
طرح رئيس مجلس الوزراء مبررات تغير سعر صرف الدينار، مبينا شدة الضغوط المالية والاقتصادية التي تقف وراء خفض سعر صرف الدينار، كما عرض الخيارات الصعبة المتاحة أمام الحكومة لتوفير التمويل اللازم لتأمين رواتب الموظفين وتغطية النفقات الحكومية، وهو ما دفعه إلى اعتماد الخيار الذي يؤمن تسديد الرواتب كاملة دون اقتطاع أو تأخير، ويجنبه اللجوء إلى الاقتراض نظراً لتسلم حكومته مديونية تزيد على 200 تريليون دينار.
نحن ندرك تماما تفاقم الضغوط المالية اثر الانخفاض الكبير في الصادرات النفطية نتيجة اغلاق مضيق هرمز، والزيادة في الإيرادات بالدينار التي تنجم عن خفض سعر صرف الدينار مقابل الدولار, ولكن رفضنا للقرار ينطلق من أن نظرة الحكومة إليه كانت أحادية الجانب ، تركز على تأثيره الإيجابي في قدرة الحكومة على مواجهة الضغوط المالية المباشرة بتوفيره متنفساً سريعا لخزينة الدولة.
إلاّ أن هذه النظرة تغفل حقيقة أن الأسباب الجذرية للأزمة المالية والاقتصادية لا تكمن في الحقل النقدي، وانما تتمظهر فيه. فجذور الأزمة وأسباب العجز نجدها في السياسة المالية، وكحصيلة للآثار التراكمية البالغة الضرر للسياسات الاقتصادية العشوائية على مدى عقدين، وفي مقدمتها تضخم النفقات الجارية وترسخ الطابع الريعي للاقتصاد العراقي باعتماده شبه الكلي على المورد النفطي الخاضع لتقلبات الأسواق العالمية.
ومما هو أكثر أهمية عدم الأخذ بعين الاعتبار بحد أدني من الجدية ما يسببه القرار من تدهور في الأوضاع المعيشية للمواطنين، بسبب الانخفاض الحاد في قدرتهم الشرائية ، ولاسيما لذوي الدخل المحدود وللفئات الهشة بالمجتمع، فضلا عن تداعياته على مجمل الحياة الاقتصادية والتعاملات التجارية التي أصيبت بالشلل وحالة الكساد المتوقعة في حركة الأسواق.
أن هذا القرار ليس اقتصاديا وماليا وحسب، بل له بعد سياسي غاب عن الحكومة، لذا يبدو أنها تفاجأت بقوة ردود الفعل الشعبية الرافضة للقرار.
إن تخفيض سعر صرف الدينار لا يقدم حلا للأسباب الجوهرية للأزمة المالية والاقتصادية، وإذ ما استخدم لتعويض العجز من دون ان تصاحبه إصلاحات مالية واقتصادية، فقد تتحول كلفة الاختلالات في إدارة الموازنة إلى عبء إضافي على المستهلكين وأصحاب الدخول الثابتة بسبب ما يسببه خفض سعر الصرف من ارتفاع في الأسعر وتراج في القوة الشرائية للمواطنين.
إننا نتساءل هل استنفدت الحكومة، قبل اتخاذ قرار تغيير سعر الصرف، كل البدائل ذات الكلفة الاجتماعية الأقل؟ مثل ترشيد الانفاق غير الضروري وضبطه، وإلغاء الامتيازات المكلفة، وخفض تخصيصات الرئاسات والدرجات الخاصة، ومراجعة أوجه الهدر، وضبط الجباية وتوسيع الوعاء الضريبي واعتماد الضريبة التصاعدية الأكثر عدلا واحكام السيطرة على المنافذ الحدودية وغيرها من الإجراءات التي تعزز الإيرادات غير النفطية؟
إننا ندعو لإيقاف العمل بالقرار ومراجعته على أن لا تقتصر المراجعة على سعر الصرف وحده، وإنما تكون في اطار مراجعة شاملة للسياسة الاقتصادية بشقيها النقدي والمالين ضمن رؤية تنموية تشمل إعادة هيكلة الانفاق العام وإصلاح البنية الريعية للاقتصاد.







