في وقت يتكاثف فيه الخطاب الاحتفالي حول الذكاء الاصطناعي، ويُقدَّم بوصفه القوة التكنولوجية التي ستعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والحياة اليومية، يأتي كراس الذكاء الاصطناعي: الضجيج والمخاطر والمقاومة لمارتن-هارت لاندسبيرغ، بترجمة وإعداد وتحرير مصباح كمال، ليقترح زاوية مختلفة للنظر إلى هذه الظاهرة.  صدر الكراس إلكترونيًا عام 2026 عن مكتبة (الظل الموازي)، وهو متاح للتوزيع المجاني وفق رخصة المشاع الإبداعي.

لا ينطلق لاندسبيرغ من السؤال الشائع: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً؟، بل من أسئلة الاقتصاد السياسي- من يملك هذه التكنولوجيا؟  من يسيطر على استخدامها؟  من يستحوذ على القيمة التي تنتج عنها؟  ومن يتحمل تكاليفها ومخاطرها؟  ومن هنا تتحول التكنولوجيا، في قراءته، من موضوع تقني محض إلى ساحة للصراع الاجتماعي والاقتصادي.  فالذكاء الاصطناعي لا يتطور في فراغ، وإنما داخل علاقات ملكية وإنتاج تحكمها المنافسة والربحية وتراكم رأس المال.

تفكيك الضجيج التكنولوجي

يتألف الكراس من أربعة أجزاء مترابطة.  يتناول الأول العلاقة بين الضجة التقنية والواقع الاقتصادي؛ ويفكك الثاني الأساطير المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحدوده التقنية وتكاليفه الاقتصادية؛ بينما يبحث الثالث في وكلاء الذكاء الاصطناعي والوعود الجديدة بالأتمتة؛ ويخصص الرابع للعلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعمل، ولإمكانات المقاومة والتنظيم العمالي.

ويضع لاندسبيرغ على امتداد هذه الأجزاء مسافة نقدية بين الوعود التي تطلقها شركات التكنولوجيا الكبرى وبين ما تسمح به الخبرة العملية.  فهو يشكك في تقديم النماذج التوليدية متعددة الوسائط بوصفها طريقًا حتميًا إلى الذكاء الاصطناعي العام، ويلفت إلى مشكلات بنيوية مثل التحيز، والهلوسة، وعدم موثوقية المخرجات.  كما يناقش التكاليف الباهظة للتدريب والتشغيل، وما يترتب على التوسع في مراكز البيانات من استهلاك للطاقة والمياه وضغوط بيئية واقتصادية.

لكن أهمية هذه المناقشة لا تكمن في إثبات أن الذكاء الاصطناعي أقل قدرة مما تدّعي شركاته فحسب.  فحتى لو تبيّن أن كثيرًا من الوعود التسويقية مبالغ فيها، فإن المخاطر الاجتماعية لا تختفي.  إذ إن المؤسسات والشركات تمضي بالفعل في إدخال هذه الأدوات إلى أماكن العمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، بما قد يغيّر طبيعة الوظائف، ويضعف مهارات العاملين، ويوسع المراقبة، ويزيد احتمالات التسريح أو الاستبدال.

منظور ماركسي: التكنولوجيا ليست محايدة

هنا تحديدًا يظهر المنظور الماركسي الذي يمنح الكراس خصوصيته.  فالمسألة، وفق هذه القراءة، ليست في التكنولوجيا باعتبارها شرًا أو خيرًا في ذاتها، وإنما في العلاقات الاجتماعية التي تحدد مسار استخدامها ومن يستفيد منها. ولذلك يرفض لاندسبيرغ اختزال النقاش في الثنائية: مع الذكاء الاصطناعي أو ضده.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة ذات فوائد علمية وطبية واجتماعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يطور ويفرض أساسًا باعتباره وسيلة لخفض تكاليف العمل، وتعزيز سيطرة الشركات، وزيادة الإنتاجية من دون أن تعود ثمارها بالضرورة على العاملين والمجتمع.  بهذا المعنى، تصبح التكنولوجيا جزءًا من الصراع حول السيطرة على عملية العمل وتوزيع ثمار الإنتاج الاجتماعي.

وهي قراءة ماركسية بالمعنى الاقتصادي والسياسي للكلمة: إعادة التكنولوجيا إلى قاعدة علاقات الإنتاج، بدل التعامل معها كقوة مستقلة تتحرك وفق منطقها الخاص. ولذلك يصبح السؤال الحاسم ليس "ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟"، بل لصالح من تُستخدم هذه القدرة، ومن يملك قرار استخدامها، ومن يدفع ثمنها ومن يحصل على مكاسبها؟

ومن هذه الزاوية، لا يرى الكراس في "كارثة الوظائف" (تقليص عدد العمال) قدرًا تقنيًا محتمًا، بل يفحص كيف يمكن لخطاب الأتمتة نفسه أن يخدم مصالح الشركات، سواء بتبرير إعادة هيكلة العمل أو بإضعاف ثقة العاملين في إمكان العمل الجماعي.

من الخوف إلى المقاومة

أكثر ما يميز الكراس أنه لا يتوقف عند النقد والتشخيص. ففي جزئه الأخير ينتقل إلى سؤال المقاومة، مستعرضًا بوادر تنظيم عمالي في مواجهة إدخال الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل. وفي قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، مثلًا، يرصد مطالب نقابية بالمشاركة في قرارات استخدام الذكاء الاصطناعي، والشفافية والإخطار المسبق، والحماية من التسريح وإفقار المهارات، والحد من استخدام التكنولوجيا للمراقبة.

ويقدم مثال جامعة أوريغون للصحة والعلوم دالًا على هذا الاتجاه، حيث شرعت نقابة تمثل آلاف العاملين في استطلاع آراء أعضائها لرصد مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي ومعدلات الخطأ، والمطالبة بمشاركة العمال في حوكمة هذه الأنظمة. كما تطالب النقابة بإشراك العاملين في لجان حوكمة الذكاء الاصطناعي، وإخطارها مسبقًا بأي استخدام جديد، ووضع قيود على أدوات المراقبة.

وبذلك ينقل لاندسبيرغ النقاش من سؤال تقني إلى سؤال سياسي واجتماعي: كيف يمكن للعمال والمستهلكين والمجتمعات أن يشاركوا في تحديد اتجاه التطور التكنولوجي بدل أن يكونوا مجرد متلقين لقرارات الشركات؟

قيمة الكراس في الكتابة النقدية عن الذكاء الاصطناعي

تكمن قيمة كراس الذكاء الاصطناعي: الضجيج والمخاطر والمقاومة، قبل كل شيء، في أنه يضيف إلى النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي منظورًا غالبًا ما يغيب أمام سطوة الخطاب التقني―منظور الاقتصاد السياسي. فبدل أن ينشغل حصريًا بقدرات النماذج وخوارزمياتها، يربط لاندسبيرغ التكنولوجيا بالملكية والعمل والربحية والسلطة والصراع الطبقي.

وهذه النقلة مهمة لأن جزءًا كبيرًا من الأدبيات الرائجة حول الذكاء الاصطناعي يتأرجح بين التفاؤل التقني المفرط والخوف من مستقبل تهيمن فيه الآلات على البشر.  أما الكراس فيقترح سؤالًا ثالثًا: من يملك الآلات والبنية التحتية والبيانات، ومن يقرر كيفية استخدامها؟

كما أن قيمته لا تنحصر في تبني موقف ماركسي من التكنولوجيا، بل في الجمع بين تفكيك الأسطورة التقنية والبحث في النتائج الاقتصادية الفعلية ثم الانتقال إلى إمكانات المقاومة الاجتماعية.  ولذلك لا يدعو النص إلى رفض الذكاء الاصطناعي بالجملة، بل إلى التمييز بين أشكال استخدامه، وإمكان تطوير نماذج أصغر وأكثر تخصصًا وأقل استنزافًا للموارد، وإخضاع التكنولوجيا لاحتياجات المجتمع بدل إخضاع المجتمع لمتطلبات تراكم رأس المال.

وإذا كان للكراس من رسالة مركزية يمكن اختزالها في جملة واحدة، فهي أن الذكاء الاصطناعي ليس قدرًا تكنولوجيًا محتومًا، بل ساحة جديدة للصراع حول الملكية والعمل والسلطة وتوزيع ثمار التقدم التقني.  ومن هنا تأتي أهميته للقارئ العربي فهو لا يقدم إجابات تقنية جاهزة بقدر ما يفتح بابًا لطرح الأسئلة السياسية والاجتماعية التي ينبغي أن ترافق النقاش حول واحدة من أكثر تقنيات عصرنا تأثيرًا.

والكراس، في هذا المعنى، إضافة مفيدة إلى الكتابات النقدية العربية عن الذكاء الاصطناعي، خصوصًا أنه يأتي في صيغة موجزة ومباشرة، ويضع القارئ أمام تقاطع التكنولوجيا مع الاقتصاد السياسي والحركة العمالية، ويستكمل كراسًا سابقًا للمؤلف بعنوان مقالات في نقد الذكاء الاصطناعي صدر عن مكتبة (الظل الموازي) في العام نفسه.

من هو مارتن-هارت لاندسبيرغ؟

مارتن هارت-لاندسبيرغ أستاذ متقاعد للاقتصاد في كلية لويس وكلارك في بورتلاند، أوريغون. ألّف سبعة كتب تناولت العولمة والاقتصاد السياسي لشرق آسيا، وترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، ونشر في دوريات يسارية ونقدية بارزة، من بينها

Monthly Review  وReview of Radical Political Economics 

وHistorical Materialism 

كما يرتبط بعدد من المؤسسات والفعاليات البحثية والعمالية، ويكتب بانتظام في مدونته

Reports from the Economic Front

وتشمل أعماله كتبًا عن التنمية والصراع الطبقي والعولمة الرأسمالية والصين وكوريا وشرق آسيا. ويجمع مشروعه الفكري بين التحليل الماركسي والبيانات الاقتصادية المقارنة، مع اهتمام واضح بالسياسات النيوليبرالية والحركات الاجتماعية والعمالية.