تطوّر مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا عبر مسارات نظرية متعددة، واستأثر باهتمام واسع في الدراسات الفلسفية والقانونية والتاريخية والسياسية، لارتباط نشأته وطبيعته ووظائفه ودوره بقضايا جوهرية، مثل السلطة والصراع والقانون والعدالة الاجتماعية؛ لذلك كان وما زال  موضع خلاف فكري وسياسي.

فعلى سبيل المثال، قدّم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864–1920) أحد أشهر تعريفات الدولة، إذ عدّها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم محدد، وميّز بين أنماط السلطة التقليدية والكاريزمية والقانونية العقلانية. وفي فرنسا، ترك جان جاك روسو (1712–1778)، أحد أبرز فلاسفة عصر التنوير، أثرًا فكريًا عميقًا في نقد الدولة؛ فدافع عن الحرية والإرادة العامة، ورأى أن الإنسان حرّ وسعيد بطبيعته، وأن الفساد مصدره المجتمع لا الطبيعة البشرية. كما اعتبر ظهور الملكية الخاصة بدايةً للظلم الاجتماعي، مؤكدًا أن «الإنسان يولد حرًّا، لكنه في كل مكان مكبّل بالأغلال»، وطرح العقد الاجتماعي حلًّا لتحويل السلطة إلى تعبير عن الإرادة العامة.

ومع صعود الرأسمالية بوصفها نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا، برز مفهوم الدولة الليبرالية في إنجلترا خلال القرن السابع عشر، قائمًا على سيادة القانون وخضوع الحاكم والمحكوم له، واستقلال القضاء، والمساواة القانونية بين المواطنين، وحماية الحقوق الفردية من تعسّف السلطة. فسلطة الدولة ليست مطلقة، بل تحدّها القوانين، انسجامًا مع الأسس الفلسفية والقانونية التي وصعها جون لوك (1632–1704).

أكد لوك الحقوق الطبيعية للإنسان، وفي مقدمتها الحياة والحرية والملكية الخاصة، ورأى أن الدولة تنشأ بموجب عقد اجتماعي يتنازل الأفراد بمقتضاه عن جزء من حريتهم مقابل حماية حقوقهم، ويحق لهم تغييرها إذا أخلّت بهذا الالتزام. ومن ثم، تستمد الدولة الليبرالية شرعيتها من رضا المحكومين وسيادة القانون وصون الحقوق، لا من النسب أو القوة أو الدين. ومنح مونتسكيو (1689–1755) هذا التصور بُعدًا مؤسسيًا من خلال مبدأ الفصل بين السلطات، منعًا للاستبداد واحتكار القوة، وربط في كتابه «روح القوانين» شكل الدولة ببنيتها الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. وترى الليبرالية التقليدية أن الفرد هو الوحدة الأساسية في المجتمع، ويتمتع بحقوق جوهرية تشمل حرية التعبير والتملك والتعاقد والمعتقد والأمن، كما تدعو إلى عمل السوق وفق آليات العرض والطلب مع تدخل محدود للدولة. وهكذا تبدو الدولة الليبرالية التقليدية، نظريًا، دولة قانون وحقوق وفصل بين السلطات، تؤدي دور الحكم المحايد بين الأفراد وتتبنى اقتصادًا حرًا محدود التدخل.

غير أن تاريخ الأنظمة الرأسمالية، بما شهده من تناقضات وصراعات اجتماعية وسياسات استعمارية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، يكشف أن التطبيق العملي لهذه المبادئ كثيرًا ما ناقض أسسها النظرية والأخلاقية. وقد وصف ماركس ذلك بـ«الوهم الأيديولوجي»، إذ رأى أن تصوير الدولة بوصفها محايدة قانونيًا، وقائمة على فصل السلطات وحماية الحقوق وضمان الحرية الفردية، يحجب بنيتها الطبقية البرجوازية؛ فالقانون يحمي الملكية الخاصة وحرية السوق، بينما تُستخدم المواطنة صيغةً قانونيةً تحجب التفاوت الطبقي. ومن هذا المنظور، لا تُعدّ الدولة الليبرالية محايدة، بل تعيد إنتاج علاقات الاستغلال وتكرّس حرية رأس المال في استغلال العمل.

وتجدر الإشارة إلى أن معاهدة ويستفاليا عام 1648 شكّلت لحظةً تأسيسية للدولة الأوروبية الحديثة القائمة على السيادة وعدم التدخل والمساواة القانونية بين الدول، إذ أنهت حرب الثلاثين عامًا بين القوى الكاثوليكية والبروتستانتية داخل الإمبراطورية الرومانية. وجاء هذا التحول على أنقاض نظام العصور الوسطى، الذي اتسم بهيمنة الإقطاع والسلطة الدينية وتوزّع النفوذ بين الملك والنبلاء والكنيسة. وبوجه عام، مرّ تطور الدولة الحديثة بأربعة نماذج رئيسية: الدولة المطلقة في أواخر النظام الإقطاعي، ثم الدولة الليبرالية، فدولة الرفاه، وأخيرًا الدولة النيوليبرالية.

يُعدّ الفقيه والفيلسوف الفرنسي جان بودن (1530–1596) من أبرز منظّري السيادة الملكية في القرن السادس عشر؛ فقد دافع عن سيادة الملك المطلقة، ودعا إلى دولة مركزية قوية، ورفض تعدد مراكز السلطة، واضعًا بذلك أساسًا فكريًا للدولة الملكية الفرنسية قبل نشوء الرأسمالية الصناعية. ومن هذا المنظور، تندرج أفكاره ضمن ما يصفه ماركس بالدولة السابقة على الدولة البرجوازية الحديثة، بوصفها شكلًا سياسيًا انتقاليًا بين الإقطاع والرأسمالية. ففي التحليل الماركسي، لم تكن الدولة المطلقة حديثة بالمعنى الرأسمالي، بل أداة لإعادة تنظيم المجتمع الإقطاعي من خلال مركزة السلطة، وتوحيد الضرائب، وإنشاء جهازين إداري وعسكري يخدمان مصالح الطبقات المالكة القديمة. وفي الوقت نفسه، مهّدت لظهور الرأسمالية عبر توحيد السوق الوطنية، وتقويض الاستقلال الإقطاعي المحلي، وإرساء قانون موحّد.

البعد التاريخي لظهور الدولة

وفقًا للمقاربة الماركسية، تنشأ الدولة حين ينقسم المجتمع إلى طبقات متعارضة، فتغدو جزءًا من البنية الفوقية وأداةً لحماية مصالح الطبقة المهيمنة اقتصاديًا وسياسيًا. ويرتبط ظهور الطبقات والدولة بنشوء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج؛ فحين يتراكم فائض الإنتاج ويتحول إلى ملكية خاصة، تحتاج الطبقة المالكة إلى جهاز ينظم مصالحها ويحميها ويضفي عليها الشرعية. ويقدّم الشرق الأدنى القديم، ولا سيما جنوب العراق، نموذجًا مبكرًا لهذه العملية. فقبل الثورة الزراعية، عاش الإنسان متنقلًا يعتمد على جمع الثمار واقتلاع الجذور في إطار نمط إنتاج مشاعي بدائي. ثم أدى اكتشاف الزراعة، وقيام المستوطنات، وتزايد فائض الحبوب إلى الحاجة لتنظيم إنتاج الفائض وتوزيعه وحمايته. وتجسّد هذا التحول في حضارة العبيد (نحو 6500–3800 ق.م)، المنسوبة إلى موقع تل العبيد قرب مدينة أور في محافظة ذي قار الحالية. وقد شكّلت مرحلة انتقالية مهمة بين المجتمعات الزراعية الأولى والمدن السومرية، وأسهمت في ترسيخ الزراعة المنظمة والعمارة الطينية والتنظيم الاجتماعي وبدايات المؤسسات الدينية والمعابد. واعتمدت مستوطناتها على زراعة الحبوب والخضروات وتربية الأغنام، واستند تقسيم العمل فيها أساسًا إلى العمر والجنس ضمن مجتمع شبه متكافئ تعاون أفراده في إدارة المياه وتوزيع الموارد. ومع تزايد الفائض الزراعي، ولا سيما في أريدو، نشأت نخبة دينية وإدارية تولّت تنظيم الري والزراعة، وتخزين الفائض وتوزيعه، والإشراف على الطقوس، فيما ظل معظم السكان مزارعين ورعاة وصيادين وحرفيين وصانعي فخار. ومع انتشار ثقافة العبيد في الشرق الأدنى وظهور بوادر التمايز الاجتماعي والطبقي نحو 4500–4000 ق.م، تهيأت الأسس لقيام حضارة الوركاء ودويلات المدن اللاحقة، وما رافق ذلك من انتقال إلى نمط الإنتاج العبودي. ومع ذلك، تشير الأدلة الأثرية إلى أن المراحل الأولى من حضارة العبيد لم تشهد فروقًا طبقية حادة، ولا سلطة مركزية، أو ملكية أو جيوشًا أو مؤسسات سياسية مكتملة.

الدولة في فكر ماركس وانجلز

يختلف تصور ماركس للدولة عن المقاربات القانونية والوصفية والتحليلية السائدة في الدراسات السياسية الغربية، التي تختزل أركانها في الشعب والإقليم والسلطة والسيادة. فهو يفسر نشأتها ووظيفتها في ضوء الظروف التاريخية والمادية، ويرى فيها أداة للهيمنة الطبقية لا كيانًا ثابتًا أو مؤسسة محايدة. وتعرض مؤلفاته الدولة بوصفها نتاجًا للصراع الطبقي وجهازًا لإدارة المصالح المشتركة للبرجوازية وتنظيم القمع الطبقي دفاعًا عن مصالح الطبقة المالكة، من خلال الشرطة والجيش والقضاء والسجون. وتعمل هذه المؤسسات على حماية النظام القائم وقمع التهديدات الصادرة عن الطبقات المضطهدة. ولا تقتصر الدولة على القمع المباشر، بل تنتج، عبر المدرسة والإعلام والقانون والدين، أيديولوجيا تُظهر النظام طبيعيًا وعادلًا، وتسهم في تكوين «وعي زائف» يحجب عن العمال طبيعة استغلالهم وعمقه. وفي المجتمعات الطبقية، تمثل الدولة جزءًا من البنية الفوقية السياسية التي تخدم الطبقة المسيطرة، وتقوم على بنية اقتصادية تحتية ترتبط بها بعلاقة جدلية تفاعلية تحدد شكل المجتمع تاريخيًا. وتشمل البنية الفوقية الدولة والقانون والدين والأخلاق والفلسفة والفن والإعلام والأيديولوجيا، باعتبارها تعبيرًا عن الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي.

وتنبع أهمية هذا التحليل من ارتباطه الوثيق بالممارسة الثورية الهادفة إلى تغيير جوهر الدولة ودورها ووظيفتها. وقد اغتنت أطروحات ماركس بإسهامات نوعية قدّمها بعض من جاء بعده مناضلون جاءوا بعده، فعكست، إلى حد بعيد، تنوع ظروف نضال الشيوعيين والصراعات الفكرية المرتبطة بمشروع إقامة دولة اشتراكية تحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتصون الحرية والمساواة والعيش الكريم، وتحد من الاغتراب والتشيؤ اللذين تعانيهما الطبقات والفئات المضطهدة في النظام الرأسمالي.

أسهم رفيق درب ماركس، إنجلز، بجهد نظري مهم، منفردًا وبالتعاون معه. وقد رأى أن الدولة تنشأ مع تطور قوى الإنتاج، وظهور الملكية الخاصة، وانقسام المجتمع إلى طبقات، وعجزه عن إدارة تناقضاته الداخلية من دون جهاز قسري يعلو عليه ويؤدي وظائف قمعية وتنظيمية وبيروقراطية. لذلك، لا تقوم الدولة، في نظره، على عقد اجتماعي بالمعنى الذي طرحه لوك أو روسو، بل تنبثق من الصراع الطبقي، مع احتفاظها باستقلال نسبي يحول دون خضوعها الكامل للطبقة المسيطرة. وبزوال الطبقات والملكية الخاصة في المجتمع الشيوعي، تنتفي الحاجة إلى جهاز القسر، فتضمحل الدولة ويتحول دورها من حكم البشر إلى إدارة الأشياء. وميّز إنجلز بين ثلاثة أشكال للدولة تعكس طبيعة التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية وأنماط الإنتاج: الدولة العبودية التي تحمي ملكية العبيد، والدولة الإقطاعية القائمة على تحالف الملك والنبلاء والكنيسة لصون الامتيازات الوراثية، والدولة البرجوازية الحديثة ذات الطابع القانوني العقلاني التي تحمي الملكية الرأسمالية الخاصة. ورأى أن الديمقراطية البرجوازية لا توفر سوى حرية شكلية، لكنه لم يختزل الدولة في مجرد «أداة ميكانيكية»، بل أقر باستقلالها النسبي وتدخلها لحماية النظام ككل، لا المصالح الفردية وحدها. كما أولى الجيش أهمية خاصة بوصفه القوة المنظمة للطبقة المسيطرة والمحتكرة للعنف، وعدّ البيروقراطية جهازًا قائمًا فوق المجتمع يخدم مصالح الطبقة المهيمنة، مع امتلاكه مصالح خاصة قد تمنحه قدرًا من الاستقلال النسبي.