
بعد أقل من نصف عام على الليلة التي انقضّ فيها تحالفُ بعثي عفلقي رجعي، مدعوم من مخابرات الدول الاستعمارية، على ثورة 14 تموز وحكومتها الوطنية، بادرت ثلة باسلة من فتية العراق، إلى القيام بانتفاضة جسورة، تحمي استقلال الوطن المدمى وسيادته، وتعيد السلام والحريات إلى شعبه، وتحمي ثرواته من النهب، وتنقذه من جور الفاشست، الذين أغرقوه في حمام دم، وعرّضوا الاف الوطنيين والديمقراطيين من أبنائه الى التشريد والتعذيب والقتل والزج في غياهب السجون، فضلاً عن تدمير منجزات الثورة، وكسر رايتها، واغتيال قياداتها.
ففي الثالث من تموز عام 1963، وبمبادرة من بعض منظمات الحزب الشيوعي العراقي، ورفاق الحزب وأصدقائه الذين نجوا من المذبحة، حاولت مجموعة من الجنود وضباط الصف من ابناء الحزب، بقيادة الشهيد نائب العريف حسن سريع، إطلاق سراح مئات الضباط الوطنيين المعتقلين، تمهيداً للقضاء على الطغاة، واحالتهم الى القضاء، وتسليم السلطة إلى حكومة من الكفاءات الوطنية المعروفة.
ورغم عدم تحقق أهداف الانتفاضة، لأسباب ذاتية وموضوعية، وقيام الفاشيين بأسر قادتها وإعدامهم بوحشية، فقد بقيت نجمة ساطعة في سماء بلادنا، وحكاية ملهمة عن عراق يسكن قلوب الشيوعيين وكل الديمقراطيين، الذين أيقنوا بأن حريته لا تُوهب، بل تولد كالفجر من ليل المعاناة، وأن تحقيق الشعب لأحلامه بالعدالة والحرية والحياة الكريمة يظل هدفهم الأسمى، الذي لم ولن يتخلوا عنه، مهما بلغت التضحيات.
كما بقيت دروس الانتفاضة الباسلة معيناً ينهلون منه، فيتعلمون قيمة التحدي الذي لا يلين، مهما ارتكبت الدكتاتوريات من ممارسات فاشية، وقيمة الثقة بالحزب والشعب، مهما كان الجسد مثخناً بالجراح، وقيمة التواضع عند الظفر بالإنجاز، وقيمة إيثار الآخرين على النفس في ليالي الظلم والقهر. ولعل من أعظم دروس الثالث من تموز 1963 ذلك التلاقح بين القيم الأصيلة لفقراء العراق والقيم الثورية لحزبهم الشيوعي، والذي كان من ثماره ولادة أجيال من المناضلين ضد الاستغلال والعبودية والفقر والأمية والبطالة وامتهان كرامة النساء والفساد، وتواصل به مسار الحزب على مدى ما يقارن قرناً من تاريخ العراق البهي.
في الذكرى الثالثة والستين للانتفاضة، لا نستذكر بطولات الشهداء فحسب، بل ونرشف من رحيق مأثرتهم عزيمة تبقينا بالصفوف المتقدمة في الكفاح من أجل التغيير الشامل، الذي يفكك منظومة المحاصصة، ويقضي على الفساد، ويحرر العراق من السلاح المنفلت والتبعية، ويعيد إلى الهوية الوطنية القها، ويبني دولة الحرية والعدالة الاجتماعية، موقنين بما تختزنه تقاليد شعبنا من قيم ثورية، ومتضامنين مع كل القوى التي تريد الخير والمستقبل الديمقراطي المزدهر للعراق.
خلوداً لفتية الحزب والشعب
خلوداً لحسن سريع ورفاقه







