يتجاوز جوهر النقد المادي الجدلي للدين، الذي وضع ماركس لبناته الأولى قبل أكثر من 150 عاماً، العبارة الشائعة "الدين أفيون الشعوب" التي اجتُزأت قسرا من سياقها واستُخدمت لتشويه مفاهيم الشيوعية والاشتراكية وتبشيع اليسار، وتبرير شن حملات تصفية إرهابية خاصة في العالم العربي والإسلامي منذ سنوات الحرب الباردة في القرن الماضي وحتى اليوم.

وللتأكيد، فان ما قدمه ماركس هو اطار نظري تطور في النصوص التأسيسية التي كتبها خلال عقدين من السنين، استخدم فيها المنهج المادي الجدلي لنقد الدين. ويتضح من تدقيقها أن ما كتبه لم يهدف الى نشر الالحاد أو كتحدٍ للإله، بل تعامل مع الدين كظاهرة اجتماعية تاريخية وليست مجرد وهم أو قضية لاهوتية، وفقهية، وإنما كاستجابة بشرية لواقع الظلم والقهر الذي تكرسه البرجوازية في النظام الرأسمالي عندما تجعل من الدين أداة لحماية مصالحها في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية التي تسعى الى إلغاء التفاوت الطبقي وتحرير الانسان. وكان ماركس واضحا في أن الصراع الاجتماعي ليس بين ملحدين ومؤمنين، بل بين طبقات متصارعة لإنهاء الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماية.

وقد تطور موقف ماركس في نقد الدين كحصيلة للنقاشات العميقة حول الدين التي تصاعدت في الوسط الفلسفي الألماني بعد وفاة الفيلسوف الألماني هيجل وصعود التيار اليساري الهيجلي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ومن أبرز ممثليه لودفيغ فيورباخ وبرونو باور وديفيد شتراوس، الذين قدموا أحد أهم المساهمات حول نقد الدين في الفلسفة الغربية الحديثة ورفض الموقف المحافظ لهيجل حول الدولة والدين كتعبير رمزي للروح المطلقة.

فعلى امتداد عدة قرون فرضت الكنيسة وكهنتها إرهابا فكريا مارست خلاله أفظع الجرائم والمجازر والاغتيالات والاستغلال الجنسي وسرقة الثروات وإشاعة الرعب باسم الدين الذي تحول الى أداة لتبرير سلطة الحاكم ووسيلة لاستعباد الفرد وتجهيل العقل في مواجهة حركة التنوير التي تبنت قضية تحرير العقل والانسان في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

فقد ركز الهيجليون اليساريون في نقد الدين على أن الروح ليست قوه فوقية تهيم في عالم الميتافيزيقيا، بل بناء بشري قابل للنقد. فمثلا  يعتبر شتراوس قصص الانجيل مجرد أساطير ورموز تعبر عن وعي الجماعات البشرية الأولى ونتاج للخيال الجمعي وليست حقائق حرفية. أما النصوص المقدسة الانجيلية فيعتبرها تاريخا للوعي وليس تاريخا للحقائق. وطالب بأن يكون نقد الدين تاريخيا وليس لاهوتيا، بينما تناول برونو باور الدين من جانبين كأسطورة وكأداة سلطة بيد الكنيسة والدولة مؤكدا أن تحرر الوعي يبدأ من نقد الوعي الديني.

وكان فيورباخ هو الأكثر تأثيرا على ماركس فقد نظر الى الدين كإسقاط للرغبات والصفات المثالية، وبذلك يفقد الفرد ذاته عندما ينسبها الى كائن متعالٍ ويتحول الدين الى اغتراب إنساني لا حقيقة روحية وتعويض نفسي لاستعادة جوهر الفرد.

ولابد هنا من الإشارة الى أن اطروحات ماركس في تقد الدين جاءت بين ثنايا ما كتبه خاصة خلال سنوات شبابه قبل ان يتحول الى مشروع العمر في كتابة (رأس المال). ففي أطروحة الدكتوراة تناول نقد الدين من خلال وعي الذات بالحرية وحرية العقل الإنساني. وتضمن كتابه (نقد فلسفة الحق عند هيجل) استخدم عبارة "الدين أفيون الشعوب" كتوصيف لدور الدين في عالم بشري مأزوم حيث يصبح الدين كزفرة المخلوق المعذب في عالم بلا قلب ولا فكر.

وفي مقدمة كتاب (الأيديولوجية الألمانية) انتقد ماركس مفهوم فيورباخ المثالي للدين وقدم تصورا بديلا يؤكد على دور الوجود الاجتماعي في نشوء الدين كانعكاس للتناقضات الاجتماعية في عالمه الأرضي، فالدين لا يولد مع الانسان. وقد فصل ماركس لاحقا في (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) علاقة الدين كجزء من البنية الفوقية لنمط الإنتاج السائد في أوروبا الذي اتسم بالاضطهاد الطبقي والاغتراب وفقدان العدالة في عالم مأزوم.

 ومن الملاحظ أن منهجية نقد الدين لدى ماركس قد تجاوزت اليسار الهيجلي في نقد البنية الاجتماعية التي تنتج الدين، ويمكن فهمه عبر تحليل نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة واشكال الصراع الطبقي والاغتراب الاجتماعي. وبذلك ارتقى ماركس في نقد الدين من مستوى الوعي الفردي الى مستوى الواقع الاقتصادي -الاجتماعي وربطه جدليا بالممارسة التي تهدف الى تغيير الواقع وتحرير الانسان والعقل.

 في هذا السياق يصبح الدين مرآة للإنسان والمجتمع ويصبح نقده مشروعا لتحرير الانسان من الواقع الاجتماعي الذي يولد الاغتراب، لان الدين تعبير عن البؤس الاجتماعي وأحد أدوات الهيمنة الطبقية الذي يتم تجاوزه بإنهاء شروط الاغتراب البشري.

من هذا نرى أن ماركس قد وظف المنهج المادي الجدلي في دراسة الدين كبنية فوقية تنبثق عن الواقع المادي للمجتمع وتعبير عن معاناة حقيقية وعميقة يعيشها البشر في المجتمعات الطبقية بسبب الفقر والظلم، وكلغة رمزية يسعى الانسان عبرها الى تفسير عالم لا يمتلك السيطرة عليه والتعويض نفسيا عن غياب العدالة الاجتماعية. في هذا التعويض النفسي يصبح الدين مخدرا ومخففا للآلام، ولكن تبقى أسباب الاغتراب والألم النفسي باقية ومستمرة وهو معنى الجملة الشهيرة "الدين أفيون الشعوب". فعندما تكون العلاقات الاقتصادية ظالمة في دولة غير عادلة تمثل مصالح الطبقة البرجوازية بشتى أشكالها ومنها الطفيلية والبيروقراطية والاوليغارشية يفقد فيها المواطن السيطرة على شروط حياته، في هذه الظروف يوفر الدين للفرد ملاذا روحيا آمنا، ولكن لدى السلطة يتحول الى وسيلة لتبرير الاضطهاد وغياب العدالة. وفي هذا السياق اعتبر ماركس الدين مؤسسة اجتماعية، تنتعش في المجتمعات الطبقية وأداة يستخدمها الرأسماليون ليتحكموا بالطبقة العاملة "البروليتاريا". والتناقض هنا أن الدين يعطي الطبقة العاملة شعورا بالراحة في واقع الظروف البائسة التي تحيط بهم حيث إنه يركز على ما ينتظرهم من المتع بعد الموت، ولكن السلبي فيه أنه يعيق النشاط من أجل تغيير ظروفهم الحالية عبر الثورة الاجتماعية.

ومن الضروري هنا الإشارة الى أن نقد ماركس للدين لا يجعل منه وهما أو خداعا متعمدا من رجال الدين، بل هو وعي من نتاج بنية اجتماعية متكاملة نتيجة الشعور بالاغتراب كحالة إنسانية نفسية اجتماعية تخلق وعيا مشوها للذات يحتاج الى عالم مثالي سماوي مقلوب يمنحه الطمأنينة والراحة.

هذ الربط بين الاغتراب والدين هو جوهر الموقف النقدي المادي الجدلي من الدين والدولة والوعي والعلاقات الاجتماعية، ومفتاح لتفكيك البنية التي يجد الانسان فيها ملجأ خارج ذاته ومعنى في السماء.

وقد استخدم ماركس مفهومي الاغتراب و الفتيشية (الصنمية) في موضوعاته حول نقد الدين. فالاغتراب هو انفصال الانسان عن جوهره كتجربة وجودية ونفسية واجتماعية يعيشها العامل في النظام الرأسمالي. فهو لا يملك نتاج عمله ولا يتحكم في عملية الإنتاج ويغلبه شعور نفسي بأن قوة عمله غريبة عنه ويتحكم به آخرون، ويفقد علاقاته بذاته والآخرين والعالم وشعور بالانفصال وفقدان السيطرة. بينما تمثل الفتيشية الآلية الاجتماعية الاقتصادية التي تحول العلاقات بين البشر الى مجرد علاقات بين أشياء وليس شعورا، فتصبح السوق قوة فوق البشر حيث تكتسب السلع و لنقود قوة اجتماعية، ولذلك تمثل الفتيشية خللا بنيويا في الادراك يجعل الانسان عبدا لنظام من صنعه، وهي السبب وراء تكون بنية رمزية تخلق وعيا مشوها زائفا يخدم البنية الاجتماعية القائمة، ومفتاح لفهم العلاقة المتبادلة بين الاقتصاد السياسي والاغتراب. فلدى ماركس يصبح نقد الدين هو الشرط الأول لكل نقد لأنه سيكشف عن الاغتراب والفيتيشية، ومنه انطلق الى نقد الرأسمالية وليس الى مهاجمة الدين أو إلغائه بالعنف لإنه ليس سبب الاغتراب، فالتحرر الحقيقي يأتي عبر تغيير علاقات الإنتاج بما يمكن الانسان من استعادة نتاج عمله في مجتمع مدني مبني على أسس العدالة الاجتماعية.

وقد تصدى العديد من المفكرين لإغناء وتجديد وتحديث آراء ماركس حول الدين بما يتماهى مع التطورات العميقة التي شهدها العالم خلال القرن العشرين. وهناك من حاول نقد منهجيته واستنتاجاته، ومن أهمها أن ماركس لم يميز بين الدين (كظاهرة) والتدين (كطقوس وممارسات ومؤسسات) نتيجة اعتماده صيغة جامدة لبنية نمط النتاج التحتية والفوقية، أو باعتبار النقد لا ينطبق على ديانات أخرى غير المسيحية فهو نقد للمؤسسة الدينية في سنوات الظلام الأوربي وليس نقدا لجوهر الدين.

ولم يتوقف نقد الدين بوفاة ماركس ذلك أنه على عكس بعض تصورات مفكري ما بعد الحداثة لم يتراجع الدين نتيجة العولمة والثورة العلمية وأتمتة التصنيع، بل نشهد صعود تيارات سياسية وثقافية دينية، والعديد منها متطرفة وإقصائية، وفي جو عالمي تميز بازدياد الفجوة بين من يملك ولا يملك، واتساع الحروب والنزاعات التي استخدم فيها الدين بطرق اختلفت عن تلك التي سادت في القرن التاسع عشر وعملت موضوعيا على تجديد الدين كفكرة وكصناعة، خاصة في ظروف الثورة العلمية والرقمية التي ستعيد انتاج الوعي الديني كانعكاس لواقع الاغتراب والفتيشية المرافقة له.