تصدى الدكتور راشد البراوي لمهمة ترجمة كتاب 'رأس المال" لكارل ماركس في الأربعينات من القرن الماضي, فصدرت نسخته الأولى بالعربية عام ١٩٤٧ بعد قرن تقريباً من صدور النسخة الأولى المكتوبة بالألمانية سنة ١٨٦٧ في لندن. كان راشد البراوي أستاذا في كلية التجارة في جامعة فؤاد الأول حينها (القاهرة حالياً) ولهذا فلقد كان العمل قريباً من اهتماماته. ترجم البراوي الجزء الاول فقط من العمل وهو ما نشر في حياة ماركس ذاته..

أثار نشر الكتاب بالإنجليزية عام ١٨٨٦ اهتماماً كبيرا متواصلاً حتى اليوم. فلقد كان عملاً موسوعيا يشرح طبيعة الرأسمالية وإقتصادها السياسي وحتمية انهيارها كنظام شامل. كان النشاط الفكري لماركس كبيراً، فهناك ماركس الفيلسوف وهناك ماركس الاقتصادي وهناك المراسل والمنظم. ولقد حظيت أعماله وأعمال رواد الاشتراكية العلمية باهتمام لم يحدث مع أي مفكر في التاريخ. فقد أقامت الدولة السوُفيتية الناشئة (معهد ماركس وإنجلز ) عام ١٩١٩ الذي صار فيما بعد (معهد الماركسية اللينينبة) ثم معهد (النظرية والتاريخ الاشتراكي). وأسست الدولة السوفيتية الوليدة (مدرسة كادحي الشرق) لنشر فكر الاشتراكية العلمية عن طريق إعداد الكوادر الثورية بدراسة الاقتصاد السياسي وعلوم ماركس وإنجلز ولينين. ولقد ذهب إلى هذه المدارس عمال مصريون كعبد الرحمن فضل ومحمد دويدار أما الفرع الصيني من هذه المدرسة وهو معهد (صن يات صن) فلقد درس فيه (دنج هسياو بنج) و(شواين لاي).

وصل الفكر الاشتراكي إلى الشرق ومصر على مراحل ولكن الاطلاع على الكتابات النظرية كان حصراً على المثقفين الذين يجيدون اللغات الأجنبية، وفي أحوال أخرى لا يتحدثون العربية ولا يجيدون قراءتها أو كتابتها. كانت هناك محاولات لنشر الفكر الاشتراكي فلقد قامت منظمة (الحركة الديمقراطيه للتحرر الوطني- حدتو) بنشر سلسلة من الكتب النظرية والسياسية القصيرة بشكل سري فعرفت باسم (الكتب الخضراء) تحت اشراف الدكتور عبد الفتاح القاضي وهو أحد رواد الفكر الاشتراكي في مصر من الحزب الشيوعي الأول.

في هذا المناخ تقدم راشد البراوي وحده للقيام بمهمة ترجمه كتاب الرأسمال. كان راشد البراوي سباقاً، ولكن تميزه تعدى كتاب الرأسمال فلقد ترجم كتاب لينين المحوري (الاستعمار أعلى مراحل الراسمالية) ثم كذلك (التفسير الاشتراكي للتاريخ) ثم كتب (مشروع سورية الكبرى) و (مشروع السنوات الخمس) عام ١٩٤٨. فلقد تحول -وهو الشخص الفرد- إلى كتيبة بحث وترجمة، تقدم المواد العلمية لجيل جديد في الحركة الوطنيه المصريه يبحث عن توجهات جديده وعن مخرج لمصر المحتله حينها. ومن تلك كتاب (التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث) و(حرب البترول في الشرق الأوسط) قبل ثورة يوليو ١٩٥٢.

ومع ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ يظهر اسمه من جديد كالبرق. فقد أمسك ضباط يوليو بالسلطة وكان بينهم من أتي من ميسرة الصفوف كيوسف صديق وخالد محي الدين وأحمد حمروش وعثمان فوزي وكان أهم هؤلاء -بلا شك- هو جمال عبد الناصر ذاته. وهكذا توصف أجواء إصدار قانون الإصلاح الزراعي. فلم يكن للثوار الجدد مشروع اقتصادي للبلاد وهكذا أَحضر أحمد حمروش راشد البراوي للقاء الضباط الأحرار ليفصل لهم رؤيته. في النهاية يتشارك القاضي أحمد فؤاد وأحمد حمروش مع مفكرهم الكبير راشد البراوي في تحديد إطار الإصلاح الزراعي. وهو الذي صدر كقانون بعد الاستشارات القانونية الضرورية من كبار فقهاء ذلك الزمان. هذا القانون فتح بوابات الحراك الاجتماعي في تاريخ مصر كلها لملايين المصريين من أبناء الفلاحين. ثم في سورية بعد الوحدة المصرية السورية. ولقد كان هذا القانون في ذاته أحد أسباب تكتل قوى الرجعية السورية ضد جمال عبد الناصر.

لم يتوقف راشد البراوي عن الكتابة والتفكير والترجمة، فأصدر كتابا صغيرا هو تقرير يؤسس لموقف سياسي وهو (حقيقة الانقلاب الأخير في مصر). وهو كتاب صدر في اكتوبر ١٩٥٢. ويعد هذا الكتاب وثيقة خطيرة عن ثورة ٢٣ يوليو فهو وثيقة تستند للتحليل الطبقي، ثم هو ثانياً قد احتوى بعض بيانات الضباط الأحرار قبل الثورة ولكنه احتوى ما هو أخطر من ذلك وهو (برنامج الضباط الأحرار) وهي وثيقة طويلة مفصلة، تستخدم تعبيرات راديكالية غير النقاط الست. كان هذا البرنامج هو الوثيقة الأساسية لتنظيم الضباط الأحرار. ولقد كان من صاغها هو المفكر والسياسي والمنظم القاضي أحمد فؤاد وخالد محي الدين. وكانا كلاهما عضوين في ( حدتو ). وقد أشار الأستاذ خالد محي الدين في كتابه الصادر بعد تلك الاحداث بـ ٤٠ عاما لهذا البرنامج ونشر نصه كما هو في كتابه المسمى (الآن أتكلم). هذا النص يتطابق تماماً مع ما نشره راشد البراوي في كتابه. عَد ناصر نشر هذه الوثيقة الهامه تسرعاً فلقد ارتأى أنها ستثير زوابع من العداوات للثورة الوليده. بينما ارتأى من سربوها أنها إشارة الزام بين طرفين ضلعا في تغيير الواقع المصري.

ظل راشد البراوي يكتب ويترجم أساسيات وأركان مواد فكرية شكلت ركناً سياسياً لثورة يوليو في التعامل مع سياسات الأحلاف في الشرق مثل (النقطة الرابعة الأمريكية في الميزان) و(حقيقة المؤامرة البريطانية في ليبيا). تولى راشد البراوي رئاسة البنك الصناعي بتكليف من جمال عبد الناصر. ارتبط مسار راشد البراوي بتقلبات السياسه وصار اسمه رمزا في مصر وخارجها. ومع تغير اتجاهات ثورة يوليو تعرض راشد البراوي لأزمة كبرى في عام ١٩٥٨ حيث ارتبط تاريخ الوحدة المصرية السورية بصدام واسع مع قوى الاشتراكية في مصر. فصدر حكم بسجنه وكانت قضيه سجنه مختلفه عن باقي الاشتراكيين المصرين.

أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً جمهورياً برقم ١٥٧٦ لسنة ١٩٦٤ بالعفو عن العقوبه المحكوم بها على الدكتور راشد مصطفي البراوي من المحكمة العسكرية العليا، وأعفى من جميع الآثار المختلفة المترتبة عنها.

صدر هذا القرار الجمهوري في ٥ مايو ١٩٦٤ متزامناً مع خروج آخر مجموعه من الشيوعيين المعتقلين عام ١٩٥٩ . وكانت مصر قد أعلنت تبنيها لفكر الاشتراكية العلمية كما نص الميثاق في بابة السادس. تغيب الوثائق لكن الدكتور وديع فلسطين قد أشار أن الرئيس عبد الناصر كان قد أصدر قرارا بتعيين راشد البراوي؛ مستشارا في رئاسة الجمهورية وكان له مكتب في قصر عابدين.

مرت هذا العام الذكري الأربعون لرحيل راشد البراوي والذي كان مثقفا مرموقا ساهم في تشكيل وعي مئات الآلاف من المصريين، وفي تشكيل سياسة مصر المستقلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الاهرام"  29 حزيران 2026