/
/
/
/

كتابة: اناتولي سوفروتوف
ترجمة: كاظم سعد الدين

تقديم

حين نفكر بميخائيل شولوخوف (1905-1984) اليوم، فإننا نفكر على نحو ثابت بالخلود. نفكر بأجيال المستقبل التي سوف تفتح أغلفة " الدون الهادئ" و" الارض البكر حرثناها" وتقرأ الصفحات الأولى من قصص شولوخوف ونعجب بحكمة الشعب المطمئنة في رواية" حاربوا من اجل الوطن"، وندرك عمق الفكرة في " مصير انسان".
تبدو هذه الكتب التي ابدعتها موهبة شولوخوف على ضفاف نهر الدون حيث موطن المؤلف، انها قد تشربت بتجربة الامة كلها، مصورة بذلك شخصيات انسانية ومصائر متعددة.
وسوف توفر رواياته وقصصه التي تعكس احداث حقبته للأجيال المقبلة أساس دراسة تاريخ بلدهم مادام التاريخ والكاتب متلازمين دائماً. ولم يحِدْ الكاتب قط عن الواقع التاريخي مهما كان قاسيا قسوة لا ترحم في بعض الاحيان.
وقد نال عدد كبير من المؤلفين السوفييت شعبية عالمية واسعة. ومع ذلك قلما يستطيع المرء ان يفكر بكتاب نال حظوة واسعة جداً وجلب لمؤلفه شعبية عظيمة، مثل "الدون الهادئ" بأجزائه الاربعة، تأليف شولوخوف. ولا يمكن اليوم تصور الادب السوفيتي والادب العالمي من غير هذا الكتاب، الذي يعرف ابطاله كثير من القوميات المختلفة ويحبونهم حباً جماً.
اثرت كتابات شولوخوف تأثيراً عظيماً في تشكيل الضمير الثوري لملايين الناس في أرجاء العالم الذين يخوضون كفاحاً مراً في سبيل حياة أفضل على هذا الكوكب.
ربما اننا من معاصري شولوخوف فبوسعنا ان نفخر حقاً بأننا نشهد ازدهار موروثات شولوخوف التي اغنت الادب السوفيتي.
الدون، ارض الدون، ارض موطني أعطتني القوة لأرى وأتعلم كثيرا جدا- تنحدر عائلتي- من ابي وجدي- من قوزاق الدون. وحين كنت طفلاً شهدت سنوات الحرب الاهلية العصيبة، والكفاح ضد الثورة المضادة في البلاد واتذكر احداثاً كثيرة من تلك السنوات العاصفة.
كنت أعيش آنذاك في مدينة فوفوجير كاسك التي كانت تعد عاصمة قوزاق الدون. وبعد ذلك بقليل انتقلنا الى اوست – ميد فييريتسكايا، القرية القوزاقية. وفي سنة 1921 استقر المقام بوالديَّ وانا معهما في الروستو على نهر الدون. وكانت سيرتي التراثية والادبية، بطبيعة الحال، وثيقة الصلة بنهر الدون وقوزاق الدون. وكذلك بالتغيرات الكبرى الحاصلة على ارض الدون مع بدء البناء الاشتراكي. وبعد ان انهيت سبع سنوات دراسية ذهبت للعمل في سيلما سستروي" أحد المصانع العملاقة التي بنيت في اثناء الخطة الخمسية في السهوب، خارج روسنوت. اشتغلت (ميكانيكيا) ومشغل ماكينة تفريز (مخرطة تنعيم)، بكلمات اخرى، كنت احد اولئك الذين انتجوا اول حاصدة درَّاسة سوفيتية في 1932. وهناك كتبت اول قصائدي.
لكل واحد منها مكانه المفضل حيث ترعرعنا ومررنا بأوائل افراحنا واتراحنا. وحيث اعجبنا بشروق الشمس وغروبها في ايام كثيرة ممثلة جمال موطننا. وقد اثبت الدون، "الدون الهادئ" انه مكان مثالي هذا بالنسبة اليّ. وقد ولدت هذه الصفة من اغنية شعبية واصبحت عنوان رواية ميخائيل شولوخوف.
كنت موفور الحظ فقد التقيت شولوخوف اول مرة قبل خمسين عاماً حين كان شاباً نشيطاً مفعماً بالخطط. وقد جلب انتباه الجميع، شيباً وشباباً، الذين أحبوا الدون ارض موطنهم. واستمرت لقاءاتنا حتى آخر الايام الاخيرة من حياة شولوخوف.
إنني اتصفح فصول حياة سجلت لقاءاتي بالكاتب، ويسرني ان اشارك قرائي بهذه الذكريات.
زرت أماكن كثيرة، وحيثما كنت توجهت ذاكرتي بنحو لا يتغير الى سهوب الدون الشاسعة وضفاف النهر الشديدة الانحدار، والنهر العميق الهادئ ظاهرياً الذي تغنت به اغان جميلة كثيرة واني أفكر بالرجل الذي ألّف أغنية من أجمل الاغاني عن ارضه، بمخائيل شولوخوف. قلبي يطفح بحب لا حدود له لأرض الدون وبالإخلاص لها ولكل شيء رأيته وجربته ها هنا.

الدون الهادئ.. سينمائياً

في ثلاثينيات القرن العشرين قام المخرجان السينمائيان او. ﭙريوبرازينسكايا و آي. ﭙراڤوڤ باعداد فيلم سينمائي للدون الهادئ استناداً الى رواية ميخائيل شولوخوف، مع إيما تسيسارسكايا في دور اكسينيا واندريه ابريكوسوڤ في دور كريكوري مليخوف. وفي الوقت الذي كان في الفيلم اشياء كثيرة جيدة، كان فيه ايضاً بعض الاخطاء.
ثم أُخرج فيلم سينمائي جديد، وقد كتب السيناريو المخرج السينمائي سيركي جيراسيموف. وحضرنا العرض التمهيدي الخاص للجزء الاول من الدون الهادئ بشيء كثير من الترقب. وان اشد ما اقلقنا هو : هل ينجح في تصوير عالم اولئك الناس الاعتياديين تصويراً يطابق عمق حياتهم وأحاسيسهم؟ وليس من النادر ان يشعر بالمرارة الشديدة بعد رؤية فلم معد عن احد الكتب المفضلة. وغالباً ما يميل المخرجون الى اجراء تركيز غير ضروري على امور ثانوية في الكتاب، وبذلك يجرِّد تصور الكاتب من اتساعه ويؤثر في تناسقه.
لقد عرضت الملحمة السينمائية، الدون الهادئ، على آلاف الشاشات، وقارن ملايين الناس مدركاتهم الخاصة فيما شاهدوه على الشاشة. وبطبيعة الحال، فان كل انسان يهتم في الاساس بشخصيتي اكسينيا و كريكوري مليخوف.
في احد العروض التمهيدية الخاصة قال لنا سيركي جيراسينوف :
"أتسألونني عن الممثل كليبوڤ؟ بوسعي ان اقول مخلصاً ان من دواعي سروري ان اعمل معه. فقد حضن الممثل شخصية كريكوري مليخوف سنوات كثيرة. وحين بدأنا تصوير الفيلم رأينا مدى فهم الممثل كل كلمة وفعل من كلمات وافعال كريكوري. ولم يفهم كليبوڤ الامور كما يفهمها كريكوري فقط، بل انه يشعر كما يشعر كريكوري، وهذا اهم شيء. وحين يمتلك الممثل هاتين الصفتين وان الموهبة الطبيعية تتفاعل مع نجاح التصوير ".
لقد انجز العمل ببراعة! وتم انصاف هذه الشخصية. ونجح سيركي جيراسيموف وﭙيونر كليبوڤ في تصوير تطور شخصية كريكوري وبات المشاهد شاهداً على هذا التطور. وتفاعل افعاله ومواقفه تجاه احداث مختلفة بمواقف مختلف للناس تجاه كريكوري نفسه، وصولا الى وجهات نظره المعقدة.

 **********************************************

"الدون الهادئ"
عالم فسيح يرقد تحت الشمس


 يظهر مليخوف، على الشاشة، يرد حصانه من نهر الدون وقد سد الطريق على اكسينيا التي تحمل دلوين للماء على نير وضعته على كتفيها. كان كريكوري شاباً نشيطاً خالياً من الهموم، وشعر بانجذاب قوي تجاه أكسينيا. هذا هو لقاؤهما الاول وبدأ حبهما.
لقد بذل سيركي جيراسيموف والمصور ڤ. راﭙوﭙورت جهدهما لجعل المشاهد يشعر بجمال وتفرد لا نظير لهما في ريف الدون وفي حياة القوزاق. وعلى الرغم من اننا نستطيع تذكر حفلات عرس قليلة في افلام مختلفة وموائد عامرة بالشراب، وفتيان وفتيات يرقصون واغنيات تغنى، كل ذلك موجود في انتاج جيراسيموف، ومع ذلك يوجد شيء غير اعتيادي بخصوص عرس كريكوري ونتاليا، جعله مختلفاً عن اي عرس رأيناه قبلاً.
في سنة 1914، بدأت الحرب العالمية الاولى، وكان مليخوف الشاب ذو الشعر الاجعد الذي يبدو من تحت قبعته، يُسرج حصانه. ولم يكن خائفاً حين كان ينتظر هجومه الاول لأنه لا يخاف شيئاً. بدأ القوزاق هجومهم مغيرين على خيولهم بسرعة جنونية. وتراجع جنود الاعداء مذعورين، تاركين اسلحتهم. وجاء كريكوري يعدو على حصانه والرمح متوازن في يده، واطلق سلاحه القاتل الذي سُمع له حفيف في الهواء، فسقط جندي من الاعداء على الارض وقد طعن بالرمح. وتواصل اندفاع الهجوم في غارة القوزاق على خيلهم بسرعة فائقة في شوارع مدينة صغيرة.
هجم جندي ألماني، على رصيف المشاة، وحقيبة بنية معلقة على ظهره. وأصابه سيف كريكوري فسقط ميتاً. وتوقف كل شيء حوله. ترجل كريكوري من على حصانه متمهلاً، ونظر مذعوراً الى الرجل الذي كان حياً قبل دقيقة وهو الآن يستلقي ميتاً، وقد قتله بيده. مر أصدقاء كريكوري ينادونه ولكنه ظل واقفاً بلا حراك يحدق في الرجل الميت. الصدمة العاطفية الاولى، الشكوك الاولى تلخص مرحلة جديدة في حياة مليخوف وشعوره. لابد ان يمر وقت طويل لكي يدرك كريكوري اساس الحرب الامبريالية ويفهم من المستفيد منها حقاً.
سوف تهز أكسينيا المشاهدين بقدر ما يثيرهم كريكوري مليخوف. هل تنجح الممثلة التي تؤدي دورها في نقل حب هذه المرأة وعقليتها وروحها التي تختلف عن شخصية اخرى في الادب العالمي؟ تقع مسؤولية عظيمة على الينا بايسترتسكايا التي عهد اليها بالمهمة الهائلة ان تنقل الى المشاهدين الصورة الساحرة للمرأة القوزاقية من الدون التي حياتها مفعمة بالعذاب البدني والروحي. اننا لا نتقبل بايسترتسكايا في دور أكسينيا مباشرة. فهي لا تبدو مناسبة للصورة التي كوناها في عقولنا. فيشكو احدهم قائلاً : " هي مدينية جداً وجميلة جداً ". ولكن أكسينيا جميلة ايضاً.
مشهد يتلو مشهداً آخر وينسى الانطباع الاول تدريجياً. من الصعب جداً خلق شخصية تتطابق تطابقاً تاماً مع نظيرها الادبي، ومع ذلك فانه حين يتواصل الفيلم فان سحر أكسينيا – بايسترتسكايا الفذ يصبح اشبه بالحياة وأكثر إقناعاً.
اما نتاليا فإنها تشخيص للإخلاص والحب الشديد. وقد نجح المخرج والممثلة زنيدا كيرينكو نجاحاً عظيماً. وكان ظهور نتاليا اول مرة في بيت كورشونوفس في اثناء زواج كريكوري. نراها تقف، خائفة على عتبة الباب، تختلط كرامتها بحب استطلاع فتاة خفي. بعد ذلك، في ايام حبها المر لكريكوري، تأتي الى أكسينيا، نحيفة مثل قصبة، تتوسل اليها ان تعيد زوجها اليها. ثم يأتي المشهد الختامي للجزء الاول. كريكوري الذي جلد يڤكيني ليستينينسكي بالسوط جلداً عنيفاً، وزجر أكسينيا لخيانتها، دعاه الى البيت. كم من الالم والبهجة غير المتوقعة والمعاناة يمكن رؤيتها في عيني نتاليا الضبابيتين وهي تميل برأسها واهنة على صدر كريكوري.
من الصعب الآن ان نقول اي قسم من قسمي الفيلم اكثر تأثيراً. يعرض القسم الاول بداية " اغنية الدون " خلال قصص حياة الشخصيات الرئيسة في حين ان الجزء الثاني يضم احداثاً تاريخية عظيمة حدثت في بداية القرن العشرين، مثل الاطاحة بالسلطة القيصرية الاوتوقراطية، واقتحام قصر الشتاء وانتصار البولشفيك، واحداث الحرب الاهلية في منطقة الدون ( 1918 – 1919) بالقوة الكاسحة والثقة نفسها كما فعل ميخائيل شولوخوف في روايته. انقسم قوزاق الدون الى نصفين، نصف يساند كورنيلوف ودينكين وكالدين المناهضين للثورة، والنصف الآخر مع البولشفيك. صور الفيلم ذلك بسلسلة من المشاهد الموجزة ولكنها معبرة ومفعمة بالنشاط والقوة.
عاشت شخصيات الرواية الرئيسة حياة واسعة حقاً، مفعمة بالمعاناة والتجربة المرة، وولدت حياة جديدة في خضم الآلام. حينما تقرأ "الدون الهادي" مراراً وترى الفيلم لا يسعك الا ان تفكر بحكمة ميخائيل شولوخوف وحقيقة الحياة العظيمة واخلاص المؤلف لهذه الحقيقة.
في السياقات الاخيرة للجزء الثالث من الفيلم نشاهد رجلاً أشيب، ذا لحية يمشي مجهداً عبر الدون المغطى بالثلج. انه كريكوري مليخوف، يلبس معطفاً رثاً ويضع على ظهره حقيبة جندي. ويتوقف متأملاً قرب رقعة ماء صاف صغيرة ويلقي بندقيته وحفنة من الخراطيش التي تغوص الى القعر وتحدث صوتاً. يشد الرجل حزامه ويأخذ نفساً عميقاً ويرفع رأسه ويمضي الى ضفة النهر، وصار يقترب من قرية تاتارسكي التي ولد فيها وترعرع. جدران الاكواخ مفطرة، كانت ذات يوم نظيفة وبيضاء، اسيجة متداعية. كان يقف قربها صبي اسود العينين ويرتدي معطفاً رمادياً من صنع محلي. انه ميشوتكا ابن كريكوري. انحنى الرجل الاشيب ورفع الصبي بين ذراعيه وذهب. لقد جاء كريكوري الى بيته. وانك تتذكر مباشرة كلمات ختام "الدون الهادئ" : " هذا كل ما تركته الحياة له. اعطته الصلة بالأرض مدة اطول قليلاً والعالم الفسيح الراقد متألقاً تحت الشمس الباردة ".
وعلى الرغم من ان هذه الكلمات غير موجودة في الفيلم ( ولعلك ترغب في وجودها ) فانه يبدو عليك انك تسمعها. هكذا كان فيلم سيركي جيراسيموڤ، استناداً الى رواية ميخائيل شولوخوف " "الدون الهادئ" " وهكذا انتهى.
انتهى الفيلم، واضيئت الانوار في قاعة صغيرة في ستوديو الافلام، ولكننا بقينا جالسين في مقاعدنا مدة قصيرة، والمناديل في ايدينا. عشنا مرة اخرى مأساة الحياة العظمى مع شخصيات الفيلم، وشاهدنا الآلام والصراع الذي رافق ولادة عالم جديد، العالم الذي نعيش فيه اليوم مع اطفالنا واحفادنا الذين تقتصر معرفتهم بطريقة الحياة الماضية على الكتب والقصص، ومنها " "الدون الهادئ" "، احد اعمق المؤلفات واصدقها في تصوير الحياة، المذهلة في انسانيتها.
اتذكر في بداية فيلم "الدون الهادئ"، الشابة، المشبوبة العاطفة أكسينيا، وكريكوري مليخوف المرح، الخالي من الهموم، وقد سد عليها الطريق، في لقائهما الاول. مرّ وقت طويل منذ ذلك الحين. كم من النيران الملتهبة مرّ خلالها قلب أكسينيا وكريكوري وروحيهما؟
نأتي الآن الى نهاية القسم الثالث: انهما يلتقيان في المكان نفسه مرة اخرى، قرب النهر. ولكن أكسينيا وكريكوري مختلفان تماماً. فقد لوحت الريح اللاهبة وجه أكسينيا وصار صدغا كريكوري بلون الفضة وأصبح اهدأ وأكثر تعقلاً وتحفظاً. لا أثر للعبث السابق، وظهرت هالات غامقة تحت عينيه. وتنحى جانباً لتمر أكسينيا. الناس نفس الناس ولكن الزمان تغير، نرى الشخصيات الرئيسة قد تغيرت في ظروفهم الجديدة. كل شيء هو نفسه، ومع ذلك فان كل شيء قد تغير. وعلى الرغم من كل شيء فان هذا الشخص المتمرد، الواقع في شرك ما يحب وما يكره، ولم يجد حتى الآن طريقه الى الحياة الجديدة، وما يزال يستبقي على حرارة حبه العظيم.
في الفيلم، الاحداث التي تصور حياة عائلة مليخوف بصدق تنقل حقيقتها القاسية. فقد مات بيوتر، اما زوجته داريا، فقد اعماها الحقد على الحمر، وقتلت قوزاقياً شيوعياً، وهلكت في مياه الدون الباردة. نتاليا ماتت ايضاً خاضعة للمشقات التي اثقلت كاهلها. ولم يعد والدا كريكوري موجودين. اخته دنياشكا تجد سعادتها الضئيلة مع البلشفي ميخائيل كوشيڤوي، عدو اخيها الذي لا يلين في كراهيته المقدسة للثورة المضادة.
من الصعب فرز أجمل المشاهد في الجزء الثالث من "الدون الهادئ". صحيح ان جميع الممثلين المشاركين في الفيلم قد تماهوا مع الشخصيات التي يمثلونها. ويمكن للمرء ان يتغاضى عن الاخطاء الطفيفة في اللهجة الغريبة في بلاد الدون. والآن لا يعتب احد على الممثلة ألينا بايستريتسكايا لجعلها أكسينيا " متمدنة " جداً. اما ﭙيوتر كليبوف فاني اعتقد ان تصويره لكريكوري مليخوف كان كاملاً.
من المشاهد المؤثرة في الفيلم هي تلك المشاهد التي تصور الايام الاخيرة في الثورة المضادة في جنوب روسيا. رائعة مشاهد ضرب الجيش الابيض من نوڤوروسيسك حين دوى هتاف الحمر منطلقين في غارة على طريق نوڤوروسيسك في اثناء قصف المدفعية الهادر.
عشنا مراراً مرة اخرى ايام الحرب الاهلية مستذكرين الماضي ومستعيدين احداثه، فلا يمكن للمرء ان ينسى كلمات حاملي الرشاشات الذين شاركوا رجال الجيش الاحمر المتواضعين طعامهم مع كاتب هذه الاسطر حين كان آنذاك في الثامنة من عمره، وقدمت له هدايا تذكارات غنائم حرب مُرة. ما زلت اتذكر تلك الايام حينما كانت قذائف المدفعية تمر مدوية فوق حدائق البيوت والبساتين، في حين ان تلال مدڤديتسكايا التي كانت محاطة بخنادق، كانت تتضوع برائحة الزعتر المر.
وبدا الحزن مراً كمرارة الافسنتين في السهوب، على وجه كريكوري مليخوف لما وجد نفسه في يد فورمين. سوف يترك هذا اثره في ذاكرتك. وانك لن تنسى يدي كريكوري القويتين حين رفع محراثاً الى صدره في بداية الجزء الثالث. وسوف تتذكر بلا شك كلام ميخائيل كوشيڤوي مع مليخوف وكلمات كريكوري المنهك الذي قال انه لا يعتقد بأي من البيض والحمر وانما يريد ان يعيش مع اطفاله ويدير امور اسرته. لقد عانى كثيراً ومع ذلك فان هذا الرجل القوي لم يدرك انه لا يوجد حياد في الصراع وتصادم الايديولوجيات. واولئك الذين يتجنبون المتاعب او يتنحون عن اشد المراحل عنفاً في هذا النضال، يحكم عليهم ان يلقى بهم من فوق جانب المركب الى البحر. فليس ثمة طريق وسط!
في محاولة ربط انطباعاتي عن الاجزاء الثلاثة للدون الهادئ توصلت الى نتيجة ان سيركي جيراسيموف استطاع ان يحافظ وينقل سجايا موهبة شولوخوف، وسعة حبه لوطنه وصدقه وعدم محدوديته، وحكمة الشعب، وقوة اللغة التي لا نظير لها، وجمال روح الانسان الباطنية. سيركي جيراسيموف لم يقلل من صدمة المواقف المقدمة، ولم يبسط تعقيد الحوادث، ولم يضف صفات سلبية او ايجابية الى شخصيات رواية شولوخوف. فقد قدمها في صراعها وحركتها كما هي.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل