/
/
/
/

هل كانت الساعة التي تشير الى الثانية من فجر يوم 17/1/1991 هي العلامة والأثر الذي أدخلنا عنوة في بوابات المجهول والضياع الاول الذي قادنا الى مجاهيل لا عد لها ولا حصر أم سبقتها تواريخ اخرى تكاملت في فجر ليلة 17 كانون الثاني من عام 1991، وأعني بها تلك البوابات المعتمة التي ربما أولها 8 شباط 1963 او 17 تموز 1968 أو 22/9/1980؟ .. المشكلة أنها كلها تواريخ تحتمل أن نطلق عليها بوابات مجاهيل أو بدايات الانحدارات الحقيقة لعلامات مضيئة وهي محاصرة بالأفول التدريجي تارة والأفول السريع تارة اخرى ..
ليلتها كنت أغط في نوم عميق بعد نهار متعب مليء بالترقب والخوف والخوض في تفاصيل التوقعات والهواجس التي كانت تبثها الاذاعات التي اعتدنا سماعها يوميا، حيث كانت هي البوابة الوحيدة المتاحة لنا للاتصال بالعالم الخارجي بعد حصار السلطة، مونت كارلو، اذاعة لندن، اذاعة موسكو وغيرها الكثير الكثير .. (هل سيضربون؟ هل ينفذون تهديدهم؟ هل سينسحب في الوقت الضائع؟) هكذا كنا نمضي ايامنا وليالينا نردد اسئلة لانجد لها جوابا وسط الفوضى، لكن صرخة زوجتي ـ في تلك البرهة من ليلة شتائية ـ والذعر يخشب حركاتها:
ــ لقد بدأت الضربة..!
لم اصدق ما قالته، لأني كنت أضع رهاني على تراجعه في اللحظات الاخيرة ـ كما عودنا من قبل ـ كنت على يقين إنه سيفعلها في الوقت الضائع ويعلن انسحابه من الكويت. فضلا عن شك جعلني متأكدا إن دول التحالف لايمكن ان تنفذ تهديدها من دون أن تضع حسابا للوقت بدل الضائع، لكن صوت مدافع 57 ملم حطمت كل الشكوك، اصواتها المرعبة وهي تنفجر فوق رؤوسنا كانت أكثر الحقائق رسوخا وهي تؤكد أن الحرب قامت.. أجل قامت ولا يمكن أن يوقفها أحد، يومها كانت الانفجارات أكبر من كل التحليلات العسكرية ولاستراتيجية الانفجارات أكثر الحقائق رسوخا، وهي وحدها التي هيمنت على مخيلتنا وهواجسنا، تلك الحرب المرعبة التي لم نكن نعرف عنها الكثير (الحرب الكيمياوية .. والجرثومية.. وربما النووية) عبر كل هذه الهواجس استيقظت زوجتي قبلي مذعورة جدا، حملنا اجسادنا المضطربة وأيقظنا البنات ثم هرعنا إلى غرفة في الطابق السفلي كنا قد أعددناها بعد أن اغلقنا كل منافذها (خوفا من تسرب اسلحة الموت الجرثومية المجهولة) خزنا فيها القدور الكبيرة التي ملئت بالماء، حالما وصلنا الغرفة، دوى انفجار رهيب هز البيت، وارتج العالم حولنا، بعدها سمعنا اصوات تكسر زجاج ... انتبهنا بعد حين الى أن ابنتنا الصغيرة مازالت نائمة في غرفتنا.. اذ نسيناها ـ بسبب ذعرنا ـ نائمة في فراشها وهرعنا الى الغرفة السفلية التي اكتظت بنا حينها أعتبرت ان صعودي الى الطابق العلوي وجلب ابنتي بطولة فتسلقت السلالم الاسمنتية بخفة قط وجلبتها .. كانت لاتزال نائمة بجمال وألفة وطمأنينة.. لاعلاقة لها بما كان يدور حولها وحولنا من تساقط للصواريخ ... او اصوات الطائرات وهي تشق السماء مخترقة بغداد وكل مدن الوطن .... بقينا نلتقط اذاعات تبتعد أو تقترب.. وآخرها.. كانت كلمته المختصرة (لقد غدر الغادرون) ... صوته كان يصل الينا بشكل لايشبه الصوت الذي اعتدنا سماعه كان صوتاً مكتوماً، يبدو واضحا للقاصي والداني إن رئيسنا يحدثنا من مكان تحت الارض، نفق أو سرداب أو حفرة لا لشيء إلا لأنه يحب الأماكن التي تحت الأرض !

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل