/
/
/
/

 

على ندرة ما كتب عن تجربة يحيي الإبداعية، فإن خزين الذاكرة تستفز اللهفة لمعرفة المزيد والى توجيه نداءلأصدقاء يحيي ومعاصريه للاسهام معنا في إثراء المحاولة وغايتها النبيلة.

وحتى لانثقل على الاصدقاء ممن يجد مشقة وعناء في قراءة(المطولات)، أو شعورا بالملل، سنلجأَ الى مواصلة الكتابة عن التجربة بحلقات، نبدأها بالأولى:

-  مشهد 1-

الشارع المؤدي إلى جسر الأحرار من صالحية بغداد، بدءاً من تقاطع الإذاعة حتى مقتربات جسر الأحرار، لا يبلغ بالطول أكثر من مائة متر، غير ان الشارع أيام الخمسينات والستينات كان مليئا بالأضواء والعطور، أشجاره لاتحزن ولاتشيخ، تتوسط جانبه الأيسر سينما(ريجينت)، عجباً للمباني وهي تضحك!! يوم بغداد مثل طفل بريء، لم يدنسها الغزاة بعد ، بغداد كانت أشبه بفتاة فاتنة، ونفحة فجر.

في الركن المطل على دجلة من الجهة الثانية، كان ملهى ليالي الصفا، وهو يتوهج في إشتعاله في الليل.

كانت اللوحات المعلقةعلى مخازن بغداد ومكاتبها الباذخة تشدني بإغراءها، أتأمل اليد الماهرة التي صنعتها، تأمل العاشقين على مدام الوجد، تحيط بها الظلال والأنوار، صور لحروف وأقلام وموازين ومساحات ، تنساب على الخشب، نظام خارق الجمال من الخطوط، متحركة متآلفة، متعاشقةمع النور، أقف أمامها منبهراً، أسماء :هاشم البغدادي، سلمان الخطاط، مشكين قلم المتخصص بالخط الفارسي، مهدي الجبوري، صادق الدوري، حليم، وعباس، كانت الظروف مواتية لتمنح هؤلاء الحرية المطلقة في تقديم أعمالهم في الفضاء لجمهور عريض، كنت أشعر بالبهجة وأنا أحفظ تلك اللوحات الجميلة، بألوانها، ونوع خطوطها، وتناغم إيقاعاتها، بالتقليد والمحاورة.

كان يحيى جواد الساكن في مكتبه في ذلك الشارع أحد هؤلاء، عرفته لأول مرة من خطوط له في مجلة (الثقافة الجديدة) ، في أعدادها الأولى أعوام الخمسينات، ومن ثم في مجلة (المثقف) التي أصدرتها جمعية الخريجين العراقيين الذين عادوا الى العراق بعد إكمال دراستهم في إنكلتره، بعد تموز ٥٨، وكانت تجربة مهمة في الثقافة العراقية، إنتهت للأسف الشديد، وسط إجواء إحتراب سياسي، وعداء للفكر التنويري.

أشد ما لفت إنتباهي في (المثقف) غلافها المتميز، لم تكن الصحافة وقت ذاك تتقبل هذه الجرأة في التصميم، يحيى جواد كشف عن نزوعه للتجديد والحداثة في هذا العمل الفريد، عمل على توظيف عنصر واحد واكتفى بإسم المجلة، ليتجه به صعداً الى الأعلى، من الظل الأرضي الى عالم بلا نهايات، وإرتقى بالشكل إلى أفاق الشعر والخيال، ومطلق الموسيقى، بليونة وإعتدال.

مكتب يحيى جواد (التشكيلي، القاص، الروائي) كان منتدى ثقافياً، رموز الثقافة العراقية، يلتقون فيه :حسين مردان، سعدي يوسف، محمود البريكان، رشدي العامل، غائب طعمة فرمان، عبد الملك نوري، جيان، محمد غني حكمت، مظفر النواب، نزار سليم، نزار عباس، ناظم رمزي، و... و... غيرهم كثر، الملتقى كان نسيجاً من الخبرات والإضافات الإبداعية، وعالماً زاهياً بالصحة والنيات الصافية، ومخاضات التجارب الأولى نحو التجديد

عاش يحيى تلك الفترة الزمنية المحتدمةالتي بدأت فيها الحداثة تتلمس مساراتها الأولى في الفن والأدب، بنتاج أصيل، صحيح التكوين، واضح الأهداف، كانت المحاولات جوازات تحمل مفاجآت الزمن العراقي الواعد، واذا هي تنويرات لعهد من الثقافة العراقية الواعدة كذلك.

في تلك الفترة بدأ يحيى جواد أشد وضوحاً وتألقاً حين إكتشف وجوده خلال مشتبكات الأحداث، فأطل علينا من أجمل النوافذ، التي عبر منها هواء إمتلاك الذات وحلم المبدعين.

يحيى جواد من جيل وجد ضالته المنشودة في ساحة الإبداع العراقي، وعرف على أي أرض يقف، وأي من من قضايا الفكر يتبنى، وأي جمال يجذبه الى أحضانه.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل