الأكبر هو مجرم حرب في مذبحة الأرمن.. وما الذي تستطيع عمله الآن ؟ (هل تستحق أسرته عفواُ بعد مئة عام؟) الأحداث القادمة في الرواية تجيب على سؤال شيرين فخطيب ابنتها جميلة لا يعرف في الوسط الحركي باسمه الحقيقي بل بلقبه الارهابي (أبو سياف الأضناوي )المنتمي لمنظمة أرهابية موالية لداعش : (جماعة دوكوماجيلار) وسينتقل للقتال مع الدواعش ضد النظام السوري ويقتل في كوباني، وتباع زوجته جميلة كسبية بعد وقت قصير على موته فتهرب عائدة  إلى تركيا وتفجّر نفسها..

(*)

مِن خلال فاعلية  التسمية : هل أنا أحملُ اسمي ؟ أم اسمي يحملني؟

مَن الآسر؟ والمأسور مَن ؟ في لعبة التسمية

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل