(لندن-طريق الشعب (خاص

التقى جمهور من الجالية العراقية في لندن في الثامن والعشرين من شباط ٢٠٢٠ بالشاعرة دلال جويد ضيفة المقهى الثقافي العراقي في لندن في حفل توقيع ديوانها الذي صدر حديثا وعنوانه " دمعة وحيدة.. مطر كثير "وكان برنامج الأمسية متنوعا حيث قرأت الشاعرة مجموعة قصائد من الديوان وتحدثت عن شعرها ومضامينه وأفكاره كما ساهم الفنان الموسيقي طاهر بركات بأداء أغان عراقية مهد فيها الى أجواء الديوان.أدارها الفنان والكاتب يوسف الناصروإبتدأها قائلا:

 "نلتقي الليلة بمناسبة صدور ديوان دلال الجديد " دمعة وحيدة .. مطر كثير" حيث ستّوقع لمن يرغب أن يقتني نسخة منه في نهاية الأمسية، لكننا لا نحتفي بصدور الديوان فقط انما نستغل هذه المناسبة لنسمع من دلال مرة اخرى حيث سبق لها ان كانت ضيفة على المقهى قبل سنوات ". وأضاف الفنان الناصر قائلا :" اننا نحتفل ايضا هذا اليوم بشاعرة عراقية في وقت نشعر فيه ، اكثر من أي وقت ثان، بتعافي الروح الوطنية العراقية ، شكرا للإنتفاضة الرائعة . ودلال جويد الشاعرة البصرية سليلة شاعرات حققن مكانة عالية في الادب العراقي  والعربي . واضافة الى القيمة المهمة لإنتاجهن الإبداعي ، هناك قيمة أخرى في تصوري ، اذ يكفي وجودهن لوحده في الساحة الأدبية ، وإستمرارهن بالعطاء والابداع ليكون إعلان مقاومة وتحد للمشروع الظلامي ، ودليلا على إفلاس هذا المشروع الذي هو في تصوري  مشروع فاشل ومفلس بالأساس ، فالمشروع الظلامي الذي يخشى شَعْر المرأة ( بفتح الشين ) فكيف بشعرها إذن ( بكسر الشين )؟ الشعر الذي يعبر عن عواطفها واحاسيسها وافكارها المحرمة في نظره . وكيف اذا كانت تتحدث عن الحب والعشق مثلا ؟ وهو ما تزخر به قصائد دلال . هذا يعني ان الشاعرة تمارس حريتها التي لابد منها لإنتاج العمل الفني ، هذا الشيء الذي يخيف "لفائف الشيطان" ( هكذا أسميهم) ..وهل هناك أكثر تجسيدا للحرية في الشعر الصادق ، الشعر الذي لا يكتب تزجية للوقت او اللعب على  العواطف والكلمات ، وإنما الشعر الطالع من صميم الحياة ، من صميم الفكر والمشاعر،  شعر ينبع من حرية روحية وشجاعة لا تقبل المهادنة ، .. فهولاء الذين يحاولون بناء جدران حولنا او أسوار او بيوت بدون نوافذ ولا ابواب لا يزعزع أسس بنائهم ويوقفهم عند حدهم أكثر من الحرية ، ان يمارس الانسان حريته التي يخافون منها .. الفن في تصوري هو واحد من أهم زوارق الحرية ان لم يكن قطار الحرية السريع وخصوصا اذا كان هذا الفن من إنتاج فنانات " ونوه التشكيلي يوسف الناصر على أهمية تشجيع الفنانات والشاعرات على ان يكون التشجيع مشروطا بالإبداع ، وقال انه سوف لا يتكلم عن شعر دلال كونه ليس ناقدا للشعر لكنه أكد ان ما قرأه لها ، أيا كان موقعه من الشعر ، وجده كلاما نابعا من حرية داخلية لا تقبل المساومة ".

وأشار الى ان هذا لوحده يكتسب أهمية بالغة الضرورة في ظرف يمر به واقعنا الذي يعاني من محاولات إرجاعه الى ظلمات العصور الغابرة..وخلص الى تأكيد ان الاحتفاء بالمبدعات العراقيات هو واجب وطني.

 ثم قدم الفنان طاهر بركات مجموعة من الأغاني العراقية شاركه فيها حضور الأمسية وكان بركات يؤدي تلك الأغاني وهو يتجول بين صفوف الحضور في القاعة. وقد مهدت هذه الفقرة لقصائد الأمسية بأجوائها العراقية وهم يسمعون أغان مثل (الريل وحمد ) و( يابا يابا شلون عيون) و( إتدلل عليّ إتدلل)..وأعادتهم الى الوطن الذي يحبون ويفتقدون .

 وعن دلال قال الناصر انها من مواليد البصرة وخريجة كلية التربية جامعة البصرة عام 1992وحصلت على شهادة الماجستير باللغة العربية وآدابها من نفس الجامعة عام 1996وأنهت السنة التحضيرية الأولى لدراسة الدكتوراه ثم عملت في التدريس الجامعي فدّرست في جامعة الشارقة في دولة الإمارات العربية مواد : الأدب العربي، والمكتبة ، والمعاجم العربية ، عملت صحفية متخصصة بالمنوعات  والتحقيقات الميدانية منذ عام 2000 في العديد من الصحف والمجلات منها صحيفة "الخليج" في الشارقة وصحيفة "البيان" في دبي ومجلة "سيدتي"و" الشروق" و"التراث" ومجلة "المجلة " في لندن كما عملت متعاونة مع وكالة الأنباء الفرنسية وكتبت في الغرائب وعادات الشعوب وهي كاتبة عمود شهري في مجلة "الصدى" وعمود اسبوعي في صحيفة "الخليج" الإماراتية ولها صفحة شخصية في موقعي "الحوار المتمدن" و "النور" الألكترونيين وهي مديرة تحرير موقع "قصيدة النثر العربية" ولها مجموعتان شعريتان الأولى التي صدرت الآن وهي "دمعة وحيدة.. ومطر كثير" والأخرى تحت الطبع "أقول أطفالي وأعني أصابعك".ولها كتاب سيرة "كنت يوما في العراق " وكتاب نقدي عن الأحلاف في الشعر الجاهلي".ودلال تقيم حاليا في لندن وتعمل في الصحافة والتدريس.

 ثم جاء دور ضيفة الأمسية وكان شعرها : استهلت الشاعرة دلال جويد قراءاتها بقصيدة عنوانها (نخيل) وذكرت ان لها علاقتها الاستثنائية بالنخلة هي ليست علاقة بنبتة انما علاقة حب:

نخيل

من عناق نخلتين ولدت
كلما اشتد حزني
نبتت في خاصرتي "سلاية"
أنى اتكأت توجعني
وانت تستل على مهل
سلاء كثيرا
وبحنكة عاشق
تشاغلني
كي تجمل الندب

فيا حبيبي
انا نخلتك
كلما نظرت اليّ
تمد أذرعها
للعناق
عذوق الرطب...

وكذلك القت قصائد أخرى منها:


قرأنا كثيرا عن الحب
حتى ظننا
أنّا رعاة قطعانه الهائجة
فتهنا
تشققت أقدام أغنياتنا
وانكسرت ناياتنا
وما وجدنا السبيل

قرأنا كثيرا عن الحب
حلمنا به
صعدنا نخيله
وتساقطنا تمرا
يليق بخمر العراق..

سمعنا كثيرا عن الحب
عن مجانينه
وحسناواته
وصدقنا ان كل مخبول يمثلنا
انا ليلى
أنا لبنى
وأنت قيس أحلامي
تختصر الرجال بقبلة
وتهوى كلما
دمعة مني هوت
ولكن..
مذ رأيتك
عرفنا اننا فوق حكايا الشوق
عبرنا برزخ الشك
جنون الغيرة الحمقاء
مزقنا قميص الوجد
وغنينا
بصوت عاشق طرِب
روحي معلگة بيك……

وكذلك قصيدة :

اللصة

لست ابنتك أيتها الحياة
لذا سأكسر اغراضك
وأسرق حليك
واسكب عطورك
سأكون لصة جشعة
لا أترك في خوابيك خمرا
إلا احتسيته
ولا في أدراجك ثوبا
إلا ارتديته 
سأطوف في غرفك المضيئة
واثبت آثار جنوني بها
سأخرب فرحتك
حين تسلمينني إلى ذراعي الموت المظلم،
لأني أكون قد شربت ضوءك
كاملا
حتى صرت في عتمتي
أضيء
...

كما:

ـ أحبكِ.. ألا تكفي؟هذي قفار كثيرة
وتلك بحار ورمل
وأنا أركض بينها
مثل غيمة
لست أدري على أية بذرة أمطر
لتنبت عشبة الخلود
فأقدمها لشفتيك
وأقول: بل تكفي وتشفي ..

ـ أحبكِ الا تكفي؟

ليتك تنفخها ببوق كبير
لتسمعها الرائحات والغاديات
وليتك تنبتها في أرضي سنبلة
تنبت سبع سنابل
ثم سبعين
ثم حقولا من اللمعان تحت قرص الشمس..
وقلبي ينظر بحبور إليها
فلا يجوع..ـ أحبكِ ألا تكفي؟ هلا كررتها
لتركض في باحة الدار
مثل أولاد كثيرين
وأنا أمهم كلهم
كلما أكل الذئب واحدا
طويت جناحي على الآخرين
فلا تبيضُّ عيناي من الحزن
ولا أكترث لقميصك المقدود
من أي الجهات يُقدُّ؟..

ـ أحبكِ ألا تكفي؟

نعم تكفي اذا ما كنتَها كل حين..

وكذلك:

صندوق أسود

الشاعر صندوق الساحر
من فمه تمتد أفاع تعوي
نايات مكسورة
أرانب برية تهرب من بطشه
تخرج حسناوات كي يقطعهن بسيف من كلمات
حشود من أقزام تهتف باسمه
وبضربة سوط واحدة
يقتلها
الشاعر
صندوق لعجائب تشبهه
....
حدق في الصندوق
زهور ذابلة. ……رمان منسي………منذ سنين
جماجم أطفال تلعب
وحقول تركض خوفا من فزاعات تأكلها
وجوارٍ يتوسلن العتق
عناوين لمعزوفات لم يسمعها
أسماء نساء منضدة حسب حروف الشهوة
ترهات ملونة ……………وأحابيل تطوق أعناق البلهاوات
في صندوق الساحر....… شعر أعمى..…لم يبصر وردة
لكنه يكفي كي يخدع………… جمهورا لا يقرأ
في الصندوق ……………قبعة الساحر
يختبئ فيها الشاعر.

ثم إنتقل يوسف  الى محور آخر في الأمسية هو محور الحرب فقال إنه وجد لقاء صحفيا مع دلال قالت فيه : 

" قضيت معظم سنوات عمري في الحرب .. على مدى عشر سنوات كنت أرى يوميا صورا من الحرب تعرض على القناة التلفزيونية الوحيدة ..هذا الخراب كان مرعبا بالنسبة لي ..كنت ومازلت أخاف منه .. أطلقت لقدميّ وروحي العنان للهرب بعيدا عنه .. قررت أن أحتفظ بدهشتي بالحياة والحب وأن أتمسك بهما بكل طاقتي ..هكذا أتوازن في مواجهتي لكل الموت الذي خبرته "

علقت دلال على قولها :" هذا صحيح ..مع هذا تطلع الحرب بنصوص هي تجربتنا أعتقد أغلب الحاضرين هنا ، بل جميعهم قد خبروا الحروب العراقية التي لا تنتهي ..لقد كان عمري تسع سنوات حين بدأت الحرب العراقية- الإيرانية ولم تنته  الحروب  حتى الآن".

ثم عقب يوسف الناصر ودعا دلال ليكون حديثها هذا مدخلا لتخبرنا عن حياتها في البصرة  كيف كان اهل البصرة وعائلتها يستقبلون تلك الأحداث وكتابات دلال .. لأن الكتابة هي نوع من المقاومة اذا كان لها من ينشرها او من يقرأها فهذا بحد ذاته مقاومة . فاجابت انها بالدرجة الأولى كان يهمني ان اكتب لكن :" أنا نشأت في عائلة يسارية ، الواقع أمي يسارية لأن والدي وقع في الأسر وعمري كان عشر سنوات وعاد وانا في العشرين فتكويني لم يكن بوجوده ..اما عن البصرة بالرغم انها مدينة وحاضرة لكن الطاغي عليها الطابع القروي فكان أهلنا عندهم شيئا من التزمت بحيث ان أول بيت شعر حفظته كان من جدي ..علمني (أبو ذية) وأكد عليّ بصرامة قائلا ( لا تقوليه لأي كان ) وكأن قولي للشعر جريمة مع هذا كان يسود بيتنا الجو الشعري .. سأقرأ بعض نصوصي عن الحرب أتمنى ان لا تكون مصدر إزعاج لكم ":

أرض حرام

كل الجهات أرض حرام
وقلبي أعزل
ينظر إلى جثته الباردة
لا دود يأكلها ولا غربان
...........
كل الجهات أرض حرام
أنا جثة عارية
والليل صليل
لا أريد الموت فوق الثلج
سئمت قدراته الحافظة
........
كل الجهات أرض حرام
لا قافلة تلتقطني مع السيارة
ولا ذئب يشم رائحة دمي
ولا أخوة يتباكون علي ولو زورا
............
كل الجهات أرض حرام
وأنت بعيد
كما رغيف مشتهى
أو قمر تحجبه الليالي
ليلة تلو ليلة
تلو ليلة
وأنا الوحيد
لا يوارى جثماني الثرى
ولا يبكى عليّ
................
فاحتسِ كأسك الآن
أو ادلقها على الأرض
علها تسرب لي
شيئا من نبيذك
فأسف ترابها
وأسكر
سكرة تلو سكرة
تلو سكرة
......
كل الجهات أرض حرام
ورصاصة الرحمة
لا تجيء

الحرب تشبهنا قليلا
ذلك أن الساسة أطالوا اطرافها كي تناسب مقاساتنا الكبيرة..
ربما
من فرط ما ارتدينا الحرب صرنا نندلع هنا وهناك..
من دون سابق انذار نقصف بعضنا
حين نحب نطلق صواريخ الحب..
وحين نكره نحرك دبابات الكراهية..
وهناك إيفا عسكرية تنقل مجاملاتنا وتحياتنا ورسائلنا إلى البعيدين عنا بوصفها أرزاقا عسكرية..
حتى أني تلقيت ذات يوم زمزمية وقصعة، أكل الجنود الجياع ما فيها..
تلك كانت رسالة من أمي إليّ في الجبهة..
أقصد أنا هنا في البعيد الذي يشبه الارض الحرام
أترانا نشبه الحرب؟
###
هربنا من الحرب
عبرنا اسلاكها الشائكة
ركضنا بين ألغامها ……… غافلنا فرق الإعدام
حاملين معنا رسائل حب كتبتها قلوب ترتجف
ودموعا بللت أكتافنا……أدعية لا تجاب…… وزمزمية عطشى..
هربنا ……من الموت
من رصاص يبدد عناقنا
وقناص يرصد جمر سجائرنا..
هربنا ……طويلا
لكنها... بأقدامنا تركض الحرب

وتناول الفنان يوسف الناصر محور الأمسية الثالث وكان (شعر الومضة) أو (البيت الواحد) الذي يمكن ملاحظته في شعر دلال خصوصا في ديوانها الآخير والذي أطلق عليه احد النقاد وهويتناول شعر دلال (شعر الهايكو) والحقيقة معرفتي البسيطة والمتواضعة عن (الهايكو) فله عالم خاص لا يمكن ان تكتبه إلا أذا كنت يابانيا .

وضحت دلال " انني حين نشرت هذا النوع من النصوص في سنة 2000 أو قبلها أطلقت عليه تسمية ( هايكو عراقي) وبعدي أحد الشعراء العراقيين أصدر مجموعة شعرية عنوّنها ( هايكو عراقي) بالنسبة لي كنت مبهورة في القصيدة القصيرة وجدتها تشبه (الهايكو) ولهذا أطلقت عليها (هايكو عراقي) لكن مع مرور الوقت ولكون هذا المصطلح مستقر ، في الشعر الياباني ، ألغيت الفكرة ، تراجعت عنها ، وذلك ليس خطأ فقد اكتشفت وعرفت شيئا آخر فأسميته هذا النوع من كتابتي (شعر اللقطة) أو (ومضة شعرية ) لاتهم المسميات ، بالنسبة لي تشبه (بيت القصيد)  فأحيانا نجد في قصيدة كاملة بيت وحيد  يلخص فكرتها او مغزاها ..انا اراها (قصيدة مكثفة) قد لا تعجب البعض لكني أحب كتابتها وأجدها تمثلني منها مجموعة اسميتها ":

توقيعات

قليل زيت مصباحنا

لم أنت كثير ايها الليل؟

أنا المهلهل من فرط حزني

وأنت اليتيم الذي يرتديني

ليست الحياة عادلة

عمدتك بماء الجمال

وعمدتني بالعطش

أتأبط ذراعك

أتأبط روحك

يرقص الطريق

لين قلبي

كي لا ينكسر مسمارك

من فرط سطوعك

لا أستدل عليك

بمصباح السؤال

عرض مقالات: